في أعماقنا البعيدة
مختارات من شعر فاسكو بوبا
هذه المختارات (أو السلسلة الشعرية، بالأحرى) تَرجمتُها عن الإنكليزية. والترجمة التي اعتمدتُها هي ترجمة آن بننغتون. وقد اعتمدتُ ترجمة بننغتون لأنها الأكمل والأقدم، ولعل هذا هو السبب في كونها الأكثر اقتباساً في الدراسات النقدية الإنكليزية الخاصة بالشاعر. وكذلك لأن بننغتون قامت بترجمتها بالتشاور مع الشاعر. أما ترجمة تشارلس سيميك لمختارات من شعر بوبا فقد لجأتُ إليها كلما التبستْ عليَّ بعضُ العبارات في ترجمة بننغتون.
إن ترجمة الشعر تُشْبه اقتلاعَ نبتةٍ من تربتها الأم وإعادةَ زراعتِها في تربةٍ مختلفةٍ بعيدةٍ، وتحت ظروفٍ مناخية وبيئية مختلفة. وإذا صحَّ هذا التشبيهُ فإن ترجمة الشعر عن لغة وسيطة يعني اقتلاعَ النبتة وإعادةَ زراعتِها مرتين، وبالتالي ستكون الخسارة مضاعفة. لكنها، كما هو الحال في الترجمة عموماً، خسارةٌ لا بد منها. إلا أن علينا أن نأخذ في اعتبارنا أيضاً، عند تقييم الترجمة، حقيقةَ أن المسافات بين اللغات ليست موزعة توزيعاً عادلاً. فالمسافة بين البرتغالية والإسبانية، مثلاً، ليست كالمسافة بين الصربية والإنكليزية. واللغات الثلاث التي نتعامل معها في مختاراتنا هذه (الصربية والإنكليزية والعربية) تنتمي كلٌّ منها إلى عائلة لغوية مستقلة. وهو أمر لا نجد أنفسنا معه في موقف نُحسد عليه، وعزاؤنا الوحيد، في آخر الأمر، هو أن الترجمة، ابتداءً، عمل اضطراري.
إن مهمة مترجم الشعر ستكون أسهل بكثير لو اقتصرت على ترجمة "ما" قاله الشاعر. إن المصدر الحقيقي لصعوبة ترجمة الشعر هي مسؤولية المترجم عن ترجمة "كيف" قال الشاعر ما قال. فالسؤال الأصعب في ترجمة الشعر هو "كيف" لا "ماذا." وفي حالتنا هذه، ونحن نترجم عن لغة وسيطة، ليس أمامنا إلا محاولةُ التعرف على أسلوب الشاعر ومواصفاتِ لغته وتكنيكه الشعري بطرقٍ غيرِ مباشرة. من هذه الطرق غيرِ المباشرة استشارة من يعرفون الشاعر معرفة مباشرة، وبننغتون أحد هؤلاء.
تقول بننغتون في مقدمة ترجمتها إن فاسكو بوبا "يتجنب العبارات المستعارة حديثاً . . . ويفضل الكلمات السلافية القومية الأقدم." وتضيف قائلة "إنه يستمد مادته من أدب القرون الوسطى، والشعرِ الشعبي، والتعاويذِ، والألغازِ، والألعابِ، والأساطير . . . وإن الكثيرَ من هذه النكهة الشعبية يضيع في الترجمة الإنكليزية." وهذا متوقع من شاعر يرتكز في شعره على تراث بلاده الشعبي. وقد عَزَتْ رونيل أليكساندر السببَ في أن شعر بوبا لم يحظَ بدراساتٍ نقدية عميقة خارجَ بلاده إلى إدراك القارئ الغربي حقيقةَ أن شعر بوبا لا يمكن إعطاؤه حقَّه من التقييم إلا ضمنَ سياقِ يوغسلافيا. والنتيجةُ المنطقية لذلك كله هي أن تلك النكهةَ الشعبية التي ضاعت في الترجمة الإنكليزية ستضيع، لسوء الحظ، في ترجمتنا العربية هذه أيضاً.
تصِفُ بننغتون لغةَ بوبا بأنها "غنية إلى أبعد الحدود." لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن اللغة الصربية الأدبية لم تتشكل إلا في بدايات القرن التاسعَ عشرَ ولهذا فهي أقرب بكثير إلى لغة الشعب والتراث الشعبي الصربي من الإنكليزية، إذ لم يُتَحْ للغة الصربية الأدبية الوقتُ الكافي لتبتعدَ كثيراً عن اللغة الشفاهية. وتضيف بننغتون، في وصفها للغة بوبا، بأنه "مقتصد بصورة ملحوظة في استخدامه للغة: الكلمات مختارة وموضوعة في مكانها المناسب بدراية ودقة، لكي توصلَ رسالتَها بوضوح من دون مساعدةِ (أو إِشْغالِ) أدوات التنقيط." وتقول إن الإنكليزية تَستخدم دائماً تقريباً كلماتٍ أكثرَ من الصربية. ولهذا ينبغي أن نأخذَ في الإعتبار أن الجملة في النص الأصلي أقصرُ منها في الترجمة الإنكليزية، وأنْ نحاولَ قدرَ الإمكان التعويضَ عن هذا الفارق في الترجمة العربية حيثما أمكن. وذكرتْ بننغتون أيضاً خصائصَ أخرى تُميِّز اللغتين الصربية والإنكليزية عن بعضهما البعض (مثلاً: الإنكليزية تَكثُر فيها الكلماتُ القصيرة والكلمات المنتهية بحرفٍ صحيح، بينما تَنْدُرُ في الصربية الكلماتُ ذاتُ المقطع الصوتي الواحد، وغالباً ما تنتهي الكلمات فيها بحرفِ علة).
لكن بننغتون لم تذكر شيئاً عما إذا كان بوبا يكتب بوزنٍ وقافيةٍ أو لا. عن هذا يحدثنا جون سيمون فيؤكد أنَّ بوبا يكتب بلا قافية ولا وزن، وفي الغالب بلا مقاطعَ شعريةٍ (ستانزا) حتى. وللتعرف عن كثبٍ على نسيجِ هذه اللغة وخصائصِ تلك القصائد لجأتُ إلى تسجيلاتٍ لقراءاتٍ شعرية بصوت الشاعر مقرونة بنصوص القصائد في الصربية. هذه القراءاتُ تؤكد ما قاله كلٌّ من بننغتون وسيمون: الجملُ قصيرة قِصَراً ملحوظاً، وليس ثمة نظامٌ وزنيٌّ واضح— هذا إذا وَثِقْتُ بأُذُنَيَّ طبعاً— ولا قوافٍ مقصودة، كما يبدو. ولكنَّ خلوَّ القصائد من القوافي والأوزان لا يعني أنها تخلو من بِنْيَةٍ موسيقية وإيقاعية تنتظمها. وهنا يكمن مصدرُ آخرُ من مصادر الخسارة لا سبيلَ إلى تفاديه، وإن كانت هناك بعضُ الحيل لتقليصه، هو أيضاً.
ما أرَدتُه من مقدمتي هذه هو أن أؤكد للقارئ أنني لم أدَّخر وُسعاً في محاولة الإقتراب من عالم الشاعر أملاً في تقليل الخسائر التي لا مفرَّ منها حين نُضطَرُّ إلى ترجمة الشعر عن لغةٍ وسيطة هي ذاتُها بعيدةٌ عن اللغة الأصلية بُعدَها عن اللغة الهدف.
1
نرفع أيدينا
فترتفع الشوارعُ إلى السماء
نخفِض أعينَنا
فتنخفض السقوفُ إلى الأرض
من كلِّ ألَمٍ
نتجنب ذِكْرَه
تنمو شجرةُ كستناء
وتبقى غامضةً خلفَنا
من كلِّ أملٍ
نتعلق به
ترتفع نجمة
وتتحرك أمام أعيننا
بعيدةً عن متناوَلنا
أَتَسْمَعينَ الطلقةَ
التي تطير حول رؤوسنا
أتَسْمَعينَ الطلقةَ
التي تتجسس على قُبْلتِنا
2
اُنظري إلى ذلك الغريب
غيرِ المدعوِّ انظري إنه هنا
الرعبُ يطفو على بَحْرِ الشاي في الكوب
الصدأُ يتشبَّث
بحافاتِ ضحكتِنا
أفعى تتكورُ في أعماق المرآة
هل سيُمْكنني أن أخبِّئَكِ
خارجَ وجهِكِ داخلَ وجهي
اُنظري إنه الظلُّ الثالث
على مشيتِنا المتخيَّلة
الهوةُ اللامتوقعة
بين كلماتِنا
حوافرُ تطقطق
تحت القبَّة المقوَّسة لأفواهنا
هل سيُمْكنني
في حقل الاضطرابات هذا
أن أَنْصُبَ لكِ خيمةً من يديَّ
3
تمشينَ قلِقةً
على امتداد حافةِ عينيَّ
على موقد الجمر اللامرئي
أمامَ شفتيكِ
ترتعش كلماتي العارية
نحن نسرقُ اللحظاتِ
من منشار الحديد الغافل
يداكِ تسيلانِ في حزنٍ
داخلَ يديَّ
الهواءُ لا يُختَرق
4
قُفَّازاتٌ خضراءُ تخشخش
على فروع الزقاق
يَحْمِلُنا المساءُ تحت ذراعِه
عَبْرَ طريقٍ لا يَترُكُ أثراً
المطر يجثو على ركبتيه
أمام الشبابيك الهاربة
أفنيةُ البيت تغادر بواباتِها
لتقفَ في خدمتِنا
5
اللحظاتُ السامةُ الخضراء
تواصلُ المسير
عَبْرَ جباهِنا
نرحل خارجَ أجسادِنا
في صمتٍ صادرٍ
عن نظراتِنا المجنونة
بين أجفاني
أعانقُ نظرتَكِ العارية
لأَسْحَقَ فيها الألم
6
كيف يُمْكننا أن نرى
بأزرارِ البرونزِ هذه
الظلمةُ تَهْزَأُ بنا
وتَجْلِدُنا بشَعْرِها
كيف يُمْكننا أن نتكلمَ
بألسنةِ الورق هذه
ستجفُّ في سقوف أفواهِنا
حين تُشعِل كلماتُنا الضوءَ
كيف يمْكننا أن نوجدَ
بأجسادٍ من الرمالِ المتحركةِ كهذه
ملاعقُ مطْلَقَةُ العِنان
تَحْمِلُنا بعيداً حبَّةً حبَّةً
كيف يُمْكننا أن نعانق
بأذرعٍ خشبيةٍ جرداءَ كهذه
القَرَنْفُلُ في شفاهنا يموت
يموت من حرارةِ الرمل
7
البيوتُ قَلَبَتْ
جيوبَ غرفِها المُرَّة
لكي تفتشَها الزوابعُ
على امتداد أضلاعِنا
تَخْلَعُ مصابيحُ الشارع
أرديتَها الملطَّخةَ بالدَّمِ
نحن صفحتانِ من جريدة
أُلْصِقَتَا بشكلٍ أخرقَ
على جراح المساء
طيورُ اللهب
غادرتْ حاجبيَّ
وحَطَّتْ على تَرْقُوَتِكِ
8
ممراتٌ مضبَّبة
تتدفق من أهدابِنا
وتسيلُ على وجوهِنا
الغضبُ يُطوِّقُ أفكارَنا
بسِلْكٍ من الجمر
مِقَصَّاتٌ مفتوحةُ الشَّفَرات
تحاصر كلماتِنا العزلاء
مطرُ الأبديةِ المسموم
يَنْهَشُنا بشراهة
9
الأعمدة التي تُسْنِدُ السماءَ تَتَفَتَّتُ
المقعدُ الذي نجلس عليه
يهوي ببطءٍ في الفراغ
أينبغي لنا أن نتعذبَ أبداً
في صخرة الشمس
عَبْرَ عيونِنا عَبْرَ جباهِنا
ستنبثقُ كلماتُنا
لقد تَبَعْثَرَتِ الأيام
أيجب علينا أن ننتظر
أن تَتَخَلَّلَ صفرةُ الشمسِ أضلاعَنا
نسمعُ قلوبَنا تنبض
في حناجرِ الأعمدةِ الميتة
لقد هَرَبْنا من صدورِنا
10
لولا عيناكِ
لما كانت هناك سماء
في منزلِنا الأعمى
لولا ضحكتُكِ
لما اختفتِ الجدرانُ
من عيونِنا
لولا عَنادِلُكِ
لما اجتازَ الصَّفصافُ الرقيقُ
العَتَبَةَ
لولا ذراعاكِ
لما أمضتِ الشمسُ ليلتَها
في رقادِنا
11
شوارعُ نَظَراتِكِ
لا نهايةَ لها
عصافيرُ عينيكِ
لا تهاجرُ جَنوباً
من حَوْرِ نهديكِ
لا تَسْقُطُ الأوراقُ
في سماءِ كلماتِك
لا تَغْرُبُ الشمسُ
12
أَوَدُّ لو غفوتُ في البحر
لو غطستُ في بؤبؤَي عينيكِ
أَوَدُّ لو أزهرتُ على الرصيف
لو تعقبتُ آثارَ قدميكِ
أَوَدُّ لو استيقظتُ في السماءِ
لو نَصَبْتُ أريكةً في ضحكتِكِ
أَوَدُّ لو رقصْتُ سراً
لو حَبَسْتُ نفسي داخلَ قلبِكِ
أَوَدُّ لو سَرَقْتُكِ من الصمت
وأَلْبَسْتُكِ الأغاني
13
يومُنا تفاحةٌ خضراء
مشطورةٌ نصفينِ
أَنظرُ إليكِ
فلا ترينني
بيننا الشمسُ العمياء
على الدَّرَجات
عناقُنا الممزَّق
تنادينني فلا أَسمَعُكِ
بيننا الهواءُ الأصمُّ
في شبابيكِ الحوانيت
تبحثُ شفتاي
عن ابتسامتِكِ
عند تقاطُعِ الطرق
قُبلتُنا تُداسُ بالأقدام
لقد أعطيتُكِ يدي
فلم تشعري بها
الفراغُ يعانقكِ
في الساحاتِ العامَّة
تبحثُ دمعتُكِ
عن عينيَّ
في المساء يلتقي
نهاري الميتُ بنهاركِ الميت
فقط في المنام
يتوحَّدُ طريقانا
14
أذهبُ
من يدٍ إلى يد
أين أنتِ
وَدِدْتُ لو عانقتُكِ
فإذا بي أعانقُ الغياب
وَدِدْتُ لو قبَّلتُ صوتَكِ
فإذا بي أَسمَعُ ضحكةَ المسافات
شفتاي مَزَّقتا وجهي
من يديَّ المُتَخَشِّبَتَينِ
تَخْرُجينَ مضيئَةً
أحاولُ أن أراكِ
فأُغمِضُ عينيَّ
أَذْهَبُ
من جانب رأسي
إلى الجانب الآخر
أين أنتِ
15
هذه شفتاكِ
أُعيدُهما
إلى عُنُقِكِ
هذا ضيائي
أُنزِلُهُ
عن كتفيكِ
لقد أَضَعْنا بعضَنا
في الغابةِ اللانهائية
للقائِنا
في يديَّ
حَنْجَرَتُكَ
تَغرُبُ وتُشرق
في حَلْقِكِ
تتوهَّجُ وتخبو
نجومي الطائشة
لقد وجدْنا بعضَنا
على الهضبة الذهبية
في أعماقنا البعيدة
1943-1951
* فاسكو بوبا شاعر صربي ولد في يوغسلافيا في 29 تموز 1922. أصدر الكتب الشعرية التالية: لحاء (1953)، حقل الاضطرابات (1956)، سماء ثانوية (1968) الأرض المنتصبة (1972)، ملح الذئب، اللحم النيّئ، البيت الواقع على الطريق السريع (1975)، والقَطْع (1986)، إضافة إلى مسودة مجموعة تاسعة بعنوان (الحديقة الحديدية). كذلك أصدر ثلاث مجموعات من الشعر الصربي الفولكلوري هي: التفاحة الذهبية (1958)، المرح الصاخب (1960)، وشمس منتصف الليل (1962). توفي بسرطان الرئة في بلغراد في 5 كانون الثاني 1991.
