سفر أيوب / بدر شاكر السياب

 سِفْر أيوب 

بدر شاكر السياب



سفر أيوب - بدر شاكر السياب - بيت النص


1

لكَ الحمدُ مهما إستطالَ البلاءْ
ومهما استبدَّ الألمْ
لكَ الحمدُ إن ٌ الرزايا عطاءْ
وإنّ المَصيبات بعض الكرَمْ
ألم تُعطني أنت هذا الظلامْ
وأعطيتني أنت هذا السّحَر؟
فهل تشكر الأرض قطرَ المطرْ
وتغضب إن لم يُجدها الغمام؟
شهور طوال وهذي الجراحْ
تمزّق جنبي مثل المُدى
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى
ولكنّ أيّوب إن صاح صاح :
" لك الحمد، إن الرزايا ندى
وإنّ الجراح هدايا الحبيبْ
أضمٌ إلى الصدرِ باقتِها
هداياكَ في خافقي لا تَغيبْ
هداياكَ مقبولةُ . هاتِها!"
أشد جراحي وأهتف بالعائدين:
" ألا فانظروا واحسدوني، فهذى هدايا حبيبي ."
وإن مسّت النار حرّ الجبينِ
توهّمتُها قُبلة منك مجبولة من لهيبِ.
جميل هو السّهدُ أرعى سماكْ
بعينيّ حتى تغيب النجومْ
ويلمس شبّاك داري سناكْ.
جميل هو الليل: أصداءُ بومْ
وأبواق سيارة من بعيدْ
وآهاتُ مرضى، وأم تُعيدْ
أساطيرَ آبائها للوليد
وغابات ليل السُّهاد، الغيوم
تحجّبُ وجه السماءْ
وتجلوه تحت القمرْ
وإنْ صاح أيوبُ كان النداءْ:
" لك الحمد يا راميًا بالقدرْ
ويا كاتبًا  بعد ذاكَ الشفاءْ! "
 لندن   26 - 12 - 1962

2

من خَلَل الثلج الذي تنثّه السماءْ
من خلل الضباب و المطرْ
ألمح عينيك تشعّان بلا انتهاءْ
شعاعَ كوكبِ يغيب ساعة السّحرْ
و تقطران الدمع في سكونْ
كأنّ أهدابها غصونْ
تنْطُف بالندى مع الصباح في شتاءْ.
من خلل الدّخان و المداخن الضخامْ
تمجّ من مغار قابيل على الدروب و الشّجَرْ
ذرًّا من النجيع و الضّرامْ
أسمع غَيْلان يناديكِ من الظلامْ
من نومه اليتيم في خرائب الضجرْ.
سمعتِ كيف دقَّ بابنا القدرْ؟
فارتعشت على ارتجاف قَرْعهِ ضلوعْ؟
ورقرت دموعْ
فاختلس المسافرُ الوداع وانحدرْ؟
**
و قبلة بين فمي و خافقي تحارُ
كأنها التائه في القفارْ
كأنها الطائر إذْ خرَّب عشه الرياح و المطرْ
لم يحوها خد لغَيْلان ولا جبينْ
ووجه غَيْلان الذي غاب عن المطار !!
و أنت إذ وقفت في المدى تلوّحينْ !!
**
إقبالُ .. إن في دمي لوجهك انتظار !
و في يدي دم إليك شدّه الحنينْ
ليتك تقبلين
من خَلَل الثلج الذي تنثّه السماءْ ،
من خلل الضباب و المطرْ !
لندن   27 - 12 - 1962


3

بعيدًا عنك في جيكور عن بيتي و أطفالي
تشدّ مخالبُ الصوّان و الأسفلت و الضجَرِ
على قلبي تمزّق ما تبقّى فيه من وترِ
يدندن : " يا سكون الليل يا أنشودة المطر" ،
تشد مخالبُ المالِ
على بطني الذي ما مرّ فيه الزادُ من دهرِ
عيون الجوع و الوحدة
نجومي في دجى صارعتُ بين وحوشِهِ بَرْدَه
و إن البرد أفظع، لا..  كأنّ الجوع أفظع، لا..  فإنّ الداءْ
يشلّ خطاي يربطها إلى دوّامة القدرِ.
و لولا الداء صارعت الطوى والبرد والظلماءْ.
بعيدًا عنكِ أشعر أنني قد ضعتُ في الزحمه
و بين نواجد الفولاذ تمضغ أضلعي لُقْمه
يمر بي الورى متراكضين كأن على سَفَرِ
فهل أستوقف الخطوات ؟ أصرخ : " أيها الإنسان
أخي ..يا أنت، يا قابيلُ.. خذ بيدي على الغُمّه
أعنِّي.. خفّف الآلام عنّي واطرد الأحزان " ؟
و أين سواكِ من أدعوه بين مقابر الحجرِ؟
**
و لولا الداء ما فارقتُ دراي يا سنا داري
و أحلى ما لقيتُ على خريف العمر من ثمَرِ.
هنا لا طير في الأغصان تشدو غير أطيارِ
من الفولاذ تهدر أو تحَمْحم دونما خوفٍ من المطرِ
و لا أزهارَ إلا خلف واجهة زجاجيّه
يُرَاحُ إلى المقابر والسجون بهنّ و المستشفياتْ
ألا.. ألا يا بائعَ الزهرِ
أعندك زهرةٌ حيّه
أعندك زهرة مما يربُّ القلب من حبٍّ وأهواءِ؟
أعندك وردةٌ حمراء سقّتها شموسٌ إستوائيّة؟
**
أأصرخُ في شوارع لندن الصّماء: "هاتوا لي أحبائي"؟
و لو أنى صرخت فمن يجيب صراخَ منتحرِ
تمرّ عليه طول الليل آلاف من القُطُرِ ؟
لندن   28 - 12 - 1962

4

يا ربَّ أيوبَ قد أعيا به الداءُ
في غربةٍ دونما مالٍ ولا سَكَنِ،
يدعوك في الدُّجَنِ
يدعوك في ظلموتِ الموتِ: أعباءُ
ناءَ الفؤادُ بها فارحَمْه إن هتفا:
يا مُنجيًا فلك نوح مزّق السُّدفا
عنّي أعدني إلى داري إلى وطني!
**
أطفالُ أيّوب من يرعاهم الآنا؟
ضاعوا ضياع اليتامى في دجًى شاتِ
يا رب أرجعْ على أيوبَ ما كانا:
جيكور والشمس والأطفال راكضة بين النُّخَيْلاتِ
و زوجة تتمرّى وهي تبتسمُ
أو ترقب الباب، تعدو كلّما قُرِعا
لعله رجعا
مشَّاءةً دون عكّازٍ به القدمُ
**
في لندنَ الليل موّتٌ نَزْعه السّهرُ
و البرد والضّجرُ
و غربةٌ في سواد القلب سوداءُ
يا ربَّ يا ليت أنّي لي إلى وطني
عَوْدٌ لتلثمني بالشمس أجواءُ
منها تنفّست روحي: طينها بدّني
و ماؤها الدم في الأعراق ينحدرُ.
يا ليتني بين مَنْ في تربها قُبِروا.
**
لأنه منك حلو عندي المرضُ،
حاشا فلستُ على ما شئت أعترضُ
و المال ؟ رزقٌ سيأتي منك موفورُ،
هيهات أن يذكر الموتى وقد نهضوا
من رقدةِ الموت كم مصَّ الدماءَ بها دودٌ ومدَّ بساطَ
الثلج ديجورُ
إني سأُشفى سأنسى كلّ ما جرحا
قلبي وعرّى عظامي فهي راعشة و الليل مقرورُ
و سوف أمشي إلى جيكورَ ذات ضحى!
لندن   29 - 12 - 1962

5

نازلًا نازلًا من صحارى السماء،
من عصور جليديّةٍ من قبور
نام فيها الهواء.
أيها الثلج، يا حشرجات الدهور
و انتحابَ المساكين في كل كهفٍ يغورْ
في جبال السنين،
كن لهيبا على أوجه العابرين،
قنّع الخوف فيها بلون الرجاء.
**
أيّها الثلج رحماكَ. إني غريب
في بلاد من البرد و الجوع سكرى،
إن لي منزلًا في العراق الحبيب
صِبْيتي فيه تعلك صخرا.
آه، لولاك يا داءُ ما عفتُ داري،
ما تركت الزهور التي فتّضحت في جداري
و العصافيرُ في ركن بيتي لهن اختصامُ .
مرّ يومٌ فشهر فعامُ
**
و الزمان ارتماءٌ بدون انتهاءْ
تزفرُ الأرض عنه وتبكي السماءْ.
ربَّ هل لي إلى منزلي من رجوعْ؟
كم أمدُّ الذراع وأهدم سقف الضلوعْ
لا أمسّ المدى أو أصيبُ الزمانا،
فهو شيء على الروح يسعى: هباء وظلمة.
ليت عصر النبوّات لم يطوِ حُلْمه ..
وشَّت المعجزاتُ الحواشي فكانت وكانا.
**
ليتني ألعازر انفضّ عنه الحِمامْ،
يسلك الدرب عند الغروبْ،
يتمهّل لا يقرع الباب: مَنْ ذا يؤوبْ
من سراديب للموت عبر الظلامْ؟
لن تصدّق أنّي.. ستهوي يداها
عن رتاجٍ، وتصفرُّ لي وجنتاها
ثم تركض مذعورةً وتشدّ بخيط الدروب
نحو قبري، وتطويه حتى تمسّ الضريحَ الحطامْ.
**
إيه إقبال، لا تيأسي من رجوعي
هاتفا قبل أن أقرع الباب: عادا
عازرٌ من بلاد الدجى و الدموعِ،
سورها كان ملحًا، نجيعًا، رمادا.
قبّليني على جبهة صكّها الموتُ صكًّا أليما،
حدّقي في عيون شهدن الردى و المعادا.
عدت. لن أبرح الدار حتى لو أنّ النجوما
دحرجت سُلّمًا من ضياءٍ وقالتْ:
                           تخطُّ السديما.
لندن   31 - 12 - 1962

6

خيالُ الجسدِ العاري
يطلّ عليّ محمولًا على موج من النارِ
من المدفأة الحمراء ذاك الرحم الضاري.
**
لكل تقلُّبٍ من موجها خفقٌ من القلبِ
تدحرجَ: عُرّي النهدان، بان الجيدُ والساقُ.
تدحرجَ لي على الجنبِ،
تدحرجَ ثم صكّ أضالعي و تُثارُ أعراقُ
ويطفر للجبين دمٌ ويعروني
دوار منه تصطكّ النواجذ: خوفَ بحّارِ
يطلُّ فيبصر التيّار يزفر مثل تنِّين.
و يصرخ آدمُ المدفون فيَّ رضيتُ بالعارِ.
بطردي من جنان الخلد أركضُ إثر حوّاءَا
أريدك، يا سرابًا في خيالي ليس يسقيني.
أريدك، ثم تطوى موجة وتطير أشلاءَا
فقاعاتٌ من النيران، من شوق و تذكارِ.
**
و جاء الجسدُ العاري،
خيالًا جاء محمولًا على موج من النارِ
من المدفأة الحمراء ذاك الرحم الضاري.
**
يميل عليّ كيف أشاءُ، أعصره كما أهوى
و لا يقوى
على رفضي، على تهديم عرش من لظى وارِ
أتوّج فوقه الآمالَ راعشة القوى شهوى.
بحار بيننا: ليلان من مدنٍ وأمطارِ
و إنّك منكِ أقربُ، أنت بعضُ دمي
خيالي أنتِ. أمنيات عمري.. كل أمنيّة
بعاطفتي تُحَرَّكُ لا عواطفك الأنانّيه.
علام مددتِ بحرُا بيننا، دنيا جليديّه
أعانقُ في دجاها جسمَكِ العاري
يطلّ عليّ محمولًا على موجٍ من النارِ
من المدفأة الحمراءِ، من وهمي وأفكاري .
لندن  31 - 12 - 1962

7

البردُ وهَسْهَسةُ النارِ
و رمادُ المدفأةِ الرّملُ
تطويه قوافلُ أفكاري.
أنا وحدي يأكلني الليلُ.
**
و يخبُّ الركبُ إلى داري:
برقٌ يتلامح في الآفاق، يعرّيها
و يذرّيها
كرماد المبخرة الثكلى
في مقبرة تهبُ الليلا
ألوانَ الموت وآهاتِ الموتى فيها.
**
يا ليلُ، لكم طال الدّربُ
تعب الركبُ،
و عراقي شطَّ وسُمّاري
ناموا. و بقيت ولا زادُ
عندي، وظمئت ولا ماءُ. ظمئ القلبُ:
لا سقيا غير شظيّات البرق الواري.
يا أغصان الليل انهمري ثمرًا إذ يُؤكل يزدادُ
السلة منه سأملأها حتى إنْ عدتُ إلى داري
فرح الأطفال به، هتفوا: " بابا.."
                                يا برق أما تخبو
فيغيب الدربُ، ولا يبدو
كم منه على الساري بعدُ!
**
البردُ وهَسْهسة النارِ
و رماد المدفأةِ الرملُ
تطويه قوافل أفكاري.
أنا وحدي يأكلني الليلُ!
لندن   1- 2- 1963

8
ذكرتك يا لميعةُ والدجى ثلجٌ وأمطارُ
و لندن مات فيها الليل، مات تنفُّسُ النورِ.
رأيت شبيهةً لك شعرها ظُلََمٌ وأنهارُ،
وعيناها كينبوعَيْن في غابٍ من الحورِ.
مريضًا كنتُ تثقل كاهلي والظَّهر أحجارُ
أحنُّ لريف جيكورِ
و أحلم بالعراق: وراء باب سدّت الظلماءُ
بابًا منه والبحر المُزمجرُ قام كالسورِ
على دربي.
و في قلبي
و ساوسُ مظلماتٌ غابت الأشياءْ
وراء حجابهن وجف فيها منبعُ النورِ.
ذكرت الطلعة السمراءُ،
ذكرت يديك ترتجفان من فَرَقٍ ومن بردِ
تنزُّ به صحارى للفراق تسوطُها الأنواءْ.
ذكرت شحوبَ وجهك حين زمَّرَ بوق سيّاره
ليؤذنَِ بالوداع. ذكرت لذْع الدمع في خدّي
ورعشةَ خافقي وأنينَ روحي يملأ الحاره
بأصداء المقابرِ والدجى ثلجٌ وأمطارُ.
لندن 2 - 1 - 1963

9

بالعضل المفتول والسواعد المجدوله
هرَقْلُ صارع الردى في غارة المحجَّبِ
بظُلمةٍ من طحلبِ.
و قام تمُّوز بجرحٍ فاغرِ مخضَّبِ
يصكُّ ( مَوْتَ ) صكّةً، محجِّبا ذيولَه
و خطْوَه الجليدُ بالشقيق والزنابقِ.
**
و انخطف الموتُ عليَّ كانخطاف الباشقِ
على العصافير، أحال ظهري
عمودَ ملحٍ أو عمود جمرِ،
أحرّك الأطرافَ لا تطيعني، مشلوله،
مات الدم الفوّار فيها، أُطفئ الشبابُ،
و امتدّ نحو القبر دربٌ، بابُ
من خشب الصليب: فالمسيحُ
مات، وفي الطوفان ضلّ نوحُ.
و أغضيتُ نواظري الذليله...
لعلّها تعتاد من دجاها
على دجًى غطاؤها الضريحُ.
**
أي سلاح ؟ آه، أيّ ساعدِ ؟
أيّة أزهارٍ تمدُّ فاها
لتأكل الموتَ ؟ و أيّ ناصرٍ مساعدِ ؟
سللتُ من قصائدي
سيفًا كأن البرقَ حدّادٌ رمى أصوله
وصبّ مقبضًا له و شفره.
بالشّعر، بالمبرق، بالمجلجل المدوّي
رميتُ وجهَ الموت يهوي نحوي
كأنه الستار في روايةٍ هزيله،
رميت وجهَ َالموت ألف مرّه
إذا أطلّ وجهه البغيضُ
كأنه السيرينُ يسعى جسميَ المريضُ
نحو ذراعيه بلا تردُّدِ
فأنتضي من سيفي المجرَّدِ،
و يقطر الشّعر ولا يغيضُ،
لأنني مريضُ
أودّع الحياةَ أو أشدُّ بالحياةِ
بخيْطهِ الموروثِ عن أمواتِ
لم يدفع الشّعرُ مناياهم وقد
                             جاءت إليهم غيله!
2 - 1 - 1963

10

يا غيمةًً في أوّل الصباحْ
تعربد الرياحْ
من حولها، تنتفُ من خيوطها، تطيرْ
بها إلى سماوة تجوع للحريرْ،
سينطوي الجناح،
ستنتف الرياح ريشَهُ مع الغروبْ،
يا غيمةً ما أمطرت، تذوبْ.
**
فأبرقي وأرعدي وأرسلي المطرْ
و مزِّقي ذوائب الشجرْ
و أغرقي السهوبْ
و أحرقي الثمرْ.
سترجحنّ بعدك السنابلُ الثقالُ بالحبوبْ
و تقطف الورودَ والأقاحْ
صبيّةٌ يؤجُّ في وجنتها الجنوبْ،
و أنتِ ذرَّة من الدماء والجراحْ.
و أنت يا شاعرَ واديك، أما تؤوبْ
من سفر يطول في البطاحْ،
تراقص النّهرْ
و تلثم المطرْ؟
أما سمعتَ هاتف الرواحْ:
"خام وزنبيل من الترابْ
و آخر العمر ردًى" ويطلع القمرْ
فأبرقْ ارعد، أرسل المطرْ
قصائد احتوى مداها دارةَ العمُرْ،
يا غيمةً في أول الصباحْ
يا شاعرًا يهم بالرواحْ
وودِّع القمرْ !
لندن  2 - 1 - 1963


تعليقات