الكتابةُ شكلٌ من أشكالِ العلاجِ. يكتبُ الإنسانُ لتحريرِ شيءٍ ما داخلهِ، ومع ذلك، هذا ليس له علاقة بالقيمةِ الجماليَّةِ. إذا خلطنا بين هذا النَّوعُ من الكتابة- الذي يُعَد مشروعًا تمامًا وله وظائف علاجية وذاكرية - وبين الكتابة التي تتطلَّبُ مستوى معينًا من الجماليَّةِ، وهذا ما نعده أدبًا، فسوف نقعُ في فخِّ ''هوسُ الكتابةِ". لهذا السبب أجدُ جملة رولان بارت: "كل شيءٍ كتابةٍ" (Tout est écriture) خطيرة جدًّا، فقد اقترح أنَّ هناك قيمة جمالية مُتأصَّلة في كل ما نكتبهُ، وأنا لا أؤمنُ بهذا المبدأ.
أمَّا عن المُتعةِ الجماليَّةِ بالنسبةِ إليَّ، فهي المفاجأةُ التي أشعرُ بها أمام شيءٍ لم يُقل أو يُثبت أو يُر من قبلٍ. لماذا إذن لا تفشلُ رواية ''مدام بوفاري'' في أن تأسرنا؟ لأنها حتى اليوم تُفاجئنا، فإنَّها تكشفُ ما لا يمكننا رؤيته في حياتنا اليومية. قابلنا جميعًا شخصية مثل ''مدام بوفاري'' في موقفٍ أو آخر، لكننا فشلنا في التَّعرفِ إليها. كشف فلوبير لنا آلية العاطفية، والأوهام؛ كما أظهر لنا القسوة والعدوانية الكامنة في العاطفيَّةِ الغنائيَّةِ، وهذا ما أعتبرهُ معرفة الرواية. يكشفُ الكاتب عن جانبٍ من الواقعِ لم يُكشف بعد.
هذا الكشفُ يثيرُ المفاجأة، التي هي المتعةُ الجماليةُ، أو بمعنى آخرٍ، الإحساس بالجمال.
على الجانبِ الآخر، هناك شكلٌ آخر من الجمال: الجمالُ خارج المعرفةِ، وهو أن تصفَ ما وُصِفَ آلاف المرَّات من قبلٍ بطريقةٍ خفيفةٍ وجذَّابةٍ، وجمالِ "ما قيلَ آلاف المرَّات" أعتبرهُ "فنًّا هابطًا"، وهذا الشكلُ من الوصفِ، ينبغي على الفنَّان الحقيقيِّ أن يكرههُ بشدَّةٍ، وبالطبع، ''جمال الفنِّ الهابطِ" نوعٌ من الجمالِ الذي بدأ يغزو عالمنا الحديث.
عندما وضع تولستوي المسودة الأولى لرواية "آنا كارنينا"، كانت آنا امرأة غير متعاطف معها على الإطلاق، وكان مصيرها المأساوي مُستحقًّا ومُبررًا تمامًا. أمَّا النُسخة النهائيَّةِ من الرواية فمختلفة تمامًا، ولكن لا أعتقد أن تولستوي غيَّر أفكاره الأخلاقية خلال تلك الفترة؛ بل أرى أنه أثناء الكتابة كان يصغي إلى صوتٍ آخر غير قناعاته الأخلاقية الشخصية. كان يصغي إلى ما أُحبُّ أن أُسميه "حكمة الروايةِ". كل كاتبٍ روائيٍّ حقيقيٍّ يصغي إلى تلك الحكمة التي تتجاوزُ الأفراد، وهذا ما يفسر لماذا تكونُ الروايات العظيمة دائمًا أكثر ذكاءً من كُتَّابها. أما الروائيون الأكثر ذكاءً من كتبهم، فعليهم أن يبحثوا عن مجالٍ آخر للعمل.
فالرُّوايةِ هي الجنَّةُ المُتخيَّلةُ للأفراد. إنَّها الأرض التي لا يمتلكُُ فيها أحدٌ الحقيقة، لا آنا ولا كارنينا ، ولكن حيث يمتلكُ الجميع الحقَّ في أن يُفهَموا، سواء آنا أو كارنينا .تقولُ كل روايةٍ للقارئ: "الأمورُ ليست بالبساطةِ التي تبدو عليها''. هذه هي الحقيقةُ الأزليَّةِ للرِّوايةِ، لكنها تصبح أكثر صُعوبةً في الإصغاءِ إليها وسط صخبِ الإجاباتِ السَّريعةِ، والمُباشرة التي تسبقُ السُّؤال نفسه وتعيقُ ظُهوره.
لا تتناولُ الرِّوايةُ الواقع، بل الوجود، والوجود ليس ما حدث بالفعل، بل هو مجالُ الإمكاناتِ الإنسانيَّةِ، أي كل ما يُمكن للإنسان أن يكونه، وكل ما هو قادر عليه. يضعُ الروائيون خريطةً للوجودِ من خلال الكشف عن إحدى الإمكانات البشريَّةِ أو الأخرى، لكن أن تكون موجودًا يعني أن تكون "في العالم"، ولهذا، يجبُ فهم الشخصيَّةِ وعالمها بوصفهما إمكانات، وهكذا، تجعلنا الرِّوايات نُدركُ ما نحن عليه، وما نحن قادرون عليه.
