مقاطع من" نشيد أختي "
يانيس ريتسوس
ترجمة خالد الشبيهي
أختاه،
أنا لم أعد شاعرا
لست جديرا بأن أكون شاعرا .
ضلت طريقها
في ليل لا ينتهي.
أحرك رماد
أشهر أبريل الملتهبة
ولا أجد شرارة
لأشعل نار الموقد العتيق .
أنتِ من وزنت
كنوز القرون
في راحة يدك الناعمة .
أنت من أسقطتِ قمم الجبال
حيث يستريح الشعراء.
وأنا لم أعد شاعرا.
أعرف أن
الشعراء
لا يدنسون بدموعهم
المدن الكريستالية.
إنهم يسهرون
بنظراتهم الواثقة والهادئة
من أجل قياس
رهبة النور
ونبضات الكون.
ومع ذلك أنا
أختاه، أسهر
وانا أقيس نبضات قلبك
وأنفاسك.
أنتصب كبرج عال
وسط رعد البروق المزلزلة
وأمسك الصواعق دون خوف .
انهارت أقواس النور
تحت جفنيك.
لا شيء آخر يعيش
خارج دائرة الحزن
التي ترسمها عيناك في العالم.
لا أريد
أن تقرع طبول النصر
وتعلن مجدي
في غابات الربيع.
ابتسامتك
تكفيني.
ويكفي نبع عينيك،
لأروي ظمئي
وتزهر حياتي.
***
أختاه،
كانت غيمة
تظلل جفنيك دائما.
وأنت في نعومة أظافرك
تحدقين في البحر
وهو يبسط حلما لا ينتهي.
تطعمين قلبك
بأوراق الخريف،
و الأم
تفك لغز ظلها
في أعماق عينيك.
وكان النور المنبعث من وجهك
يجول في بيتنا.
لم نرك قط وأنت تبكين.
و على صدغيك
كانت العروق النحيفة
- عروق نور أزرق -
تنبض بحرارة
شفتيك المزمومتين.
كم من مرة
في أوقات نومك،
انحيث عليهما
لأقرأ سرك.
مفعمة بالحب والرحمة،
كنت تضمدين جراحنا،
في صمت.
صمتك كان يعرف كل شيء
في أمسيات الشتاء،
كنت تسيرين وحدك في الغابة،
لتعالجي العصافير العارية،
ولتدفئي
الحشرات المرتجفة .
كنت تجمعين في داخلك حبة بحبة
دموع الفقراء، والبسطاء.
وحين انهار بيتنا،
وحدك
وقفت شامخة
كظل العذراء المقذسة
لتريني النجوم
من خلال فتحات السقف.
والآن، قد انكسر صمتك،
وفى ذاك الصَّدف الصغير
الذي كنت تخفينه،
سمعث صراخ المحيط.
أختاه، لم يبق لي
حتى حجر واحد
أتمدد فوقه.
***
هل تذكرين؟
لما أهدتك الوالدة
فستانا ورديا
ومظلة صغيرة وردية .
كنت تصعدين التل المزهر
في صباح ربيعي،
خفيفة، شفافة،
- سحابة وردية من نور -
كنت تنظرين إلى السماء
كأن شيئًا من الأعلي يدعوك.
وحدها ضفائر شعرك الأسود
بثقلها الحزين،
كانت تُثقل كتفيك الضامرتين.
كنت أخاف
أن تفنيْ فى لحظة،
كنور وردي ينقشع في المغيب.
عندما كنت ألتقط
أصدافا لامعة
وحصى ملونا
على شاطئ جزيرتنا
لأرى عينيك
تبتسمان،
و أسحر قلبك
الذي كان يذوب فى صمت
في حزن العالم .
لكنك لم تكوني تعرفين كيف تضحكين،
من دموعك صنعت أجنحة
و حلقت بعيدا
لأجلب لك
حبات اللقاح من الأثير
وأنثرها على صمتك .
لكنك لا تعرفين كيف تأخدين
كنت فقط
تعطين
تعطين فقط.
تقاسمين
هداياك
وتبقى
راحتاك فارغتين.
تميلين برأسك
كطائر حزين
على عتمة جناحيك
وتغنين
أغنية الكون الجريح العجيبة.
أختاه، ارفعي رأسك.
أنا انحني لك، وأجلب لك
صباحات طفولتنا
لكي تستنشقي بعمق
رائحة ملح جزيرتنا،
وهمسات المساء،
وحين تعبرين الضباب
تعالي لترسي قربي.
عودي أختاه،
إلى بيت لحم الصغيرة،
التي أنجبتنا جميلين متواضعين.
سترين
أنني سأتخلى عن أحلام اورشليم
التي أبعدتني عنك،
وسأبقى إلى الأبد بجانبك
-صرصورا صغيرا-
يغني
لك عن
ليالي الربيع.
فهل تسمعينني؟
***
أيتها الشمسٌ، يا شمس،
الطبيعية المكسوة بالثلوج
تذوب في عينيَّ.
والنشيد العالي المرفوع
على سقالة السماء
يبني بذراعيه العاريتين
بيتي.
يسيل الضوء
على أوتار صوتي،
وأسمع صوت
سقوط وانكسار السلاسل،
أسمع الفرسان البيض
يمرّون في الخارج وهم يصدحون
بأناشيد عسكرية.
فُتحت النوافذ على مصراعيها
لتطل على بحر الصباح.
عتبتي تضيء
كعين مفتوحة.
أختاه،
لم أعد أقوى على البقاء،
غيابي سيأتيك
بماء الخلود.
وأنا الذي لم أجد فيّ القوة
لأنقذكِ من الحياة،
سأنقذكِ من الموت.
ها هي الدروب
لامعة، واضحة وضوح الشمس في الصحو.
افتحي، أختاه،
ذراعيك المربوطتين لأعبر.
لقد علّقتُ على صدري
التميمة التي صنعتها لي
في مساء ربيعي- هل تذكرين؟ -
كنا مانزال طفلين صغيرين .
بداخلها قليل من التراب الأحمر
ذكرى مثوانا الأخير
بتلة ورد مجفّفة
من حديقة بيتنا
وقليل من غبار جدار
فراقنا الأخير الطويل
و الذي خدشناه ذات ليلة بأظافرنا.
وداعا، أختاه.
قبّلي عنّي عصافير فناء بيتنا.
الأطفال الأبرياء،
الأمهات الحزينات
اللواتي يطرّزن تحت نور المصباح،
والشبان الذين يبنون،
بتحد وعزيمة،
مدينتهم
على تخوم الحياة والموت.
نشر ريتسوس هذا النص الطويل سنة 1937، ولم يكن قد بلغ الثلاثين بعد. هذا النشيد مرثية مهداة لرفيقة طفولة الشاعر أخته الكبرى لولا التي دخلت نفق الجنون المظلم، قبل رحيلها المبكر .
