قصيدة النثر العربيّة: قصّة التباس
إنّ ما يُنْمى اليوم في الخطاب الأدبي العربي إلى قصيدة النثر شعر لا يخضع للأوزان الخليليّة إلاّ أنّه يتوخّى نظام البيت، أي وحدة التقطيع الإيقاعي والتركيبي التي تشغل جزءا من السطر. ويعدّ هذا الشكل في أعراف النظريّة الشعريّة الغربيّة شعرا حرّا ذلك أنّ ما يميّز قصيدة النثر اعتمادها الأسلوب النثري أي نظام الفقرة التي تتكوّن من جمل في حين يتوخّى الشعر الحرّ نظام البيت. وهذا أساس التمييز بينهما في الآداب الغربيّة. أمّا كتابة قصيدة النثر وفق الأصول الغربيّة، أي بالشكل الخطّي النثري، فظاهرة غدت في الطور الراهن من الشعريّة العربيّة نادرة بل هي، بالقياس إلى ما يكتب في نظام البيت، من الشاذّ الذي يحفظ ولا يقاس عليه. ولعلّها لم تتجسّم فعلا في الممارسة الشعريّة العربيّة إلاّ في فترة زمنية محدّدة تبدأ حوالي سنة 1960 أو قبيلها ، وفي ارتباط بمجلّة شعر اللبنانيّة، وفي كتابات شعراء لبنانيين وهم أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا. فقد طفت هذه الظاهرة الأدبيّة في العقد السابع من القرن العشرين واستمرّت ولكن باندفاع أقلّ في العقد الذي تلاه قبل أن تأخذ في الانحسار. وهو ما يعني أنّ لقصيدة النثر إذا تقيّدنا بمفهومها الغربي حدودا زمنيّة وجغرافيّة. وما استمرّ منها بهذا المفهوم وخارج هذه الحدود فرهين اختيارات بعض الشعراء الفرديّة.
أمّا ما يدرج في أيّامنا هذه تحت مسمّى " قصيدة النثر" فالحريّ إذا تقيّدنا بمعايير التمييز بين الأشكال في النظريّة الشعريّة أن يُسمّى شعرا حرّا. ونزيد صفة "غير تفعيلي" لتمييزه من الشعر الحرّ المبنيّ على التفعيلة الخليليّة. ونحن بهذا لا نزعم جديدا. فقد نوّه بهذا الأمر آخرون شعراء ونقّادا .غير أنّ المسألة في جوهرها لا تتعلّق بالتسمية في حدّ ذاتها وإنّما بما تفترضه قصيدة النثر من استخدام للشكل النثري واتّخاذها الفقرة التي تنقسم إلى جمل وحدةَ بناء. فإذا توخّى الشاعر نظام البيت مثلما هو شائع في قصيدة النثر العربيّة في طورها الراهن خرج من نظام النثر ليكتسب مكتوبه بعض خصائص النظم .ولا بدّ أن يكون لاستخدام هذه الوحدة في بناء القصيدة دون الفقرة النثريّة المتكوّنة من جمل أثر في البناء الإيقاعي والدلالي. وإدراك الناقد لهذا الأمر يكيّف،لا محالة، مقاربته لهذا الشكل من الكتابة الشعريّة. وهل بوسعه بعد ذلك أن يقاربها بالمعايير النقديّة نفسها المستمدّة من مقاربات قصيدة النثر الغربيّة ولا سيّما من أطروحة سوزان برنار؟
مهما يكن من أمر فإنّ لهذا الالتباس تاريخ نشأة يمكن تحديده بسنة 1960 أو قُبَيْلها. فقد ذكر أحمد بزون أنّ موضوع قصيدة النثر لم يُثر في مجلّة "شعر" إلاّ مع مقدم محمد الماغوط ونشْرِ قصيدة له في عدد من المجلّة "وكانت أشعاره حرّة أي على شكل القصيدة الحرّة لكنّها خالية من أيّ إيقاع وزني وعروضيّ ومن أيّ قافية" . والاتفاق منعقد على أنّ تسمية "قصيدة النثر" وهي ترجمة للمصطلح الفرنسي Poème en prose أطلقها الشاعر أدونيس . والإشارة هنا إلى مقاله "في قصيدة النثر" المنشور في مجلّة "شعر" في العدد 14 ، ربيع 1960، وقد صدر فيه عن كتاب سوزان برنار "قصيدة النثر من بودلير إلى أيّامنا هذه" المنشور سنة 1959.
وينطوي هذان المعطيان على مفارقتين قد تفسّران الالتباس الملازم لمفهوم قصيدة النثر في الممارسة الشعريّة العربيّة. أمّا الأولى فمباشرة موضوع قصيدة النثر بمناسبة نشر قصيدة من الشعر الحرّ غير التفعيلي. وأمّا الثانية فاقتران إطلاق المصطلح بمقال أدونيس وهو في أساسه عرض مختزل لبعض ما جاء في كتاب سوزان برنار المذكور آنفا عن قصيدة النثر الفرنسيّةّ . وسيسحب هذا المصطلح على ما كان يُنجز من شعر خارج الأوزان الخليليّة سواء توخّى نظام البيت أو شكل النثر.
ولم يكن أدونيس غافلا عن المشكل. ولكن سعى إلى حلّه بما يخدم تكريس المصطلح الجديد. فبعد أن ميّز بين نظام البيت ونظام النثر أشار إلى أنّ بعض من يكتبون "قصيدة النثر" وهو يعني الذين يكتبون شعرا حرّا غير تفعيليّ من أمثال محمد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ، مازالوا، بسبب سطوة التقليد الشعري، يتوخّون نظام البيت "وهو تقليد راسخ كان من التأثير بحيث تجلّى حتّى في الطريقة التي تكتب بها بعض قصائد النثر حاليّا. إذ تكتب في أسطر يفصل بينها بياض، تماما، كما تكتب القصيدة الموزونة في أبيات يفصل بينها بياض" . ورغم أنّ أدونيس يدرك جيّدا أنّه " إذا كان البيت هو الوحدة في قصيدة الوزن" فإنّ " الوحدة [في قصيدة النثر] هي الجملة" فإنّه قضى بنسبة هذا الشعر المبني على البيت إلى قصيدة النثر ليشمل هذا المصطلح بذلك كلّ شعر غير موزون بالمعنى الخليلي سواء توخّى نظام الفقرة أو نظام البيت.
ويكون أدونيس بذلك قد تجاهل مصطلح "الشعر الحرّ" الذي كان يطلق على حدّ سواء على قصيدة التفعيلة التي رادها كلّ من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعلى الشعر غير التفعيلي الذي يكتبه أمثال محمد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ. ولعلّه تجاهله لهذا السبب بالذات أي اقتناعا منه بتمحيض المصطلح للشعر الحرّ التفعيلي. وفي المقابل عمّم أدونيس مصطلح قصيدة النثر على الشعر غير المتقيّد بالأوزان الخليليّة بغضّ النظر عن كتابته في نظام البيت أو نظام الفقرة. ولكي يتسنّى له هذا التعميم اعتبر أنّ الماغوط وأمثاله مازالوا واقعين تحت سطوة التقليد. وهو بذلك يكون قد عكس الآية. فبدل أن ينطلق من منجزهم الشعري ومن مفهوم الشعر الحرّ الذي كانوا ينسبون إليه أشعارهم انطلق من مقولة "قصيدة النثر" التي غدت والحال هذه بمثابة سرير بروكست الذي ينبغي أن يطابقه المنجز الشعري ولو اقتضى ذلك تجاهل الفوارق أو ردّها إلى قصور في الوعي الفنّي لدى هؤلاء الشعراء. فهم في تقديره يقصدون إلى كتابة قصيدة النثر ولكن لم يلتزموا بالفقرة وحدة بناء. وبذلك يكون لأدونيس دور لا ينكر في نشأة الالتباس الملازم للمقصود من قصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر. ونحسب أنّ سلطته الرمزيّة باعتباره شاعرا مرموقا ومنظّرا لقصيدة النثر العربيّة ساعدت على ترسيخ هذا الالتباس واستمراره.
إنّ توخّي توفيق صايغ ومحمد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا نظام البيت في ما كتبوا من شعر غير تفعيلي لا يعود إلى سطوة التقليد أو إلى جهل بالأشكال الشعريّة وإنّما إلى أنّهم كانوا ينظرون إلى الشعر الحرّ الغربي لا إلى قصيدة النثر. ولم يكتب قصيدة النثر بالشكل الذي يطابق المفهوم الغربي إلاّ ثلّة من شعراء مجلّة "شعر". ولكنّ هذا النموذج لم يكتب له الشيوع في الأجيال التالية، إذ هيمن نظام البيت على الشعر العربي غير التفعيلي. فكيف نفهم هذه الظاهرة؟ وكيف نفسّر الانحسار التدريجي لنظام الفقرة النثريّة؟ بل علينا أن نتساءل، إذا سمّينا الأشياء بمسمّياتها، لماذا ظلّت قصيدة النثر أسيرة حدود جغرافيّة وزمنيّة مقتصرة على قائمة محدودة من الشعراء اللبنانيين؟ ولماذا في المقابل استمرّ الشعر الحرّ غير التفعيلي وإن كان تحت مسمّى "قصيدة النثر"؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها تتطلّب منّا تتبّع الشعر العربي غير التفعيلي والوقوف على أبرز أطواره في الممارسة الشعريّة العربيّة. وهي تشمل "الشعر المنثور" أو ما سمّي كذلك في العقد الأوّل من القرن العشرين، والشعر الحرّ غير التفعيلي، وما أدرج من شعر في قصيدة النثر. وإذا أخذنا أنفسنا بتتبّع هذه الأطوار فلأنّ فهم طبيعة قصيدة النثر العربيّة يقتضي منّا تبيّن الخلفيّات النظريّة الكامنة في أصول الشعر العربي المتمرّد على العروض الخليلي دون أن نغفل عمّا قد يكون من تفاوت بين النظريّة والممارسة، كما يقتضي تجاوز قضايا التسمية إلى الوقوف في مرحلة أولى على الأقلّ على البنية الشكليّة لما يدرج في قصيدة النثر من شعر وتبيّن الفوارق المترتّبة على اعتماد وحدة البيت دون نظام الفقرة النثريّة.
الشعر غير التفعيلي بين النظم والنثر
يعود تمرّد الشاعر العربي الحديث على الأوزان الخليليّة إلى بدايات القرن العشرين. وقد أفرز هذا التمرّد على امتداد القرن ممارسات شعريّة مختلفة تعدّدت تسمياتها. وإذا اقتصرنا على أهمّ هذه التجارب باعتبار الشيوع ومدى التأثير أمكن أن نميّز بين ثلاثة أطوار في الشعر العربي غير التفعيلي. وهي بالاحتفاظ بالوسوم المهيمنة في الخطاب الأدبي العربي التالية:
- طور أوّل: الشعر المنثور ورائده أمين الريحاني.
- طور ثان: الشعر الحرّ ومن أعلامه توفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا ومحمد الماغوط.
- طور ثالث: قصيدة النثر.
وتشترك هذه التجارب الشعريّة في التمرّد على الأوزان الخليليّة. ولكن هل سعى المنخرطون في هذه التجارب إلى تجديد الشعر بالانطلاق من النثر أم أنّهم تمرّدوا على الأوزان الخليليّة وراموا أن يستبدلوا بها أوزانا أخرى مبتكرة؟
الشعر المنثور
كان أمين الريحاني (1876- 1940) أوّل شاعر عربيّ في العصر الحديث يتمرّد على الأوزان التي كرّستها التقاليد الشعريّة. وليس معنى ذلك أنّه "تقصّد أن يكتب الشعر نثرا" مثلما ذهبت إليه سلمى الخضراء الجيوسي أو مثلما قد يوحي به اللقب الذي أطلق عليه: "أبو الشعر المنثور" . ذلك أنّ أمين الريحاني يأبى إخضاع الكتابة الشعريّة للأوزان الخليليّة ولكنّه لم يرفض مثلما سنبيّن مبدأ النظم. وإنّما غاية مطمحه " أن يدنو الشعر ممّا في الطبيعة نفسها من أمثلة الأوزان المتعدّدة التي لا يعمل فيها غير ناموس واحد هو ناموس التناسق والتناسب" . ومعنى ذلك أنّه يصبو في مشروعه الشعريّ الجديد إلى أن يستبدل بالأوزان العُرفيّة أوزانا أخرى مبتكرة.
وقد نشر الريحاني في أكتوبر 1905 قصيدة من شعره الجديد في مجلّة "الهلال" أطلق عليها رئيس التحرير جرجي زيدان في تقديمه لها تسمية "الشعر المنثور" . ويبدو أنّ أمين الريحاني قد تقبّل إطلاق هذه التسمية على ما يكتبه من شعر ولكن على مضض . ولعلّه ما كان ليرتضي لشعره، لولا تدخّل جرجي زيدان، مصطلحا آخر غير "الشعر الحرّ" أو هذا ما يجوز أن نستخلصه من كلمته التي مهّد بها لهذا الشعر في "الريحانيّات" والتي تعود إلى سنة 1910 أي بضع سنوات بعد مباشرته هذا الشكل الشعري. وهي الكلمة نفسها التي صُدّر بها ديوانه من "الشعر المنثور" "هتاف الأودية" الصادر بعد وفاته . وفيها يقول "يدعى هذا النوع من الشعر الجديد بالإفرنسيّة vers libre وبالإنكليزيّة free verse– أي الشعر الحرّ الطليق – وهو آخر ما اتّصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخصّ عند الإنكليز والأمريكيين. فشكسبير أطلق الشعر الإنكليزي من قيود القافية. وولت وتمن Walt Witman الأمريكي أطلقه من قيود الأوزان العرفيّة. على أنّ لهذا الشعر الطليق وزنا جديدا مخصوصا. وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوّعة" . وجليّ من هذا القول إدراك الريحاني أنّ الشعر الحرّ لا يرفض النظم ولكنّه يتحرّر من ضوابط النظم التقليدي ليؤسّس قوانين نظمه المخصوصة. وهذا هو المنحى الذي ارتضاه لمحاولته الشعريّة الجديدة.
وإذا غضضنا النظر عن التسمية التي تعدّدت فيها المقترحات وتأمّلنا منجز الريحاني من الشعر المنثور كما يتجلّى في قصائده التي جمعت في ديوانه "هتاف الأودية"لم نخرجه من مجال النظم. فمجرّد النظر إلى صفحة مطبوعة من هذا الديوان كاف ليتبيّن القارئ أنّه إزاء بنية خطّيّة مغايرة لبنية النثر. فالقصيدة مقسّمة إلى وحدات متفاوتة الطول لا تشغل سوى جزء من السطر. وهذه بنية الشعر الحرّ الخطّيّة. وإذا بحثنا في العوامل التي تمّ على أساسها تقطيع الخطاب إلى هذه الأسطر الشعريّة أو الأبيات الحرّة تبينّا أنّها لا تختلف في جوهرها عن القوانين التي ينصاع إليها كلّ خطاب منظوم. فإذا كان النثر يقسّم إلى جمل أي إلى أشكال نحويّة مستقلّة بالاحتكام إلى التركيب فإنّ النظم يخضع لقواعد أشدّ تعقيدا إذ يتفاعل التركيب والوزن والنفَس في تقطيع الخطاب أي تحديد موضع الوقفة . ومن هذا التفاعل تنبني الأبيات التي تنقسم إليها القصيدة. ويمكن أن نمثّل على ذلك بهذا الشاهد من قصيدة "هتاف الأودية" :
انثري الآن حول سريري
ما كمن في الحقول من عبيري
اسكبي الآن فوق رأسي
ما تركته الأحقاب في كأسي
الحَفيني بحبّك
ضمّخيني بطيبك
أنعشيني بهمس شفتيك
ردّدي على مسامعي الآن
ما نسيته من الألحان
ما ردّدته عنك في مجالس بابل واليونان
داويني ربّة الوادي داويني
ربّة الغاب اذكريني
ربّة الإنشاد انصريني
لقد تظافرت عوامل التركيب والإيقاع والنفَس في تقطيع هذا الشاهد إلى أبيات. ويمكن أن نميّز فيه بين نمطين من الوقفة. وقفة تامّة تظافر في تحديد موضعها التركيب والإيقاع والنفَس على غرار البيتين الثاني والرابع، ووقفة إيقاعيّة احتكم فيها الشاعر إلى الإيقاع والنفس دون التركيب على غرار البيتين الأوّل والثالث. وذِكْرُنا الإيقاعَ دون الوزن يعود إلى أنّ هذه الأبيات لا توافق الأوزان الخليليّة. ولكن من الواضح أنّ القافية تضطلع فيها بوظيفتين هامّتين. فهي في غياب ميزان معلوم تغدو العلامة الأساسيّة التي تعيّن حدود الأبيات. وتضطلع باعتبارها ترديدا لأصوات متناظرة بدور فعّال في توليد الإيقاع. وهي بذلك تعزّز المشابهة الإيقاعيّة المتأتّية من التوازي النحوي وتلفت انتباه المتلقّي إليه. ويمكن القول إنّ النظم باعتباره تكرارا لصورة صوتيّة لا يتحقّق في هذا الشاهد، وهذا ينطبق لامحالة على معظم قصائد "هتاف الأودية"، بالوزن بالمعنى الذي يقصد منه تركيب البنية العروضيّة على المادّة اللغويّة، وإنّما يتحقّق بضرب من التواطؤ بين التركيب النحوي والقافية بحيث تُبرز القافية مفاصل التركيب وحدوده وتتنوّع ويتغيّر نظامها بتغيّر التركيب المرتبط بدوره بتحوّل في المعنى أو الفكرة. ويبدو أنّ هذا ما يعنيه الريحاني بالتناسق والتناسب "بين الصيغة والفكر والقوالب والشعور" . إذ إنّ الشعر أمواج من العقل والتصوّر (....) ولكلّ موجة من الأمواج قالب من اللفظ" . وهو يريد بمراعاة هذا "الناموس" "أن يدنو الشعر ممّا في الطبيعة نفسها من أمثلة الأوزان المتعدّدة". تلك بلاغة الشعر المنثور وتلك أوزانه في نظر أمين الريحاني.
ولم يتمّ تقطيع القصائد إلى أبيات في ديوان "هتاف الأودية" بالاحتكام إلى عاملي التركيب والإيقاع فحسب وإنّما تمّ أيضا بمراعاة عامل النفَس. إذ لم يتجاوز مدى البيت في في الشاهد الذي أوردناه من قصيدة "هتاف الأودية" ما يمكن إنشاده في نفس واحد لا نستثني من هذا الحكم سوى البيت العاشر "ما ردّدته عنك في مجالس بايل واليونان". فهو قد يعتبر مفرطا قليلا في الطول، إذ يعدّ 18 مقطعا في حين أنّ أطول مصراع في الشعر العربي يبلغ مداه في صيغته النظريّة 15 مقطعا وهو مصراع الكامل. ولا يمثّل هذا البيت شذوذا في شعر الريحاني إذ كثيرا ما تفرط أبياته في الطول. ونعلّل هذه الظاهرة بأنّ الريحاني في بنائه البيت المنثور يحاكي أحيانا البيت ذا الشطرين فيجعله مثله ثنائيّ البنية.
وإذا كان منجز الشعر المنثور قد ندّ إلى هذا الحدّ أو ذاك عن مقاصد رائده فإنّ الشعر الحرّ غير التفعيلي الذي سيقترن ابتداء من العقد السادس من القرن العشرين بأسماء جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صائغ ومحمد الماغوط سيجدّد العهد مع هذه المقاصد.
الشعر الحرّ
انتعش الشعر الحرّ غير الخليلي في العقد السادس من القرن العشرين انتعاشة طيّبة وأتيح له من التطوّر ما لم يُتَح له من قبل وذلك بفضل ثلّة من الشعراء المؤثّرين. فقد أصدر توفيق صايغ مجموعته الشعريّة الأولى "ثلاثون قصيدة" سنة 1954 والثانية "القصيدة ك" سنة 1960 . وفي سنة 1959 صدر لجبرا إبراهيم جبرا "تمّوز في المدينة" ولمحمّد الماغوط "حزن في ضوء القمر". ويبدو جبرا أشدّ الثالوث حرصا على التنظير للشعر الحرّ والخوض في قضايا الأشكال الشعريّة ومصطلحاتها.
ونتبيّن ممّا جاء في الكلمة القصيرة التي صدّر بها ديوانه "تمّوز في المدينة" أنّه يصدر عن تصوّر للشعر الحرّ، رغم أنّه لم يستخدم فيها هذا المصطلح، لا يختلف في جوهره عمّا وجدنا عند الريحاني. وممّا جاء في هذه الكلمة قوله: "في قصائدي هذه، أُعْنَى بالتفعيلة ولا أعنى. بعض الأبيات موزون وبعضها غير موزون. وقد تتلاحق أبيات موزونة، ولكنّ لكلّ منها في القصيدة الواحدة وزنا مغايرا للآخر. والقوافي أستخدمها أو أغفلها حسبما أرتئي. وما ذلك إلاّ لأنّني إذ "أموسق" الفكرة أو الصورة، أرفض رفضا قاطعا أيّ لحن (أو "بحر") رتيب" . فالشعر الحر في هذا التصوّر لا يتقيّد بشروط النظم التقليدي ولا بمعايير الشعر الحرّ التفعيلي الذي راده بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة. ولكنّه قد يوظف الأوزان والقوافي بطريقة مخصوصة تحرص على تحقيق التناغم بين الدلالة والإيقاع. ولا فرق بين جبرا والريحاني سوى أنّ الشاعر المهجري طمح إلى أن يستبدل بالأوزان الخليليّة أوزانا مبتكرة.
والمتأمّل في قصائد "تمّوز في المدينة" يلمس لدى جبرا نزوعا واعيا إلى تنظيم الكلام على أساس مراعاة المشابهة الإيقاعيّة التي كثيرا ما تتحقّق في مظهرها الوزني. والشواهد على ذلك كثيرة. غير أنّنا نقتصر على إيراد هذا الشاهد من قصيدة " ولعينيكِ أغنّي" :
ألِعينيكِ أغنّي؟ أجل،
ولعشّاق الدُنى اجتمعوا
في محجريك وفي
محجريك الأغاني
لودياني
في فلسطين وشطآنها.
وهذا الشاهد من قصيدة "في أرضيَ التي اقتطعتها" :
في أرضيَ التي اقتطعتها
من مسرح الأفاعي
رحاب البوار والضباع
بنيت بيتا من عروقي وضلوعي
بيديَّ حرثتها
وبذوري زرعتها
ففي الشاهد الأوّل وردت الأبيات الأوّل والثاني والسادس على المديد والبيت الخامس على الهزج. ولا يوافق البيتان الثالث والرابع وزنا معلوما. وأمّا في الشاهد الثاني فيمكن ردّ البيتين الأوّل والثاني إلى الرجز والخامس والسادس إلى مجزوء الخفيف ولا ينتظم البيتان الثالث والرابع في وزن. ويتّضح القصد إلى النظم في الإجراءات التي تستهدف إخضاع المادّة اللغويّة للتماثلات الصوتيّة. ومن ذلك تقطيع الكلام تقطيعا يبرز التناظر بين الأبيات وزنيّا و/أو كمّيا أي من حيث عدد مقاطعها على غرار ما يلاحظ بالنسبة إلى البيتين الأوّل والثاني والثالث والرابع في الشاهد الأوّل والبيتين الخامس والسادس في الشاهد الثاني. ومن ذلك أيضا التقديم والتأخير وتحريك ما لا يحرّك في النثر (في أرضيَ) استجابة للوزن. وهذه إجراءات يختصّ بها الخطاب المنظوم. غير أنّ النظم في قصائد "تمّوز في المدينة"، وإن كان يوظّف أدوات الشعر من وزن وقافية ونظام الوقفة الذي يتحدّد بتفاعل الإيقاع والتركيب والنفَس، فإنّه لا يخضع لمعايير ثابتة. وإنّما هو نظم غير مطّرد "يعنى بالتفعيلة ولا يعنى". وهو بتنويعه الأوزان تارة وعدوله عنها تارة أخرى يقع ضمن الممكنات التي يتيحها مفهوم الشعر الحرّ عند الغربيّين.
غير أنّ جبرا إبراهيم جبرا الذي حقّق انسجاما ملحوظا بين التصوّر النظري والممارسة الشعريّة في "تمّوز في المدينة" يصوغ في مقال مؤرّخ بسنة 1961 بعنوان "الشعر الحرّ والنقد الخاطئ" لهذا الشكل الشعري مفهوما مختلفا عمّا جاء في الكلمة التي قدّم بها مجموعته الشعريّة. لقد اعتنى جبرا في سياق الردّ على نازك الملائكة بتدقيق "التسميات الأساسيّة" في الشعر الحديث. فأنكر عليها إطلاق مصطلح "الشعر الحرّ" على "الشعر الموزون المقفّى والذي يتفاوت عدد التفاعيل في أبياته" ذلك " أنّ الشعر لا يمكن أن يتقيّد بهذه القيود كلّها ويسمّى اعتباطا حرّا" . وهو بذلك يطالب بأن تظلّ حقوق هذه التسمية محفوظة للشعر الحرّ غير التفعيلي الذي صاغ له هذه المرّة التعريف التالي: " "الشعر الحرّ" ترجمة حرفيّة لمصطلح غربيّ هو Free verse بالانكليزيّة و Vers libre بالفرنسيّة. وقد أطلقوه في الغرب على شعر خال من الوزن والقافية كليهما. إنّه الشعر الذي كتبه ولت وتمن، وتلاه فيه شعراء كثيرون في آداب أمم كثيرة. فكتّاب الشعر الحرّ بين شعراء العرب اليوم هم أمثال محمد الماغوط وتوفيق صايغ وكاتب هذه الكلمات. إنّ الشعر الحرّ بالعربيّة يعتمد الصور الشعريّة والموسيقى الداخليّة التي تتخطّى انتظام التفاعيل، ولا يحفل بالقافية إلاّ إذا وردت عفوا..." .
إنّ فهم جبرا المستجدّ لماهيّة الشعر الحرّ لا يباين ما جاء في مقدّمة "تمّوز في المدينة" فحسب، ولكنّه أيضا لا ينطبق على منجزه الشعري في هذه المجموعة. وهو إذ يجرّد هذا الشكل الشعري من الأوزان والقوافي ينظر في واقع الأمر إلى منجز محمد الماغوط وتوفيق صايغ لا إلى منجزه الشخصي. وقد يكون هذا المفهوم أدنى إلى ممارسة ولت وتمن الشعريّة ولكنّه لا يفي بأيّ حال من الأحوال بمدلولات هذا المفهوم عند الغربيّين. فالشعر الحرّ الذي كتبه الرمزيّون الفرنسيّون على سبيل المثال، وإن كان له من المرونة ما يجعل أشكاله تختلف من شاعر إلى آخر، فإنّه لا يرفض الأوزان والقوافي وإنّما يتمرّد على معايير النظم التقليدي .فما الذي جدّ بين 1959 و 1961 حتّى ينقلب جبرا هذا المنقلب فيتبرّأ من الأوزان ويحقّر القوافي والحال أنّ قصائده في "تمّوز في المدينة" مرصّعة بها؟
قد يكون لصدور مجموعة محمد الماغوط "حزن في ضوء القمر"سنة 1959 والترحاب الذي لقيته كتاباته في مجلّة "شعر" أثر في هذا التحوّل الذي جعله يتبنّى مفهوما للشعر الحرّ أدنى إلى ما يكتبه صايغ والماغوط اللذين لا يستخدمان الأوزان والقوافي. وقد يكون للمناخ الأدبي العام في محيط مجلّة "شعر" في أواخر العقد السادس من القرن العشرين وكان جبرا قريبا من دوائرها، أثره. ففي هذه الفترة بدأ الخوضُ في موضوع قصيدة النثر واستخدم أدونيس المصطلح لأوّل مرّة سنة 1960 وألحقت قصائد الشعر الحرّ غير التفعيلي بهذا الشكل. ومن المعلوم أنّ المبرّر النظري الأساسي الذي نهضت عليه الدعوة إلى قصيدة النثر إنّما هو فكّ الارتباط بين الشعر ومعيار النظم. فهل ترجم جبرا حرصه على الانخراط في هذه الحساسيّة الجديدة بتعديل مفهومه للشعر الحرّ مجرّدا إيّاه من الأوزان والقوافي وإن كان ذلك على حساب تصوّره الأوّلي وعلى حساب ما كَتب؟
مهما يكن من أمر فإنّ جبرا الذي لا يعوزه الوعي بخصائص الأشكال الشعريّة لم يكن غافلا عن الفرق بين الشعر الحرّ غير التفعيلي الذي يستخدم وحدة البيت وقصيدة النثر التي تبنى على الفقرة النثريّة. فقد أخذ على نازك الملائكة في المقال المذكور وفي سياق السجال في المصطلحات أنّها سمّت الشعر الحرّ الذي يكتبه هو وأمثاله "قصيدة نثر". والحال أنّ قصيدة النثر "يكون قوامها نثرا متواصلا في فقرات كفقرات أيّ نثر" . وقد علّل موقف الملائكة بأنّها تريد تمحيض مصطلح "الشعر الحرّ" للشكل الشعري الذي رادته هي والسيّاب أي للشعر الحرّ التفعيلي . فهل كان جبرا يجهل أنّ من بادر إلى إدراج ما يكتبه هو والماغوط وصايغ من شعر حرّ في "قصيدة النثر" إنّما هو أدونيس وبالذات في مجلّة "شعر" التي لم يكن يفوته ما يصدر فيها في هذا الموضوع وليس نازك الملائكة؟ أم أنّه آثر الحملة على الشاعرة التي تنازعه مصطلح "الشعر الحرّ" وتحاشى حلفاءه في المجلّة التي ستكرّس مفهوما لقصيدة النثر يتّسع لكلّ شعر متمرّد على العروض سواء توخّى نظام البيت أو نظام الفقرة؟
قصيدة النثر: قصيدة نثر أم شعر حرّ؟
سبق أن أشرنا إلى اتفاق النقّاد على اقتران استخدام مصطلح "قصيدة النثر" لأوّل مرّة في الخطاب النقدي العربي بمجلّة "شعر" وعلى وجه التحديد بمقال أدونيس "في قصيدة النثر" المنشور في العدد الرابع عشر، ربيع 1960. ويبدو،إذا سلّمنا بما ذكر أحمد بزون،أنّ الخوض في موضوع هذا الشكل الشعري قد بدأ قبيل ذلك واقترن بمقدم محمد الماغوط ونشْر قصيدة له من الشعر الحرّ الخالي من الوزن والقافية في العدد الخامس من مجلّة "شعر"، كانون الثاني 1958. وهذه مثلما أسلفنا مفارقة تحتاج إلى فهم. فلم يثار موضوع قصيدة النثر بمناسبة نشر قصيدة من الشعر الحرّ غير التفعيلي؟ ولم انتظار مقدم الماغوط والضرب الذي يكتبه من الشعر الحرّ موجود قبله؟ ويكفي أن نذكّر بأنّ توفيق صايغ، وما هو بالشاعر النكرة، يكتب هذا الشعر منذ أواخر الأربعينات . وقد صدرت مجموعته الشعريّة "ثلاثون قصيدة" سنة 1954. وحظيت بحفاوة النقّاد والشعراء . ولا يمكن ان يكون جماعة "شعر" في غفلة عن هذا الأمر.
وما من تفسير مقبول لدينا سوى أن نعزو إثارة موضوع "قصيدة النثر" إلى صدور كتاب سوزان برنار سنة 1959 واطّلاع أدونيس عليه. وهو ما أتاح له ولآخرين من محيط مجلّة "شعر" مادّة تسمح بالخوض في هذا الشكل الشعري. وحين كتب أدونيس مقاله "في قصيدة النثر" معتمدا على أطروحة الباحثة الفرنسيّة لم يكن بعد لقصيدة النثر بمفهومها الغربي أيّ منجز عربي منشور في ديوان . فالمجموعة الأولى من هذا القبيل وهي "لن" لأنسي الحاج ستصدر بعد المقال ببضعة أشهر أي في أواخر 1960 . ومعنى هذا أنّ مقال أدونيس عن قصيدة النثر كان بلا سند في المنجز الشعريّ العربي. والنماذج الوحيدة المتوفّرة من الشعر الخارج على الوزن كانت من الشعر الحرّ غير التفعيلي الذي يكتبه الماغوط وصايغ وجبرا.فهل واقع المدوّنة الشعريّة العربيّة هو الذي حدا بأدونيس إلى إلحاق هذا الشكل الشعري بقصيدة النثر؟ وكيف لهذا الأمر أن يتمّ وجماعة "شعر" لا يعوزها الوعي باختلاف الشكلين؟
فأدونيس لم يكن غافلا عن طبيعة "قصيدة النثر" وهو الذي يؤكّد أنّ الوحدة فيها هي الجملة وليس البيت على غرار الشعر الحرّ . وكان يوسف الخال، الوجه الآخر البارز في الجماعة، أشدّ حرصا على وضع الأمور مواضعها. ففي سياق الردّ على نازك الملائكة في بعض ما جاء عن قصيدة النثر في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" يوضّح الفرق بين الشكلين. فقصيدة النثر "شكل يختلف عن الشعر الحرّ في آداب العالم بأنّه يستند إلى النثر ويسمو به إلى مصافّ الشعر (فيما يستند الشعر الحرّ إلى الشعر التقليدي، ومن هنا التزامه الأشطر شكلا)" . ويذهب يوسف الخال أبعد من ذلك فينكر على الملائكة استعمالها مصطلح الشعر الحرّ "استعمالا زائفا" حين تطلقه على الشكل الموزون الذي رادته هي والسياب. إذ الشعر الحرّ عنده هو المتحرّر من كلّ وزن تقليدي وهو الذي كتبه الماغوط في ديوانه "حزن في ضوء القمر". وموقفه هذا في تناغم تامّ مع موقف جبرا إبراهيم جبرا .
غير أنّ هذا التمييز الدقيق الذي نلمسه عند جماعة "شعر" بين قصيدة النثر والشعر الحرّ لم يحُل دون إدراج كتابات محمد الماغوط وامثاله في الشكل الأوّل. وقد نعلّل هذه المفارقة بواقع المدوّنة الشعريّة العربيّة مثلما أسلفنا. ولكنّه تعليل غير كاف. فما كان إنماء قصائد الشعر الحرّ غير التفعيلي إلى قصيدة النثر ليتسنّى دون مبرّر نظريّ. ولعلّنا نلمس هذا المبرّر في شيوع فهم في الخطاب الأدبي العربي لماهيّة كلّ من النثر والنظم يختزل الفارق بينهما في الوزن الذي يُختزَل بدوره في الميزان الخليلي. ولمّا كان الشعر الحرّ غير التفعيلي غير موزون بهذا المعيار يجوز في منطق هذا الفهم اعتباره نثرا أو شعرا بالنثر. ويمكن اختزال الفرق بينه وبين قصيدة النثر في هذه الحالة في وحدة البناء وما يترتّب عليها من صورة خطيّة. ومن اليسير بعد ذلك التهوين من هذا الفارق الشكلي وردّ استخدام نظام البيت في شعر صايغ والماغوط وجبرا ، وهذا هو تحديدا موقف أدونيس ، إلى "تقليد راسخ كان من التأثير بحيث تجلّى في الطريقة التي تكتب بها بعض قصائد النثر حاليّا. إذ تكتب في أسطر يفصل بينها بياض، تماما، كما تكتب القصيدة الموزونة في أبيات يفصل بينها بياض" . والخلل في هذا الموقف كامن في اختزال النظم في الوزن والحال أنّه بنية عناصرها الوزن والقافية والوقفة. وافتقار الكلام إلى عنصر أو عنصرين من هذه العناصر، ولنقل إلى الوزن أو إلى القافية أو إلى كليهما، لا يجعل منه نثرا وإنّما يحدّ من فاعليّة النظم فيه دون أن يخرجه منه. إنّ اتخاذ الشعر الحرّ غير التفعيلي البيت وحدة بناء يبقيه في مجال النظم ويميّزه من قصيدة النثر التي تبني الشعر باتخاذ النثر منطلقا. ولاختصاص كلّ من هذين الشكلين الشعريين بوحدة بناء محدّدة أثره مثلما سنبيّن في بنية كلّ منهما الإيقاعيّة والدلاليّة .
غير أنّ المفارقة الكبرى في قصيدة النثر العربيّة أنّ "العنصر الدخيل" هو الذي استبدّ بهذا الشكل الشعري. ذلك أنّ كتابة قصيدة النثر بحصر المعنى أي في نظام الفقرة ظلّت مقتصرة على بعض الشعراء اللبنانيين وهم أساسا أنسي الحاج وادونيس ويوسف الخال الذي ضمّن ديوانه من الشعر الحرّ الموزون "قصائد في الأربعين" الصادر سنة 1960 خمس قصائد نثريّة وشوقي أبي شقرا الذي صدرت له مجموعة في قصيدة النثر سنة 1962 . بل إنّ أنسي الحاج وابتداء من مجموعته "لن" لم يلزم دائما نظام الفقرة وإنّما كان يعدل عنه أحيانا إلى نظام البيت . أمّا أدونيس فكان في قصائده غير التفعيليّة يراوح بحريّة بين الفقرة والبيت. والواقع أنّ أدونيس وإن جرّب كتابة الشعر نثرا فإنّه لم يلزم صيغة قصيدة النثر الفرنسيّة إذ تبيّن أنّها "لا يمكن أن تقدّم للنصّ العربي معياريّته فهو لا يقدر أن يستمدّها إلاّ من خصوصيّته اللغويّة ذاتها" . وهذا ما جعله يحاول ابتداء من مجموعته الشعريّة "كتاب التحوّلات والهجرة في أقاليم النهار والليل" "تجاوز "قصيدة النثر" إلى كتابة نثر آخر. هذا النثر الآخر شكل من الأفق الكلاميّ (...) إنّه بتعبير آخر خروج من "قصيدة النثر" إلى ملحميّة الكتابة، وقد تمثّل هذا الخروج بنحو أخصّ في "مفرد بصيغة الجمع" .
ولئن اتّسع مفهوم قصيدة النثر في الشعريّة العربيّة المعاصرة ليشمل كلّ شعر غير موزون بالمعنى الخليلي سواء توخّى نظام الفقرة أو نظام البيت فإنّ الشكل الثاني هو الذي سيهيمن. وفي المقابل ظلّت قصيدة النثر بحصر المعنى طيلة العقدين السابع والثامن ظاهرة أدبيّة لبنانيّة بالأساس قبل ان تنحسر بالتدريج حتّى أنّه لا يكاد يلحظ لها حضور في مدوّنة الشعر غير التفعيلي في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة إذ غدت مرتهنة بممارسات فرديّة معزولة. وبهذا سيتحقّق التطابق في الوعي الفنّيّ لدى الشعراء والنقّاد على حدّ سواء بين الشكل الشعري الذي هو وفق النظريّة الشعريّة الغربيّة شعر حرّ ومفهوم قصيدة النثر.
فلا عجب بعد ذلك أن ينبري بعضهم، وبعد عقود من إدراج القصائد غير الموزونة المبنيّة على البيت في "قصيدة النثر"، للمطالبة برفع "المظلمة" عن "حركة الشعر الحرّ التي أنتجت القصيدة الحرّة المعروفة ظلما باسم قصيدة النثر" . ويكون ذلك بنسخ تسمية "قصيدة النثر" هذا "المصطلح المشبوه" واستعادة تسمية "الشعر الحرّ" التي اغتصبتها نازك الملائكة حين أطلقتها على قصيدة التفعيلة . وبغضّ النظر عن مدى شرعيّة هذه "الحركة التصحيحيّة" التي لم تتأخّر عن موعدها فحسب ولكنّها أيضا تجاهلت الملابسات التاريخيّة التي حفّت بالتسمية، فإنّها تعكس مدى هيمنة الشكل الحرّ غير التفعيلي على المنجز باسم قصيدة النثر حتّى أنّه، عند الحديث عنها، لم يعد يخطر في الوعي سواه. ولعلّ هذا الذي يفسّر أنّ الخطاب النقدي العربي المشتغل بقصيدة النثر قلّما يشير إلى اشتمال ما ينمى إليها من منجز شعري على شكلين أحدهما مبنيّ على البيت والآخر على الفقرة . فهل يعود ذلك إلى انحسار الشكل الثاني حتّى أنّه غدا نِسيا منسيّا أم أنّ هذا الوعي النقدي قد فاته الفرق بين الشكلين وما يترتّب على اختلاف وحدة البناء في كلّ منهما؟ مهما كانت الإجابة فإنّنا إزاء حقيقة تاريخيّة تتمثّل في الاندثار التدريجي لقصيدة النثر بحصر المعنى وهيمنة الشعر الحرّ غير التفعيلي على مدوّنة الشعر العربي غير الموزون. فكيف نفسّر ذلك؟
إنّ هذه الظاهرة الأدبيّة تغدو مفهومة إذا نظرنا إليها في ضوء المنطق الذي تحكّم في تجديد الأشكال الشعريّة في الشعر العربي طيلة القرن العشرين. فقد اتّخذت محاولات تجديد الشكل الشعري منحيين. أمّا المنحى الأوّل فيجدّده في إطار النظم المطّرد وقد تجلّى في الخروج على نظام الشطرين ذي القافية الموحّدة. وقد أفضى إلى الشعر المرسل ولكنّ منجزه الأهمّ يظلّ النمط المقطعي الذي ازدهر مع الرومنطيقيّين. وأمّا المنحى الثاني فقد حرّر الشعر من مبدأ الاطّراد في النظم. وقد أفرز اتّجاهين: اتّجاها تمسّك بالأوزان الخليليّة وآخر تمرّد عليها وطمح إلى أن يستبدل بها أوزانا أخرى. وقد أفرز الاتّجاه الأوّل الشعر الحرّ التفعيلي بتجلّياته المختلفة وتسمياته المتعدّدة عند علي أحمد باكثير وأحمد زكي أبي شادي وخليل شيبوب حتّى انتهى إلى الشكل الذي كرّسته حركة الشعر الحرّ ونسبت ريادته إلى السيّاب ونازك الملائكة . وأمّا الاتجاه الثاني فقد أفرز الشعر الحرّ غير التفعيلي بنماذجه المختلفة التي تجلّت في الشكل الذي دشّنه أمين الريحاني وسمّاه جرجي زيدان شعرا منثورا، وفي الشعر الحرّ الذي كتبه أمثال توفيق صايغ ومحمّد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا. وما يدرج اليوم في قصيدة النثر من شعر غير موزون في نظام البيت لا يعدو أن يكون استمرارا لهذا الشعر الحرّ غير التفعيلي وتطوّرا عنه. فهو سليله الذي لم يحمل اسمه ووليده الذي دُعي لغير أبيه.
والمشترك بين نزعات تجديد الشكل الشعريّ بمختلف توجّهاتها أنّها تمّت باتّخاذ البيت منطلقا أي أنّها لم تخرج من مجال النظم. ومعنى هذا انّ تجديد الشعر انطلاقا من النثر، وهذا أساس قصيدة النثر، بمفهومها الغربي ظاهرة أدبيّة عارضة لا تندرج في الديناميكيّة الداخليّة لسيرورة تجديد أشكال الشعر العربي. وإنّما هي إفراز لتأثّر مباشر بالأدب الغربي. وقد نجمت في فضاء جغرافي محدّد وداخل حلقة ضيّقة ولكنّها مؤثّرة من شعراء جماعة "شعر". وكان ذلك بين سنتي 1958 و1960. فقد جرّب أدونيس كتابة الشعر بالنثر لأوّل مرّة، على ما أكّده هو بنفسه، سنة 1958 بتأثير ترجمة أنجزها لقصيدة لسان جون بيرس . ويشير أدونيس إلى ملابسات كتابة هذه القصيدة وعنوانها "أرواد يا أميرة الوهم" وقد نشرت في مجلّة "شعر"، العدد العاشر سنة 1959، قائلا: " كتبت هذه القصيدة في مناخ الجدل الذي أثرناه في مجلّة "شعر" حول أشكال التعبير الشعري، ومشروعيّة البحث عن أشكال جديدة. وكتبتها تجريبيّا، بمعنى أنّني حاولت أن أجرّب شكلا مغايرا لما نعرفه من أشكال التعبير الشعري" وفي هذه الفترة أيضا كتب يوسف الخال وأنسي الحاج قصائدهما النثريّة . ونفترض أنّ اطلاع الثالوث على نماذج من قصيدة النثر الغربيّة وعلى كتاب سوزان برنار حفزهم إلى الكتابة في هذا الشكل الشعري. وليس من المغالاة أن نقرّر أنّه لولا صدور هذا الكتاب لما أثير موضوع قصيدة النثر في تلك الفترة أصلا ولما جرى هذا المصطلح على الألسن. غير أنّ الخوض في موضوع هذا الشكل الشعري دون وجود منجز شعري عربيّ منشور في دواوين يطابقه أفضى إلى إلحاق الشعر الحرّ غير الموزون به. والنتيجة الحاصلة أنّ ما يسمّى في خطابنا النقدي العربي اليوم قصيدة نثر إنّما هو شعر حرّ غير تفعيليّ.
ولا نرمي من تأكيد هذا الأمر إلى إثارة قضيّة التسمية مجدّدا. فقد كثر الخوض فيها واشتدّ الجدال بين محترز من مصطلح "قصيدة النثر" لجمعه بين ضدّين، داع إلى استبدال مصطلحات أخرى به وبين رافض له أصلا لعدم التطابق بين المنجز والتسمية . ولا نرى طائلا تحت ذلك. فالغرض من الاسم أن يدلّ على المسمّى. وقد أقرّ الاستعمال مصطلح "قصيدة النثر" لكلّ شعر غير موزون سواء توخّى نظام البيت أو اتّخذ هيئة مماثلة لهيئة النثر. وفي المقابل استقرّ لدى الجمهور أنّ الشعر الحرّ هو الشكل الشعري الموزون الذي تنسب ريادته إلى كلّ من بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة.
غير أنّ الشرعيّة التي قد يضفيها الاستعمال لا تمنع من التنويه بأنّ مدلول مصطلح "قصيدة النثر" في الخطاب النقدي العربي يختصّ به هذا الخطاب ولا ينسجم مع ما هو كونيّ في النظريّة الشعريّة إذ لا يختلف المشتغلون بالشعريّة من الغربيين في التمييز بين قصيدة النثر والشعر الحرّ بخصيصتين على الأقلّ : الأولى ارتباط قصيدة النثر بنظام النثر وارتباط الشعر الحرّ بنظام البيت والثانية وهي مترتّبة على الأولى خضوع قصيدة النثر لنظام التقطيع في النثر فتقطّع إلى جمل وفق معيار التركيب. في حين تقطّع القصيدة الحرّة على غرار كلّ شعر منظوم إلى أبيات بناء على تفاعل الإيقاع والتركيب والنفَس. وهذا ما جعل جان كوهين يقرّر أنّ قصيدة النثر تتميّز من الشعر الحرّ باحترام مبدأ التوازي بين المستويين الصوتي والدلالي في تحديد موضع الوقفة، في حين يخلّ الشعر الحرّ بهذا التوازي. واختلال الموازاة الصوتيّة الدلاليّة مقصود ومطلوب لذاته "لأنّه عنصر فعّال في كلّ نظم" . ولذلك أيضا عرّف كوهين النظم سلبا بأنّه "نقيض الجملة" . فقصيدة النثر إذن سليلة النثر في حين ينتسب الشعر الحرّ إلى مجال المنظوم.
ومن النافلة القول إنّ ما يدرج في الطور الراهن في الخطاب الأدبي العربي في قصيدة النثر هو، بمعايير النظريّة الشعريّة، وباستثناء ما شذّ، شعر حرّ. ومع ذلك لن يبدّد هذا الالتباس بنسخ التسمية. فبغضّ النظر عن أنّه من العسير تغيير مصطلح ثبّته الاستعمال فإنّ هذا الإبدال لن يكون مجديا إذا لم يقترن بوعي نقديّ يدرك ماهيّة المسمّى. ولمّا كان المنجز الشعري العربي باسم "قصيدة النثر" شعرا حرّا غير تفعيلي فإنّه لا تسوغ مباشرته بجهاز نقديّ مستمدّ من نظريّة قصيدة النثر الغربيّة. وإذا أدركنا ذلك تبيّنّا أنّ الإشكاليّة الأهمّ بالنسبة إلى قصيدة النثر العربيّة لا تكمن في التسمية وإنّما في كيفيّة قراءة منجزها.
من مقال "قصيدة النثر العربيّة، قصّة التباس"، الفكر الجديد السنة 3، العدد 10، أفريل 2017.
