محمد
الحمامصي: أكتب الشعر بعد أن أطرد لغة الصحافة
محمد الحمامصي، كاتب
وشاعر مصري له «الجسد والحلم» ولا «أحد يدخل معهم» و«النور قارب على الزوال»،
وحديثاً، موضوع حوارنا هنا: «موت مؤجل في حديقة». عن الشعر وشوؤنه كان هذا الحوار:
يلاحظ أن دواوينك قد
صدرت على وتائر غير منتظمة، «الجسد والحلم» صدر عام ١٩٩١ و«أحد يدخل معهم» في
(١٩٩٦ ) و«النور قارب على الزوال» (٢٠٠٣) وأخيرا، بين أيدينا ديوانك «موت مؤجل في حديقة»، هل الشعر مزاج أم حرفة؟
﴿
أنا مؤمن إيماناً لا يحتمل الشّك، أن حرّ الشعر لا يعوّل على زمان أو مكان. هذا
وقد اعتدت أن أكتب ما أعيشه في حياتي على كل مستويات هذه الحياة. لا أستطيع
الكتابة لمجرد الكتابة، فهذا عملي الصحفي والنقدي أحيانا، أما الشعر فلا بد أن
أعيشه وأظن أنه يخرج مني لحما ودما وروحا، حتى الشكل الذي أكتب فيه خرج وفقا لهذه
الممارسة الحياتية في الشعر، بمعنى أنني لم أنتقل من كتابة القصيدة التفعيلية لكتابة
قصيدة النثر، لأنني رغبت في ذلك، أو لأنني لا أريد السير على خطى السبعينيين.
لا، لقد تحوّلت من
التفعيلة إلى الشّعر الحر وسط مخاض عانيت فيه الأمريّن. مزقت أكثر من ديوان تفعيلي
بعد ديواني الأول »الجسد والحلم«، كنت واقعا تحت سيطرة محمد عفيفي مطر، وصلاح عبد
الصبور، كنت مهووسا بتجربتهما، لكني كسرت سيطرتهما، خلعت ملابسي وأمضيت ليلة شتوية
كاملة عاريا (شتاء ١٩٩١)، وفي الصباح بلغت قصيدة النثر وكنت أول من كتبها في جيلي،
جيل الثمانينيات ـ وظلت الصحف والمجلات الثقافية في مصر ترفض هذه القصيدة إلى أن
نشر الشاعر حسن طلب نماذج منها لي ولمجموعة أذكر منها هدى حسين وياسر الزيات وأحمد
غازي. أيّامها انتقدنا بشدة وصدرت الأعمال على نفقتنا واستقبلت رغم الجو العام
المعادي بحفاوة مؤثّرة... المهم أنني أكتب وأعرف يقيناً أن كتابتي ستبقى لسبب واحد
على الأقل: إنّها تحمل نبضا إنسانيا قادرا على التواصل الإنساني في أيّ زمان ومكان.
ما معنى أن يكون المرء
شاعراً وبالعربية في هذا الزمن؟
لا معنى أن يكون المرء
شاعرا أو كاتبا أو صحفيا في زمن تنتهك فيه لغة الضاد حضارة وثقافة وإنسانا. هذا،
بيد أن لا قيمة لحياة لا شعراء فيها أو لا قصائد تسائلنا لحظات الشّدة والانهيار.
أفلا تعين القصيدة على مواجهة صغائر الحياة وأوجاعها؟ لنبحث عن القصيدة لنساندها
لنقرأها وهذا أقل ما يستطيعه المخلص لجوهر الكلمة التي بها أنتصر على مواجعي وعلى
كلّ ما يحيط بي من ركاكة ورثاثة.
لغة بسيطة
محمد الحمامصي، أنت
تكتب بلغة بسيطة حدّ التقشف، فهل اخترت هذا المنحى عن عمد وتصميم؟
﴿ لا
أدعي ولا يستطيع غيري الادّعاء بأنه قابض على أسرار اللغة العربية. العربية أسرار
لا تحصى ولا تعد. لكلّ عربيّ عربيّته. فلكل واحد منا باحت العربية بسرّ. أحبها
لغتي وأحتفظ لنفسي بالسّر الذي اختصّتني به، والذي اكتشفته مبكرا في بساطة
وتلقائية قصائد جدتي وأمي. كانتا تلقيان عليّ أشعارهما باللغة العامية التي تغلب
عليها الفصحى.
نحن في صعيد مصر نتحدث
عاميّة هي قرينة الفصحى. كانت قصائدهما تنطق بكل مكنونات الروح والعقل والوجدان.
يحبها الصغير ويطرب لها، كما يحبها الكبير ويعجب لصورها وتشبيهاتها، وليس ذلك بسبب
موسيقاها، لا، بل بسبب ما تحمل من شجن ووجد يمسان الروح، إنني أحب اللغة وتجلياتها
العبقرية عند شعرائنا القدامر وبعض المحدثين، أحبها خالصة نقية قادرة على حمل ثقلي
الروحي والإنساني، لا أستخدم مفردة إلا إذا كنت أراني في مرآتها، ولذا قليلا ما
أحذف أو أعيد صياغة نص كتبته.
تشرّدك الأول دفعك إلى
التفكّر مليّاً بالموت الحاضر بكثافة في شعرك... ما الموت بالنسبة لمحمّد
الحمامصي؟
﴿عندما
يفشل المرء عندنا أو يرتكب فعلا شائنا أو لا تعود له قيمة، يقولون له: »روح موت«.
أنا خرجت من بيت أهلي في صعيد مصر إلى القاهرة لأكون شاعراً. أمضيت خمس سنوات من
التشرد والضياع والفقد في مدينة لا ترحم، عرفت خلالها أشكالا متعددة من الموت:
محاولات الحب والعمل والسكن والكتابة والصداقة و... و...الفاشلة وعندما بدأت أفيق،
داهم الموت شقيقيّ، وأصبحت وحيدا وعائلا.
إنني لا أكتب الموت
»فذلكة« أو مفردة نظريّة. أنا أعيش على طرق الموت في رحلة البحث عن خصوصية صوتي
الشعري. ما حياتي، في الحقيقة، إلا أسفار في أثلام أستاذنا الأعظم: الموت.
عملك الصحافي اليومي هل
يؤثّر على شعرك؟ شعراء كبار يعتاشون من قلمهم، بيد أن ما يعتاشون منه قد لا يستحق
النّشر ضمن أعمالهم الكاملة. ما رأيك؟
﴿ لا
علاقة بين شعري واعتياشي. لو كنت أيقونة ولقباً وإشاعة مثلهم، لنشرت لي المؤسسات
الناشرة ما يحلو لي من كتب.
الصحافة مهنتي، توفر لي
دخلا يسمح لي بالحياة وبكتابة الشعر. الصّحافة مهنة ممتعة، توفر لي الكتب التي
تنشر هنا و هناك في مختلف مجالات الكتابة والإبداع، وتسمح لي متابعة ما يجري من
أحداث. لكن لا علاقة لها البتّة بلغتي الشّعرية.
لا أكتب الشّعر إلا بعد
أن أطرد لغة الصحافة من دمي. أتعرّى من هموم الصحافي كي أكتب شعراً. أحيانا أسافر
للعمل إلى الإسكندرية وتتاح لي فرصة البحر والهدوء والصفاء الذهني ولا أكتب. أقول
لنفسي: أنت في مهمة صحفية حتى لو أنهيها في يوم واحد وكانت مدة إقامتي ليومين أو
ثلاثة.
هل يمكن أن تصف علاقتك
بالشعر ومدى عمقها؟
﴿
علاقتي بالشعر خاصة وسرية كعلاقتي الحميمة بالمرأة. لا يدخل بيني وبين كتابة شعري
أحد إلا الشّعر. كتابتي لقصائدي استتار بعيداً عن الزمان والمكان، ولن أبوح بما
تورثني إيّاه الكتابة من لذائذ وحرق.
أحب العرب أن يصفوا ما
بين امرأة ورجل بالبناء، تقول اللغة بنى بحليلته، فهل يبني محمد الحمامصي بقصيدته؟
هل تضع الكتابة بمصاف الشهوة؟
﴿
الباني بمحبوبته يؤلّف شعراً والباني بلغته متيّم. شهوة الشعر مكشوفة وتكرارها
ممتع. يبقى أن الأجساد تتقلب تقلّب القلوب ولأنّها كذلك فالمقارنات بين الأجساد
والأرواح قد لا تأتي لصالح أجساد كتب التصدّع عليها.
لا تزال قضية الوزن
والموسيقي مطروحة للنقاش والاختلاف ، فشعراء التفعيلة يتمسكون بها على الرغم من
رفضهم لشعراء العمود ورفض قصيدة النثر يجيء من منطلق أساسي ألا وهو الموسيقى؟
﴿ من
الذي يطرح هذا الجدل؟ من الذي يرفض ويتهم، الصراع الآن ليس صراعا فنيا شعريا، أنا
لا أرتدي ملابس من كانوا في عمري منذ خمسين عاما، ولا أتنفس نفس الهواء ولا آكل
نفس الأكل، وهكذا، فما بالك بمن يريد أن يردني إلى قرن مضى، الوزن أدى هدفه وانتهى
أمره، والموسيقى لا بد أن تتطور لأنها عصب أساسي في ممارسة الحياة وليس الشعر فقط،
والموسيقى ليست (فاعلن فاعلن فاعلن) أو ما شابه وهو كثير، الموسيقى خلق إلهي
كاللغة والإنسان والسماء والأرض والجبال والأنهار وغير ذلك، وهي الأسمى باعتبارها
تتخلل كل هذا، باعتبارها جزءا من نسيج كل هذا، الموسيقى جزء من نسيج اللغة والسماء
والأرض والجبال والأنهار، وهي هكذا في التجربة الشعرية العربية الرائدة قديمها وحديثها.
إنني أكتب في إطار هذه الرؤية، ولنلاحظ أن نقاد الشعر العربي القديم لم يكن
يستوقفهم الوزن كثيرا بل كانوا يجدون للكسر مخرجا ومبررا، لكن هدفهم كان البعد
الدلالي، وقدرة الشاعر على خلق جملة شعرية فريدة وجديرة بالتأمل.
لمن تقرأ من معاصريك؟
﴿
أقرأ للجميع دون استثناء شعراء وروائيين وقصاصين، وأؤمن بالتواصل مع كل أنواع
القصيدة. بعض ما أقرأ يدهشني والبعض الآخر لا، هناك من لا تزال تجربتهم تستمد
وجودها من تجارب المتسيّدين على عرش الشّعر. وهذا أمر لا أستغربه. فللسلطة أكانت
شعرية أو سياسية طغيان لا مفرّ منه.
أعرف شعراء جددا، ولدوا
شعرياً في الأمس القريب، يدورون ديواناً تلو الأخر في فلك هذا الشاعر أو ذاك. لا
عيب من تقليد الكبار شريطة أن يكونوا حقّاً كباراً. فهل يستحق كبارنا أن نسير في
ركبهم، أم أنّهم أقران من ساسنا وأوصلنا إلى المأزق الذي نحن فيه؟
ما الذي أضافه جيلك إلى
قصيدة النّثر؟
﴿
لكل حقبة تجاربها وأظنّ أن ما كتبناه أثرى أدبنا. أضفنا وحقّقنا روحاً جديداً
لقصيدة النثر. نحن علامة فارقة بكل تأكيد، وليس ذنبنا أنه لم تعد هناك حركة نقدية
أو لنقل بشكل أصوب وأدق ليس لدينا نقاد كفوءون، كلهم مجرد أكاديميين مدرسيين بلا
أية روح إبداعية، فالنقد إبداع أيضا.
هل الشعر خشبة خلاص؟
﴿ لا
أفهم معنى خشبة خلاص. معذرة الشعر أكبر من هذا وأسمى مقاما ورفعة. إنّه اللغة
الإنسانية في مختلف تجلياتها، هو الحضارة والثقافة، هو حركة الحياة، هو أسمى جنس
فني في تاريخ البشرية وليس عند العرب وحدهم. لو صرنا عراة من الشعر لمتنا ودفنّا
ولنخر الدود عظامنا.
(حوار عناية جابر)
السفير 2008
