لماذا لا يمكن لأدونيس الفوز بجائزة نوبل
منذ عدد لا أعيّنه من السنين يكثر اللغط كلّما اقترب موعد الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل في الأدب عن أدونيس وجدارته بالجائزة وتحبّر الكتابات وتوضع قوائم المرشّحين الفعليّة أو الزائفة وتكثر التكهّنات التي تراه فائزا بها. ومثل كلّ عام وطيلة عقود لا أعيّن عددها يفوز بها غيره. وهذا العام كانت الجائزة من نصيب الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي.
إنّ مشروع أدونيس الشعري وهو أساسا شاعر ومنظر للشعر، اكتمل منذ ثلاثة عقود على أقلّ تقدير، ولا يمكن أن تكون لجنة جائزة نوبل عمياء كل هذه السنين. ويمكن بالطبع أن نستنبط تفسيرات لعدم حصول أدونيس على الجائزة منها وهذا قد يكون تفسيرا واردا أنّ لجنة نوبل لا تقرأ بالعربيّة والشعر يقرأ في لغته، ولكن قد يقوم اعتراض على هذا وهو أنّ أدونيس من أكثر الشعراء العرب إن لم يكن أكثرهم ترجمة إلى اللغات الأوربيّة، وقد يفسّر البعض ممن يرونه جديرا بالجائزة الأمر بالتحيّز أو بأسباب سياسيّة أو بغيرها.
ومهما تعدّدت التفسيرات التي قد يقترحها البعض ممّن يرى في عدم فوز أدونيس ضيما فإنّنا نعتقد أنّ جائزةً استمرّت منذ قرن وربع القرن في تتويج خيرة الكتّاب في العالم بغضّ النظر عن بعض الكبوات المترتّبة على اعتبارات سياسيّة أو غيرها (قد يدرج فيها تتويج روائي عادي وهو ألكسندر سولجنتسين سنة 1970 لاعتبارات قد تكون سياسيّة إذ عدّ منشقّا عن الاتحاد السوفياتي) لا يمكن أن تعمى عن أدونيس لو كان يستجيب لمعايير لجنة نوبل في إسناد الجائزة.
إنّ عدم فوز أدونيس بالجائزة يعود في تقديرنا إلى أنّ أدبه لا يحقّق هذه المعايير أو بعضها على الأقلّ. فالجائزة تمنح وفق وصيّة نوبل لمن يبدع في الأدب "عملا ذا اتجاه مثالي" ويفتقر هذا التوصيف للدقّة. وتقيّم الأكاديميّة السويديّة الأعمال بناء على "جودتها الفنيّة وعمقها الإنسانيّ وأثرها الثقافي". وهذا أوضح. وتزداد المعايير وضوحا عندما نطالع النصوص التي علّلت بها لجنة نوبل منح جائزة الأدب ولا سيّما في حقل الشعر. فنجد على سبيل المثال هذا التعليل لمنح الجائزة للشاعر الفرنسي رينه سولي برودوم سنة 1901 " في اعتراف خاص بتكوينه الشعريّ الذي يعطي دليلا على المثاليّة السامية والكمال الفنّيّ ومزيج نادر من صفات القلب والفكر" ومنحت الجائزة للإيرلندي ويليام بتلر ييتس سنة 1923 "لشعره المستوحى دائما، والذي في شكل فنّيّ للغاية يعطي تعبيرا لروح أمّة بأكملها" ومنحت الجائزة للشاعرة الشيليّة غابرييلا ميسترال سنة 1945 " لأنّ شعرها الغنائيّ الذي استلهم المشاعر القويّة جعل اسمها رمزا للتطلّعات المثاليّة لعالم أمريكا اللاتينيّة بأسره" ومنحت الجائزة سنة 1960 للشاعر الفرنسي سان جون بيرس "من أجل التصوير المثير للمشاعر، والذي يعكس بطريقة عصرنا ظروف عصرنا" ومنحت الجائزة سنة 1977 للشاعر الإسباني بيثنتي أليكساندري "للكتابة الشعريّة الإبداعيّة التي تضيء حالة الإنسان في الكون وفي المجتمع الحالي..." ومنحت الجائزة سنة 1995 للشاعر الإيرلندي شيموس هيني "لأعمال غنائيّة وعمق أخلاقي يرفع المعجزات اليوميّة والماضي الحيّ" ومنحت سنة 2011 للشاعر السويدي توماس ترانسترومر" لإنجازاته من خلال صوره المكثّفة الشفافة وهو يمنحنا وصولا جديدا للواقع".
لقد كان غرضنا من ذكر عدد من النصوص التي علّلت منح نوبل لهؤلاء الشعراء أن نبيّن وجود معايير محدّدة فيها ما يتعلّق بالجودة الفنّيّة وأصالة الممارسة الشعريّة وفرادتها وفيها ما يتّصل بالنفاذ إلى العصر والواقع وروح الأمّة نفاذا يرتقي بالخاص إلى ما هو كوني يمسّ الإنسانيّة جمعاء وفيها ما يرتبط بالمثل والقيم السامية.
لا نجادل في أنّ أدونيس عقل كبير موسوعيّ المعرفة وشاعر كبير متملّك لناصية الشعر ومنظر للشعر ولا نشك في أنّه اضطلع بدور محمود في تطوير النظرية وفي تثوير الممارسة الشعريّة ولكنّه شاعر كبير ومنظّر كبير بالنسبة إلينا نحن العرب. أمّا بالنسبة إلى الثقافة الغربية فهو إلى حدّ كبير "بضاعتنا ردّت إلينا". فقد كان لأدونيس وعن طريق مجلّة شعر أساسا ثمّ عن طريق كتاباته وبياناته التالية الدور الرئيس في ما سمي بالحداثة الثانية أو المنعطف الذي عرفه الشعر العربي المعاصر ابتداء من أواخر الخمسينيّات. فبعد نشأة الشعر الحرّ وإعادة الاعتبار لمفهوم المحاكاة بمعنى تمثيل الواقع والمجتمع في الشعر جاء أدونيس ليؤكّد التنافر بين الشعر والواقع وليعلن أنّ الشعر "يسير ضدّ الحادثة" وأنّه تجاوُزٌ للجزئيّ والعارض للتعبير عن الكليّ والجوهريّ. إنّ الشعر الجديد وفق أدونيس رؤيا وطريقة نظر مخالفة للسائد وكشف للمجهول وتطلع إلى الممكن وتغيير وسؤال، وهو ما يقتضي شكلا جديدا ولغة جديدة لازمة قوامها الغموض. وقد كان لهذه الاختيارات الجمالية أثر عميق في تغيير تصوّرات قطاع واسع من الشعراء العرب عن الشعر والشعريّة. ولكن هذه التصوّرات التي ابتسرناها واختصرناها اختصارا شديدا لا تعدو أن تكون استعادة للاختيارات الجماليّة المقترنة بما عرف في تاريخ الشعر الفرنسي الحديث ب"ثورة اللغة الشعريّة" التي مهّد لها شارل بودلير واقترنت بأعمال ستيفان ملاّرمي ولوتريامون وآرثر رامبو وقنّنها بعدهم بول فاليري. وانتقلت من الشعراء إلى الشكلانيين الروس وجاكبسون... قد تكون هذه التصوّرات في وقتها وربّما حتى بعده "ثوريّة" بالنسبة إلى الشعر العربي ولكنّها بالنسبة إلى الثقافة الغربيّة تنتمي إلى تاريخ الشعر وماضيه، فدور أدونيس اقترن أساسا بتيسير هجرة النظريّة الشعرية من حقل أدبيّ غربي إلى حقل أدبي عربي. وحتى ربط أدونيس الحداثة الشعريّة بخط شعري في التراث يمثله شعراء من أمثال بشار أو أبي تمّام والسرياليّة بالتصوّف لا يكفي بغض النظر عن وجاهته من عدمها لنفي أخذ أدونيس معظم نظريّته في الشعر عن الرمزية الغربيّة.
هذه الاختيارات الجماليّة وجّهت الممارسة الشعريّة عند أدونيس وأفضت إلى تقديم الذات الشاعرة على الذات وتقديم الشعر على العالم وتقديم أسئلة الكتابة على مساءلة العالم وصار مدار الشعر عند أدونيس الشعر نفسه ولذلك صار فكرا مصاغا في لغة المجاز والاستعارة والرمز. وهو ما قد يقطع الشعر عن العالم ونسغه وطراوته ليغدو تجريدا ذهنيّا ومعرفة متحققة بلغة المجاز، أو هذا ما قصد إليه الأستاذ المرحوم عبد الله صولة حين قال "فالشعر هنا لم يعد قوامه الوجدان والانفعال وإنّما قوامه العقل والصرامة (..) إنّها الفكرة الصمّاء المنشودة في مواجهة الفكرة الصمّاء الموجودة. ولا حوار بين عالم الناس وبين هذا الشعر". وعندما يغدو الشعر تفكيرا وتجريدا ألا تغدو القصائد تنويعا على قصيدة واحدة. ألا يمكن الوصول الى العام عبر الخاصّ وإلى الكليّ عبر الجزئيّ والعارض. ألا يمكن مثلما لاحظ عبد الله صولة "أن يكون عالم الناس بأشيائه مهما كانت صغيرة (...) موضوعا لكتابة انقلابيّة؟".
قد يكون تكوين أدونيس الفلسفي وانشغاله بأزمة الحضارة العربيّة وموقفه من التراث قد أفضت إلى استبداد القضايا الفكريّة بشواغله. ولكن حتّى في هذا المجال يمكن ردّ جل نقد أدونيس للتراث إلى تأكيد الحاجة إلى نقد جذري للدين أو للعقل الديني وهو ما يجعل فكره لا يتعدّى أفق فويرباخ أي أنّه يمثّل بالنسبة إلى الثقافة الغربيّة ماضيا فلسفيّا. وقد ألقى هذا الموقف الفكري بظلاله على شعره الذي غدا شعر عقل رغم أنّ الرمزيّة والسرياليّة أي شعر الحداثة الغربيّ ثورة على العقل. وهذه مفارقة أدونيسيّة.
قد يعسر على لجنة جائزة نوبل أن تجد في شعر أدونيس بعض معاييرها ولا سيّما تلك التي تتوقّع من الشعر ارتبطا بالشعور والانفعال ونفاذا إلى روح الأمّة وإلى صميم العصر والواقع نفاذا يرتقي بالخاص إلى ما هو كوني يمسّ الإنسانيّة جمعاء ويعبّر عن تطلّعاتها.
ولا يغضّ عدم فوز أدونيس بجائزة نوبل من مكانته في الشعر العربي المعاصر ولا يقلّل من الدور الذي يعود إليه في تطوّره. وإنّما قد تسيء إليه هذه الحملات التي تتكرّر كلّ عام وهذا اللغط الذي لا يترتّب عليه في نهاية المطاف سوى التضخيم من شأن الجائزة والتقليل من شأن المبدع.
.jpg)