لم يتغير شيء / مختارات من شعر أمجد ناصر

لم يتغير شيء

مختارات من شعر أمجد ناصر


لم يتغير شيء - مختارات من شعر أمجد ناصر- بيت النص


مفاتيح
(إلى فادي)

أملك هذه الكومة من المفاتيح التي
تتغير معادنها وأحجامها، بحسب هِمَّة ذاكرتي، ومزاجي.
بعضها مسنَّنٌّ تماماً
بعضها بفمٍ خالٍ من الأسنان
أعرف أنها لبيوت سكنتها،
ولكن كلما حاولت استنطاق أحدها لاذ بالصمت.
لهذه المفاتيح أصوات أعرفها
عندما كنت في وجه سيرانات الترحال
أغلِّقُ الأبواب على جسدي البدوي.
لبعضها طقةٌ واحدةٌ،
طقتان،
وأذكر أن لبعضها ثلاث طقاتٍ
كالتي تصدرُ عن أبوابِ سجونٍ
تلاعبُ النمور بعظام التراقي .
أملكُ هذه المفاتيح ونسيت بمرور الوقت لأيِّ البيوت كانت،
في أيِّ البلاد تقعُ،
لكنَّ مفتاحاً واحداً صدئاً بينها
كأنَّه مفتاح حظيرة أو قلعة
لم أنسه.
فها هي يدُ رجلٍ عجوزٍ لم يبقَ منها
سوى آخاديد خضراء تطبقُ عليه.


قمصانٌ جديدة

I
قادني قميصيَ المُبتلُّ عند الإبطين
والنّاشفُ في الرِّيحِ
إلي
أعضائي.
II
انفتحَ قميصيَ
كمظلةٍ في رياح الشّمال
فهبطتُ إلي المدرج الروماني
حيثُ فيلادلفيا
ما تزالُ تشجِّعُ المصارعينَ
بحركةٍ من رأسها.
III
قادني قميصيَ
المقدودُ من دُبرٍ
إلي أمي
فسألتني عن امرأة العزيز.
خلعتُ قميصي فارتجفتُ.
لكم قمصانُكم ولي قميصي.
IV
أنتم،
أيها الفتيانُ،
من كان له قميصٌ مشجّرٌ
فليخرج إليَّ
بعد صلاة الجمعة.
V
ارتدوا القمصانَ،
فقد هبّتْ رائحةُ النعناعِ.
تمايلوا في النسيم
فقد شمَّرتْ فيلادلفيا
عن ساقينٍ شقراوين،
وارتقتْ سُلّم العشب.
اصطفوا بانتظامٍ
وافتحوا القمصانَ حتى السُّرّةِ
انتظروا، أيها الفتيان،
سيفاً من البنفسج يهتزُّ
تحت جبين الملكةِ.


نباتات الظلّ

I
الحبُّ غيرُ ممكنٍ كالمرأةِ التي دشّنتْ حبيبَها بالتداعيات، كأزهار الفُلفل التي أعادتْ إلي الحديقةِ فحولةَ الرائحةِ. عَطَسَ الرجل ُومضي بين الخيطِ الأبيضِ والخيطِ الأسودِ، ولم يقع في الحبِّ.فالحبُّ غيرُ ممكنٍ، كالنوم في ضوء مصابيح المركبات الفضائية، كلغةٍ تقشّرتْ في ظهيرةٍ استوائيةٍ، فاستوتْ علي عرشِ التنقيط.
II
وعندما مررنا، وكانوا يتجادلونَ في الحبِّ نَطّتْ امرأة ٌمن نافذةٍ واطئةٍ، وأعطتْ انطباعاً بأنّ الحربَ
ما زالت دائرةً في الرُّبعِ الملآن من الكأس.
في ذلك الوقتِ لم تكن الخلاخيلُ قد دَرَجَتْ كاحتمالٍ للغواية، ولكننا سمعنا، ونحنُ علي ظهور الجياد،
نشيجاً عالياً أقربَ إلي سكِّ الدراهم، ولم نبالِ بالرّجفة التي سرت في أعناق الخيول فلكزناها،
ولكن النّهار قد طَلَعَ، وظلَّ النشيجُ عالياً في الكتب.
قال لنا رجلٌ: انهم ثلاثةٌ ورابعُهم كلبُهم.
وقال آخرُ: أربعةٌ وخامسُهم كلبُهم.
وقالتْ امرأةٌ تفوحُ برائحة البابونج: المياهُ قريبةٌ من كتفِ الجبلِ فاغسلوا ثيابَكم، واذهبوا الى النوم.
وبعد قليل عادَ التيارُ الكهربائي وألقي السلامَ، ولم يعد الحبُّ ممكناً في ظلِّ نباتاتِ الظلِّ التي تحتلُ
أركانَ الغرفة.

ماذا في القُبلة؟


لشدَّ ما حيَّره الموقعُ الإنطولوجيُّ للقُبلةِ في الحبِّ، أو ما يتصورُه حبَّاً.
مرةً قالتْ له بائعةُ هوي وهي تعدّدُ ثَمَنَ كلِّ فعلٍ يقومُ به معها (منفصلةً تماماً عن جسدِها أثناء شرحِ شُروطِ التعاقدِ.. والممارسةِ أيضاً) إنَّ لكلِّ شيءٍ ثمنَه.. وكلُّ شيءٍ ممكنٍ.. إلا القُبلةُ!
امرأةٌ مطلّقةٌ يعرفُها قبلَ الزواجِ وبعدِه تركتْ، في لحظةِ انسجامٍ كاملٍ، يدَه تصولُ وتجولُ في أنحائها البهيّةِ وشفتيه تطْبعانِ قُبلاً مُذَنَّبةً على نحرِ الصدرِ، العُنقِ، الخدينِ، ولما اقتربتا من الفمِ أدارتْ له خدَها.
استغربَ، طبعاً، هذا التمنعَ المفاجئ بعدَ أنْ قامَ بكلِّ ما يلزمُ للوصولِ الشفتين فقالتْ له: لستُ جاهزةً لتسليم مفتاحي!
لكنَّ الأغربَ من هذه وتلك الفتاةُ التي بالكاد يعرفُها ولم يكنْ في ذهنه لما دعاها إلي كأسٍ غيرُ تزجيةِ وقتٍ مرحٍ معاً.
الكؤوسُ المتلاحقةُ التي تجرعاها تحتَ قصفٍ مُتصلٍ من الضحكِ والهذرِ أدتْ إلي تلامس الأيدي، السيقانِ، تقاطعِ الأنفاسِ، فعزّزَ الإحتكاكَ بلمساتٍ اختباريةٍ للكتفِ، لوحِ الظَهرِ، تجويفِ الخصرِ أرادها عارضةً، كهذا اللقاءِ نفسِه، فتحولتْ، لدهشتهِ، ضماً وتقبيلاً علي الفم، وراحَ اللسانانِ يفتحانِ محاراً في الفمِ ويُقطّرانِ عنّاباً علي الشفاه.. وإذ حاولَ الإنتقالَ، سُفلاً، إلي الخطوةِ الأخرى أمسكتْ يدَه.
لدهشته أيضاً، بل لإحباطه، قالتْ له، بامتلاءٍ داخليٍّ لم يبلغْه: هذا يكفي!
لا بدَّ أنه احتارَ، لاحقاً، تحتَ أيِّ نجمٍ ماكرٍ يُصّنفُ أحوالَ القُبلةِ المُتَقلِّبة.
القُبلةُ..
القُبلةُ..
ماذا في القُبْلةِ؟


القلعة

 
جسدُكِ قاطعٌ كالكلمة التي رميتِها فصار تفاحُ القبلةِ نردا،
كسكينٍ تقطعُ وتقطعُ ولا تتركُ أثرا.
جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ إلي درجة أشكُّ فيها بمصدر هذا الشميم الذي يمهد الطريق
إلي طيرانٍ بلا أجنحة، فكيف في هذه الأرض الضيّقة يمكنُ للخشخاش أن يذرّ بقرنه.
جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ وضيّقٌ كعين الحسود ولكنني بأطوال نايات أسلافي أدخل وأجد ريشا ملونا
وعظاما لينة ولا أصل إلي ما أخفاه أسمك عني عندما تقدم إليّ بجرسه الآمر.
جسدُكِ قاطعٌ وكتيمٌ وضيق يصدُّ ويردُّ،
يقرّبُ خدما وأوباشا من جاهلي إعجازه ويغلق قلعته علي نفسه.


البيتُ بعدَها


لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.
فأخواتي الأربعُ، صورُها الجانبيةُ شابةً، يواصلنَ رفعَ النَّهارِ علي أثافيه الثلاثِ: الهالُ صباحاً، الكُرْكُمُ ظُهراً، النعْناعُ مساءً. ففي بيت أهلي لا حاجةَ بكَ إلي ساعةِ يدٍ أو حائطٍ يكفي أن تشمَّ الرائحةَ لتعرِفَ موقعَ الشَّمسِ في السّمتِ.
لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.
فأيدي أخواتي منهمكةٌ في ترتيبِ غرفٍ غادرَها أشقاؤهن الخمسةُ إلي بيوت أخري لن يعرفوا
فيها الراحةَ رُغم أنهم لم يعودوا ينامون علي فرشاتِ الليفِ الممدودةِ علي الأرضِ ولا يرتجفونَ أمام شاي الصباحِ وخبزهِ كالمدمنين.
لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.
حتى أننا كلما رأينا كوثرَ، كبري أخواتي، عاكفةً علي ضبطِ توازنِ الملْحِ في القمْحِ، ظننا أن أمي لم تبرحِ البيتَ الذي بنته لهفةً لهفةً بكفنٍ أبيضَ وجسدٍ أكلَه السّرطانُ قطعةً قطعةً إلي مقبرةٍ ستضمُ أولَ ميتٍ في العائلة.
لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.
النَّهارُ بخطوطِ عرضهِ الثلاثةِ
الغرفُ المرتبةُ تنتظرُ أولادَها الغائبينَ
المارثونُ الأبديُّ لأبي بين إبريقِ الوضوءِ والجامعِ.
الحنينُ الذي لا يكلُّ لأيامِ الفاقةِ السعيدة.
كلُّ شيءٍ علي حالهِ.
إلا تلك اليدَ التي يخضرُّ لها التراب.


حذاءُ سندريلا
(إنطلاقا من لوحة ليوسف عبدلكي)


حتى الرسام الذي رآها معلقةً علي أحدِ جدران مكتبي
ظنَّ أنها صورةً فوتوغرافيةً وليست رسماً بأكثر
الموادِ خشونةً.
أعرفُ أنَّ هذا أسوأ إطراءٍ للوحةٍ،
لكنَّ فردةَ الحذاءِ النسائيِّ السوداء ذات الرباط الجلدي الملتفِّ علي
الكاحل الغائب كأفعى صغيرةٍ،
كانت في أهبةِ الطيران بأكثرِ الأقدامِ خفّةً علي الأرض.
أعترفُ أنني لم أنصفك أيّها الفنان،
فكلما نظرتُ إلي هذه اللوحة نَسِيتُ ضرباتِ ريشتِكَ وفكّرتُ
بصاحبةِ الحذاءِ الذي لم أرَ قدمَ امرأةٍ تخفقُ به من قبلُ.
تصورتُها راقصةَ باليه،
عازفةَ كمانٍ،
أو شاعرةَ تفعيلةٍ
لا قصيدةَِ نثر .
فثمة إيقاعٌ مشحونٌ تركته وراءها قصيدة غنائية مشبوبة.
ثمة مسحةٌ صنميةٌ ، أيضاً، ذكّرتني برغبة غوته أن ترتدي حبيبتَه في لقائهما القادمِ
حذاءَها الأصفر.
ولكن لماذا راقصة باليه،
عازفة كمانٍ،
أو شاعرة،
وليست سندريلا
صاحبة هذا الحذاء المحسود؟


فتاة في مقهى كوستا

 
في مقهى " كوستا " بهمرست جاءت وجلست على الطاولة أمامي
مع أن المقهى خال من الرواد في ضحى يجاهد عبثا لانتزاع شعاع من
سماء لندن الطلساء . كنت أفكر في قصيدة فيها فتاة تأتي وتجلس أمام
شاعر يحاول أن يكتب قصيدة عن فتاة تأتي وتجلس أمامه في مقهى
خال من الرواد .
وضعت الفتاة كتبها على الطاولة وحقيبتها على الأرض ونضت
عنها سترة عنابية من الجلد الصناعي فتساقطت قطرات من المطر
واندفع نهداها القاسيان إلى الأمام وارتجا خلف بلوزتها .
مالت على حقيبتها فتهدل شعرها فلمته بحركة سريعة إلى الخلف ،
أشعلت سيجارة وأخذت ترشف قهوتها وهي تنظر بزاوية منحرفة
من عينيها .
أكثر من مرة همَّت أن تقول شيئا ولم تفعل وأكثر من مرة هممت
أن أتحدث إليها وأتراجع .
ببلوزتها الزرقاء نصف الكم التي تكشف زنديها المبرومين وبكتفيها
اللتين تنط منهما فهود صغيرة وبقدمها التي تتحرك تحت الطاولة
على شكل مروحة
كانت تشبه فتاة القصيدة .
كل الإشارات تدل عليها .
كان وزن الهواء وحركته يتغيران تحت الطاولة .
أوقعت قلمي ، كما لو سقط عرضا ، على الأرض ، لأرى ما الذي يجري
وما إن التقطته ورفعت رأسي حتى اختفت الفتاة .
كان على الحائط أمامي ملصق إعلاني كبير لفتاة تجلس وحيدة
تدخن وتحتسي قهوة وتنظر بزاوية منحرفة من عينيها في مقهى
يشبه هذا المقهى .

 
دوامة الهواء ماتزال تحت الطاولة
فنجان القهوة الساخن
السيجارة المدخنة على حافة المنفضة
المنديل الورقي المبقع بأحمر الشفاه
قلبي الذي تسمع دقاته من بعيد .
القصيدة التي فكرت بقصيدة أخرى وكتبتها .


عدو شخصي

 
ليس لي أعداء شخصيون
هناك نجم لا يزفُّ لي خبراً جيداً،
وليلٌ مسكون بنوايا لا أعرفها.
أمرُّ بشارعٍ مريبٍ وأرى عيوناً تلمع
وأيدياً تتحسس معدناً بارداً،
لكن هؤلاء ليسوا أعداء شخصيين،
فكيف لجبلٍ
أو دربٍ مهجورٍ أن يناصباني العداء،
أو يتسللا إلى بيت العائلة؟
أيها الشيء القاتم الذي أخذ أمي وحبيبتي الأولى
والأنفاس التي رفعت عليها مداميك حياتي إلى الجانب الآخر من التراب
ما أنت؟
ما مشكلتك معي
إن كنت رجلاً اخرج إليَّ من مكمنك
تعال نلتقي في أي جبَّانة تريد
وجهاً لوجهٍ
لسوف ألقنك مواثيق الرجال
كما لقنتني إياها الصحراء والغدران الجافَّة
أرني وجهك قبل أن تنتضي قناعك الذي تسمّيه عقاباً إلهياً
فأنا لي آلهتي أيضاً لكني لن أدعوها لنزال الوجوه السافرة
إن كان لك دين عندي
أو مشكلة شخصية كأن أكون خطفت هيلين الشقراء من حضنك
ومرغت شرفك في الوحل
مع أني لا أذكر شيئاً كهذا
لا تسترد دينك من الذين يمرون في هذه الدنيا
كما تمر أنفاس الرعاة في قصب الناي..


حديثٌ عاديٌّ عن السرطان

 
كلما تذكرنا صديقاً راحلاً لاحظنا أنه اصيبَ به.
أتَرى؟ ليس هناك من يموت في محيطنا هذه الأيام بغيرِ السرطانِ، صائدِ الغفلاتِ اللعين.
قلتُ هذا للصديق الذي أخبرني عن صديقٍ آخرَ تسللَ إليه السرطانُ وهو يفكّرُ في منظورٍ أهليٍّ للصحراء.
قال إن صديقنَا المشتركَ شعرَ فجأةً بصداعٍ غيرِ عاديٍّ فأخذوه إلى المستشفى فوجدوا الورمَ الخبيثَ متمكّناً من دماغِه فاستأصلوه، ثم أخضعوه للعلاج الكيماويِّ الذي حَتَّ شَعْرَ رأسِه ورموشَه وحاجبيه حتى صار له وجهُ طفلٍ رضيعٍ مُعتلٍّ، ثم ماتَ صامتاً، محِّدقاً بمن حوله بذهولٍ غيرِ مصدّقٍ أن الأمرَ كلِّه بدأ بصداعٍ زائدٍ عن الحد قليلاً،
صَمَتَ ثم قال: أتدري أن أخي الأكبرَ ماتَ بالسرطان في الأربعين من العمر؟
فأخبرتُه أن أمي أيضاً، باغتها السرطانُ مرتين، الأولى في حدودِ الخمسينِ فأمهلها عشرَ سنينَ ثم صارعته في الثانية سبعةَ أشهرٍ من دونِ أملٍ يذكرُ، والمشكلةُ أنني قرأتُ لا أدري أين أن الإنسانَ يموتُ كما يموتُ أهلهُ.
تهيأ لي أنه تَحَسَّسَ رأسهَ فقلتُ له بما أنك تجاوزتَ الأربعينَ فمن الجائزِ أن لا تنطبقَ عليك القاعدةُ، أما أنا فالاحتمالُ لا يزال يُدوّزنُ أخفتَ أوتارِه أمامي.
سألني كيف أحبُّ أن أموتَ. فقلتُ له: بالقلب، وأنا نائمٌ على سريري وفي الصباح يجدونني ميتاً.
فوافقني الرأيَ قائلاً إن السكتةَ القلبيةَ هي، على ما يبدو، الطريقُ الأقصرُ والأقلُ مهانةً للموت، فليست لديَّ شجاعةُ أخي الذي رفضَ العلاجَ الكيماويَّ وظلَّ بكامل شَعره يدخّنُ ويشربُ إلى أن لفظَ أنفاسَه الأخيرة.
صَمَتَ فترةً أطولَ ثم قال: هل أنت متأكدٌ أنَّ الإنسانَ يموتُ كما يموتُ أهلُهُ؟
فقلتُ له: لا أدري!


جسدي


جسدي يتداعى كمركب للاجئين في بحر هائج.
الألواح تسقط..
المياه تصعد إلى السطح.
المحرك يتلقى ضربة من قرش أو حوت.
الحصار محكم.
وأنا لا أستطيع الفرار.
ليتني أستطيع أن أترك جسدي هنا.
وأنجو ببضع حبات جوز وضعتها في آخر لحظة في جيبي.

 
جسدي يخذلني.
وهذا ليس جديداً.
كان يفعل ذلك مراوغة.
الآن صريح ومباشر في مسعاه.
كلما نهضت وقعت على الأرض.
لا أستطيع أن أبقى واقفاً على قدمي ما تبقى لي من أيام.
حتى الشجرة لا تفعل.
ألم نر أشجاراً ممددة إلى جانبها لكي ترتاح من عبء الوقوف؟


العصفور المغرد

 
أهلاً أيها العصفور المغرد. ها أنت تتفقد موقعي اليوم، بجانب نبتة المليسة، أو التي يسميها الإنكليز فيزبانا.
أسمع صوتك في أغصان شجرة السرو، أعرف هذا الصوت جيداً، ولطالما سمعته في هذا الركن من حديقة بيتي الصغيرة.
ولطالما رأيتك ... بالقرب مني. لا تخف. ثم تطير إلى غصنك. لكن اعذرني نسيت اسمك، لا أظن أن هذا الأمر يؤثر على علاقتنا الطويلة، فأنت أيضاً لا تعرف اسمي. ترى جسدي المكوم على كرسي ... شعر رأسي الشائب. تعرف أنني أنا، تسمعني موسيقاك من دون أن أطلبها. وبلا قيد أو شرط.
المهم الآن هو وجودنا. أنا أؤكدك وأنت تؤكدني. هذه علامة حياة لكلينا.



ذكرى

 
الرصاصةُ التي أطلقها من مُسدّس والده العسكريِّ "البرشوت" عندما كان يلهو تحت قوسِ القيظِ والضجر وكادتْ أن تودي بحياةِ أخيه الأصغر استقرّت في الدرفة الوسطى من أول خزانة ثيابٍ اشترتها العائلةُ وتُركَتْ هناك (قصدا على الأغلب) لتظلَّ مادةً للكلام عن بِكْرِ العائلة الذي خرج ولم يعدْ.


مسرح

 
لستُ أصلاً ممن ينتظرون. فلا أنتظرُ. شيءٌ عَبَرَ الحواسَّ الخمسَ وتلاشي.
فقاعةٌ حطَّتْ علي مقدمةِ الأنفِ وانفجرت. دويُّ العصافير يشيلُ النائمةَ
من سريرها ويضعُها أمام المرآة. صورةٌ غائمةٌ لأفقٍ يبلّلهُ مطرٌ غيرُ متوقعٍ.
أن يجيءَ لا أحدٌ يتكهنُ بذلك. ولكن صِبية كانوا يجرّونَ جرواً صغيراً من ذيله
أذهلوا المارَّةَ بصفيرهم الكئيب. اختلاطاتٌ دفعت المتشائمين إلي التشهد
فقد دنتْ ساعةُ الإفطار، واصطفت العائلةُ حول المائدة. كان الواجبُ انتظارَ الذي يجلسُ في الصدارة عادةً. وعندما استوضحوا الأمرَ سُمِعَ عويلٌ في الجناح العلوي.
فكان طفلٌ صغيرٌ يجرّبُ سكينَ المطبخِ. الاّ أنها لحسن الحظ عادتْ إلي النوم ثانية، واكتفت العائلةُ بجرعاتٍ سريعةٍ من الشاي. أجراسٌ تقرعُ. رائحةٌ غريبةٌ. كأنَّ قطيعاً من الماعز يرعي أعشابَ الإبطين.
هذا ما قاله الرجلُ لزوجته في الرسالة الأخيرة،غير أن الهواءَ الطلقَ الذي أزاحَ السِّتارةَ كشفَ للجميع
أن اللعبةَ انتهتْ.

تعليقات