شيء يحترق في الخارج / لاسلو كرسناهوركاي

 شيء يحترق في الخارج

لاسلو كرسناهوركاي

ترجمة أسماء ياسين

شيء يحترق في الخارج - لاسلو كرسناهوركاي - بيت النص



سانتا آنا بحيرة ميتة تكونت داخل فوهة بركان، على ارتفاع نحو 950 مترًا، لها شكل دائري منتظم بشكل مدهش. تملؤها مياه الأمطار، والأسماك الوحيدة التي تعيش فيها هي أسماك السلور. إذا جاءت الدببة للشرب، تسلك مسارات مختلفة عن البشر عندما تنزل من الغابات المغطاة بأشجار الصنوبر. الجانب الآخر نادرًا ما يُقصد، وهو مستنقع مسطح. اليوم، يمتد مسار من الألواح الخشبية عبر المستنقع. يطلق عليه بحيرة موس. أما المياه، فيقال إنها لا تتجمد أبدًا؛ ودائمًا ما يكون منتصفها دافئًا. ماتت الفوهة منذ آلاف السنين، وكذلك مياه البحيرة. وفي الغالب، يخيم صمت كبير على الأرض.
"إنه مثالي" قال أحد المنظمين للوافدين في اليوم الأول وهو يطلعهم على المكان. مثالي للتأمل، وللجولات المنعشة، التي لم ينسها أحد، مستفيدًا من قرب المخيم من الجبل الأعلى، المعروف باسم قمة الألف متر؛ في كلا الاتجاهين صعودًا إلى القمة، ونزولاً من القمة! كانت حركة المشاة كثيفة إلى حد ما: كثيفة، لكن هذا لم يعن بحال أنه ليس ثمه جهود أكثر حماسة تبذل، في وقت واحد، بالمخيم أدناه؛ والوقت، كعادته، يمر، بشكل محموم أكثر من أي وقت مضى، وبينما الأفكار الإبداعية، المتصورة أصلاً لهذا الموقع، تتبلور وتبلغ في خيالهم شكلها النهائي؛ كان الجميع قد استقروا في مساحاتهم المخصصة، بعد أن جهزوها وأثثوها بأيديهم، وحصل معظمهم على غرفة خاصة في المبنى الرئيسي، لكن هناك أيضًا من انسحب إلى كوخ خشبي، أو سقيفة مهجورة منذ زمن طويل؛ وانتقل ثلاثة إلى عليَّة المنزل الضخمة النقطة المحورية للمخيم، حيث خصص كل منهم مساحة منفصلة لنفسه، وهذه، بالمناسبة، كانت حاجة الجميع الكبرى: أن يكونوا بمفردهم في أثناء العمل؛ الجميع ينشدون الهدوء، دون إزعاج أو قلق. وهكذا بدأوا عملهم، وهكذا مرت الأيام، معظمها في العمل، مع حصة أصغر مخصصة للمشي، والسباحة الممتعة في البحيرة، وتناول الطعام، والاستماع للغناء مساءً حول نار المخيم، مع براندي محلي الصنع.
لكن ثبت أن اللجوء لتعميم واحد في هذه الحدوتة أمر مضلل، ومع أن الحقيقة تجلَّت تدريجيًّا، فقد تبدت لأشدّ الناس يقظةً أول يوم عمل؛ لكن معظم الناس اعتبروها أمرًا محسومًا في صباح اليوم الثالث، وهي أن واحدًا من بين هذا العدد، من بين الاثني عشر، كان مختلفًا تمامًا عن البقية. وكان وصوله بحد ذاته غامضًا للغاية، أو على الأقل مختلف تمامًا عن وصول الآخرين، لأنه لم يأتِ بالقطار ثم بالحافلة؛ ومهما بدا الأمر غير مُصدّّق، فإنه في عصر يوم وصوله، ربما نحو السادسة أو السادسة والنصف، تهادى ببساطة نحو بوابة المخيم، كشخص وصل لتوه سيرًا على الأقدام، دون شيء سوى إيماءة مقتضبة.
وعندما سأله المنظمون بأدب واحترام عن اسمه، ثم أخذوا يسألونه بإلحاح عن كيفية وصوله، أجاب فقط بأن أحدهم أوصله إلى منعطف في الطريق بالسيارة؛ لكن الصمت كان مطبقًا، ولم يسمع أحد صوت أي سيارة على الإطلاق يمكنها أن تنزله عند أي "منعطف في الطريق"، وبدت فكرة وصوله بالسيارة، ليس لكل الطريق، بل حتى عند منعطف معين فيه فقط غير معقولة، لدرجة أن أحدًا لم يصدقه نهائيًّا، ناهيك بأن يفسر كلماته.
وبالتالي، ومنذ اليوم الأول، ظل الاحتمال الوحيد والعقلاني، وإن كان الأكثر عبثية، أنه سافر كامل المسافة سيرًا على قدميه؛ واستراح في بوخارست ثم انطلق في الرحلة، وبدلاً من ركوب القطار ثم الحافلة التي أتت إلى هنا سار ببساطة، ومن يدري كم أسبوعًا استغرقت رحلته الطويلة إلى بحيرة سانتا آنا، والدخول من بوابات المخيم في السادسة أو السادسة والنصف مساءً، وعندما سُئل عما إذا كانت اللجنة المنظمة تتشرف بلقاء أيون جريجوريسكو، أجاب بإيماءة واحدة مقتضبة.
لو كانت مصداقية روايته تعتمد على حال حذائه، لما شك أحد إطلاقًا، ربما لونه بني أصلاً، كان حذاءً صيفيًا خفيفًا من الجلد الصناعي، مُطرّزًا بزخرفة صغيرة عند أصابع القدم، وهو الآن مهترئ تمامًا حول قدميه. انفصل نعلا الحذاء عن الجزء العلوي، وتسطح الكعبان تمامًا، وعند إصبع القدم اليمنى، مزق شيءٌ ما الجلد بشكل قطري، كاشفًا عن الجورب تحته. لكن الأمر لم يقتصر على حذائه فقط، لذلك ظل الأمر لغزًا حتى النهاية: فقد اختلفت معظم الملابس التي يرتديها عن الزي الغربي أو المُتغربن للآخرين، إذ بدت كأنها تخص شخصًا خرج لتوه من أواخر ثمانينيات القرن الماضي من عهد تشاوشيسكو، من أعماق بؤسه إلى اللحظة الراهنة. كان بنطلونه الواسع حائل اللون، مصنوعًا من قماش سميك يشبه الصوف، يرفرف بخفة عند الكاحلين، لكن الأكثر إيلامًا كان المعطف بلونه الأخضر المستنقعي حائل اللون الفضفاض، ويرتديه فوق قميص منقوش، ورغم حرارة الصيف، مُزررًا حتى ذقنه. وكان نحيفًا، كطائر مائي، منحني الكتفين؛ أصلع، وفي وجهه النحيل المخيف، عينان بنيتان داكنتان صافيتان براقتان، متوهجتان، لكنهما لا تتوهجان من نار داخلية، بل تعكسانها فقط، كمرآتين ساكنتين لشيء يحترق في الخارج.
في اليوم الثالث، أدرك الجميع أن المخيم بالنسبة له ليس مخيمًا، وأن العمل ليس عملاً، وأن الصيف ليس صيفًا، وأنه لا سباحة له ولا أي من بهجة العطلة المريحة التي تسود مثل هذه التجمعات.
طلب حذاءً جديدًا من المنظمين، وحصل عليه (وجدوا له زوجًا من الأحذية، معلقًا على مسمار في السقيفة)، ارتداه طوال اليوم، وهو يصعد وينزل المخيم، لكنه لم يغادر حدوده ولو لمرة واحدة، ولم يصعد القمة، ولم ينزل منها، ولم يتجول حول البحيرة، ولم يتنزه حتى على الألواح الخشبية عبر بحيرة موس؛ بل بقي في الداخل، وعندما تصادف وظهر هنا أو هناك، كان يتجول ناظرًا إلى ما يفعله الآخرون، مارًا بجميع غرف المبنى الرئيسي، متوقفًا خلف الرسامين، وصانعي المطبوعات، والنحاتين، منغمسًا بعمق، مراقبًا كيف يتغير عمل معين من يوم لآخر. صعد إلى العليَّة، ودخل السقيفة والكوخ الخشبي، لكنه لم يتحدث إلى أحد قط، ولم يرد بأي كلمة على أية أسئلة قط، كأنه أصم وأبكم، أو كأنه لم يفهم ما المطلوب منه؛ بلا كلمات على الإطلاق، غير مبال، عديم الإحساس، مثل شبح؛ وعندما بدأوا، الأحد عشر جميعًا يراقبونه، كما كان جريجوريسكو يراقبهم، أدركوا حقيقةً ناقشوها فيما بينهم ذلك المساء حول النار (حيث لم يُرَ جريجوريسكو يتبع رفاقه قط، لأنه كان ينام باكرًا دائمًا)، مؤكدين أنه ربما يكون وصوله غريبًا، حذاؤه غريب، ومعطفه الصوفي، ووجهه الغائر، وهزاله، وعيناه، كل ذلك كان غريبًا تمامًا، لكن الأكثر غرابة، كما أدركوا، هو ما لم يلاحظوه حتى الآن، ومع ذلك كان الأغرب على الإطلاق: أن هذه الشخصية المبدعة اللامعة من عصرنا، النشطة دائمًا، كانت هنا، حيث الجميع يعملون، في كسل تام.
لم يكن يفعل شيئًا، لقد ذهلوا من إدراكهم، بل وأكثر من ذلك من حقيقة أنهم لم يلاحظوا ذلك في بداية المخيم؛ بالفعل، إن شئت، كان قد اقترب من اليوم السادس، أو السابع، أو الثامن؛ بل كان البعض يستعد لوضع اللمسات الأخيرة على أعمالهم الفنية بالفعل، ومع ذلك لم يظهر لهم العمل بأكمله إلا الآن.
ماذا كان يفعل في الواقع؟
لا شيء، لا شيء على الإطلاق.
منذ تلك اللحظة، بدأوا يراقبونه لا إراديًا، وفي إحدى المرات، ربما في اليوم العاشر، أدركوا أنه مع بزوغ الفجر وطول فترة الصباح، عندما كان معظم الآخرين نائمين، كانت هناك فترة طويلة نسبيًّا لم يظهر فيها جريجوريسكو، مع المعروف أنه يستيقظ باكرًا؛ لفترة لم يذهب فيها جريجوريسكو إلى أي مكان؛ لم يكن بجوار كوخ الخشب، ولا بجوار السقيفة، لا في الداخل ولا في الخارج: ببساطة، تعذرت رؤيته، كأنه تاه لفترة من الزمن. وبدافع الفضول، قرر بعض المشاركين، مساء اليوم الثاني عشر، الاستيقاظ فجر اليوم التالي، ومحاولة التحقيق في الأمر. تولى أحد الرسامين، وهو مجري، مسؤولية إيقاظ الآخرين.
كان الظلام لا يزال مخيّمًا عندما تأكدوا من عدم وجود جريجوريسكو في غرفته، فطافوا حول المبنى، ثم خرجوا من البوابة الرئيسية، وعادوا، ثم ذهبوا إلى الكوخ الخشبي والسقيفة، لكنهم لم يجدوا له أثرًا في أي مكان. تبادلوا النظرات في حيرة. هبّّت نسمة لطيفة من البحيرة، وبدأ الفجر ينبلج، وتمكنوا ببطء من تمييز بعضهم بعضًا؛ والصمت يكسو المكان. ثم أدركوا صوتًا، بالكاد يُسمع، ويستحيل تحديده من مكان وقوفهم. صوت جاء من بعيد، من أقصى نقطة في المخيم، أو بالأحرى من الجانب الآخر لتلك الحدود غير المرئية، حيث المباني الخارجية التي تُحدد حدود المخيم. إذ، من تلك النقطة، ورغم عدم تحديدها، لم تعد الأرض ساحة مفتوحة؛ والطبيعة، التي انتُزعت من قبضتها، لم تستردها بعد، ومع ذلك لم يُبدِ أحد أي اهتمام بها، أرض محرمة بدائية بشعة إلى حد ما؛ لم يُطالب أصحاب المخيم سوى باستخدامها كمكب لنفايات الثلاجات المتهالكة وقمامة المطبخ اليومية، وكل شيء يمكن تخيله، بحيث أصبحت المنطقة بأكملها مع مرور الوقت مغطاة بأعشاب ضارة عنيدة، لا يمكن اختراقها تقريبًا، تشبه أبعادها الإنسان؛ بنباتات شائكة، كثيفة ومعادية، عديمة النفع، وغير قابلة للتدمير.
من مكانٍ ناء، من نقطةٍ في هذه الغابة، سمعوا الصوت يتسلل نحوهم. لم يترددوا طويلاً في المهمة التي تنتظرهم، لم ينطقوا بكلمة، بل تبادلوا النظرات، وأومأوا في صمت، ثم ألقوا بأنفسهم في الأدغال، مخترقينها، نحو شيءٍ ما. كانوا قد توغلوا عميقًا، على مسافة كبرى من مباني المخيم، حين تمكنوا من تمييز الصوت، والتأكد من أن أحدهم يحفر.
داروا، إذ كان الصوت مسموعًا لهم بوضوحٍ تام، والأداة تُضغط في الأرض، والتربة تُقذف لأعلى، وتضرب عشبة ذيل الحصان بقوةٍ هائلة، وتنتشر.
كان عليهم الانعطاف يمينًا، ثم التقدم عشر أو خمس عشرة خطوة، لكنهم وصلوا بسرعة كبيرة لدرجة أنهم فقدوا توازنهم، وكادوا أن يسقطوا؛ وجدوا أنفسهم يقفون على حافة حفرةٍ هائلة، عرضها ثلاثة أمتار تقريبًا وطولها خمسة أمتار، وفي قاعها لمحوا جريجوريسكو وهو يعمل، بتروِ. كانت الحفرة عميقة لدرجة أن رأسه كان مرئيًّا بالكاد، وفي خضم اندماجه في عمله لم يسمع على الإطلاق اقترابهم وهم يقفون بالفعل على حافة الحفرة العملاقة ينظرون إلى ما في الأسفل.
في الأسفل، في منتصف الحفرة، رأوا حصانًا؛ بحجم الإنسان، منحوتًا من الأرض، في البداية لم يروا سوى ذلك، حصانًا منحوتًا من الأرض؛ ثم رأوا أن هذا الحصان المنحوت في الأرض بالحجم الطبيعي كان يرفع رأسه، ويحركه جانبًا، ويكشر عن أنيابه ويزبد من فمه؛ ويركض بقوة مرعبة، يركض ويهرب إلى مكان ما؛ لذلك لم يدركوا إلا في النهاية أن جريجوريسكو استأصل الأعشاب الضارة من منطقة كبيرة وحفر هذا الخندق الهائل، لكن بطريقة أنه في الجزء الأوسط جرد الأرض من الحصان الراكض بخوفه المروع المزبد؛ وكأنه استخرجه، وحرره، وجعل هذا الحيوان بالحجم الطبيعي مرئيًّا ويركض في رعب مروع، هاربًا من شيء تحت الأرض.
وقفوا مذهولين يراقبون جريجوريسكو، الذي واصل العمل غافلاً تمامًا عن وجودهم. لقد ظل يحفر عشرة أيام، وفكروا وهم بجانب الحفرة أنه كان يحفر فجرًا وصباحًا طول هذا الوقت. ثم انزلقت الأرض تحت قدمي أحدهم، فرفع جريجوريسكو رأسه وتوقف للحظة، ثم انحنى، واستمر في العمل. شعر الفنانون بالضيق. وفكروا أن على أحدهم أن يقول شيئًا:
"رائع يا أيون"، قال الرسام الفرنسي بصوت خافت.
توقف جريجوريسكو مرة أخرى، وصعد سلمًا إلى خارج الحفرة، ونظّف المجرفة من التراب الملتصق بها بمجرفة مجهزة لذلك، ومسح جبينه المتعرق بمنديل، ثم تقدم نحوهم؛ وبحركة بطيئة وواسعة من ذراعه، أشار إلى المشهد بأكمله.
وقال بصوت خافت: "لا يزال هناك الكثير منهم". ثم رفع مجرفته، ونزل السلم إلى قاع الحفرة، واستمر في الحفر.
وقف بقية الفنانين هناك وهم يهزون رؤوسهم قليلاً ثم عادوا أخيرًا إلى المبنى الرئيسي في صمت.
لم يبقَ الآن سوى الوداع. أقام المديرون وليمةً كبرى، ثم حل المساء الأخير؛ وفي الصباح التالي، أُغلقت أبواب المخيم؛ كانت هناك حافلة مستأجرة، وغادر المخيم بعضٌ ممن قدموا من بوخارست أو من المجر بالسيارة. أعاد جريجوريسكو الحذاء إلى المنظمين، وارتدى حذاءه مرة أخرى، وبقي معهم لبعض الوقت. ثم على بُعد بضعة كيلومترات من المخيم، عند منعطف في الطريق قرب قرية، طلب فجأةً من سائق الحافلة التوقف، قائلاً شيئًا مفاده أنه من الأفضل له أن يواصل طريقه بمفرده من هنا. لكن لم يفهم أحدٌ ما قاله بوضوح، لأن صوته كان خافتًا للغاية. ابتلع المنعطف الحافلة، فاستدار جريجوريسكو ليعبر الطريق، واختفى فجأةً من الطريق المتعرج نزولًا. لم يبقَ سوى الأرض، وصمت الجبال، والأرض المغطاة بأوراق الشجر الميتة المتساقطة في الفضاء الهائل، ومساحة لا حدود لها تخفي، وتمنع، وتحجب، وتغطي كل ما يكمن تحت الأرض المحترقة.

تعليقات