مارك ستراند الفنَّان التشكيلي الذي صدم أهله وصار شاعرًا
حاملًا لكل الجوائز
"هذه التجاعيد لا تعني شيئًا، وهذا الشعرُ الرمادي لا يعني شيئًا، وهذا البطن الذي يترهل من الطعام القديم، وهذان الكاحلان المتورمان المزرقان، وعقلي الذي يزداد ظلامًا، لا
يعني شيئًا. أنا الفتى نفسه الذي كانت أمه تُقبِّلًه".
"القصائدُ لا تتطلب الصبر فحسب، بل تتطلَّب نوعًا من الاستسلام، فيجب أن تتخلَّى عن نفسك من أجلها وهذا هو الغذاء الحقيقي للشاعر: قصائد أخرى وليس قطعة لحم".
أحببتُ أن أبدأ كتابتي عن مارك ستراند باقتباسات ٍ من حوارات ٍ له مختلفة كي أكشف للقارئ كيف بدأ حياته بوصفه شاعرًا؟ وكيف تحولت اتجاهاته وميوله من الرسم والفن إلى الشعر والكتابة؟ وكيف كان هذا التحول مفاجأة صادمة لأهله؟ وكيف يرى العالم من منظوره كإنسان عادي وأيضا بوصفه شاعرًا؟ وكيف يرى نفسه طفلًا ما زالت تُقبِّله أمه بعدما غزا الشيب رأسه وتورمت قدماه وملأت التجاعيد وجهه؟ فرغم إحساسه بعلامات الك ِ بَر التي غزت شكله وروحه فإنه ما زال يرى نفسه طفلً بريئًا يحتاج إلى حنو وعطف ِ أمه، كما أنه يرى الشعر غذاء لروحه وعقله حيث يتنازل من أجله ويستسلم له طواعية من أجل قصائد أكثر. فكلما أعطيت الشعر من روحك، أعطاك مما يجعلك في سمو وارتقاء ليس فقط في المجتمع الثقافي ولكن أيضا على مستوى الروح والعقل والقلب، ونُقيس على ذلك في كل مجالات الحياة، فالعمل هو الشىء الذي يعطيك ويمنحك الكثير، فكلما تفانيت فيه وأعطيته من روحك وعقلك ومجهودك، وبالطبع أتحدث هنا عن بيئات العمل السوية غير السامة، لأن بيئة العمل السامة لا تعطي ولا تمنح غير الألم واللا شيء.
وُلِدَ الشاعر الأمريكي مارك ستراند في جزيرة الأمير إدوارد بكندا عام 1934، وانتقل خلال طفولته للعيش في نوفا سكوشا ومونتريال وكليفلاند ونيويورك وفيلادلفيا وكولومبيا والمكسيك وبيرو. وكان فنانًا تشكيليًّا قبل أن يصبح شاعرًا. تخرج في مدرسة ييل للفنون والعمارة عام 1959 بشهادةٍ في الرسم، وعلى الرغم من ذلك فإن اهتمامه بالرسم تراجع أثناء وجوده في ييل، وخلال فترة وجوده في نيو هافن، كونيتيكت، اكتشف الشعر،ًوقضى عامًا في دراسة الشعر الإيطالي خلال القرن التاسع عشر الميلادي في فلورنسا بفضل منحة فولبرايت، واعترف ستراند في مقابلة مع بيل توماس في مجلة لوس أنجلوس تايمز بأنه: "لم يكن جيدًا في اللغة كطفل ٍ ". أما في عام 1962 فقد تخَّرج في ورشة الكتابة في ولاية آيوا بدرجة ماجستير في الفنون الجميلة،ًوبدأ التدريس في عدة كليات، بما في ذلك جامعة ييل وجامعة برينستون وجامعة هارفارد وقضى عامًا في البرازيل بوصفه محاضرًا عام 1965.
واعترف ستراند بأن هناك بعض الفوائد لكونه شاعرًا خلال الستينيات المضطربة فقال: "كانت المعجبات جزءًا كبيرًا من المشهد" في القرن العشرين، أما في عام 1964، فقد نشر ستراند مجموعته الشعرية الأولى "النوم بعين ٍ واحدةٍ مفتوحةٍ ، وكانت قصائده المبكرة قصيرة جدًّا لكنها أظهرت العديد من الخصائص التي عُرف بها ستراند كدقة اللغة، والسريالية، وموضوعات الفقد والغياب والموت. وقال الشاعر والمحرر في مجلة الشعر الأمريكي دون شير للصحفي الفني الكبير جيفري براون إن ستراند كان: ''شخصا هادئًا وتأمليًّا ولم يأخذ الشعر كأمرٍ مُسلَّمٍ به".
وقال أيضا: "كان أسلوبه متسقًا بشكل ٍ ملحوظ ٍ على مدار مسيرته الطويلة، وبطريقةٍ ما كانت دائمًا مفاجئة، فدائمًا توجد مفاجأة في كل قصيدة، وهذا شيء من الصعب تحقيقه على مدار مسيرةً طويلة، لكن مارك ستراند كان بارعًا في ذلك".
تمتاز الشخصيات في شعر ستراند المبكر بقلق ٍ زائد ٍ ومكثف حول الذات والهُوية وقد علَّق الشاعر الأمريكي ديفيد كيربي في كتابه "مارك ستراند ومكان الشعراء في الثقافة المعاصرة" بأن: "العديد من القصائد في كتاب ستراند الأول تظهر انشغال غير مريح ٍ بالذات، وغالبًا ما تكون الوسيلة المستخدمة للتعبير عن هذا الانشغال حالة حلم حيث يكون المتحدث منقسمًا بين عالمين، ولا يمكنه أن يجد مكانًا مريحا في أي منهما". وقد ظل هذا القلق الزائد حول الهوية والذات قائمًا في أعماله اللاحقة.
وبالنسبة لستراند كانت قراءة الشعر تجربة تحوليَّة حيث قال في مقابلته مع "نيوز آور" عام 1999: "يجب على القارئ أن يمنح نفسه للشعر ويسمح له بالعيش فيه، كيف يفعل الشعر ذلك؛ يفعل ذلك من خلال إعادة ترتيب العالم بطريقة تجعله يبدو جديدًا وباستخدام لغة مختلفة قليلاً عن الطريقة التي تُستخدم بها اللغة في العالم العملي بحيث تُجبر على الانتباه إليها".
حصل مارك ستراند على عدة جوائز غير جائزة بوليتزر وماك آرثر "العبقري"؛ منها: جائزة بولينجن، ومنح من المؤسسة الوطنية للفنون، وجائزة من المعهد الوطني للفنون والآداب، وجائزة مؤسسة روكفلر، وزمالة من أكاديمية الشعراء الأمريكيين، ومؤسسة إنجرام مريل. وتوفي عام 2014 عن عمر يناهز ثمانين عامًا.
عندما أقبلت على قراءة قصائد ستراند، وجدتني حائرةً في اختياري للقصائد التي سأترجمها فوددت من شدة جمالها أن أترجم له كتابًا كاملاً يتضمن مختارات من مختلف مجموعاته
الشعرية، فالقصائد مختلفة في موضوعاتها وأفكارها وأسلوبها، حيث إنني اكتشفتُ اهتمامه الكبير بمفهوم الشعر داخل نصوصه الشعرية في قصيدته "أكل الشعر''، وقصيدته ''دليل الشعر الجديد'' الذي وضع فيها تصنيفًا للشعر والشعراء، على شكل أحكام أطلقها على ما يفعله ولم يفعله الشعراء من أجل الشعر؛ وهي قصيدة تتكون من واحد وعشرين جملةً شعريةً، وقد أعجبت حد الانبهار بهذه القصيدة التي أعتبرها أيقونةً من أيقونات الشعر الأمريكي في شكل ِ سؤال ٍ وجواب ٍ حول الشعر والشعراء، وعلى الرغم من إعجابي بقصائد هذا الشاعر، فإنني أيضا وجدته سوداويًّا، يرى الدنيا بشكل ٍ واقعي ٍّ ومبالغ فيه. أعرف أن العالم فيه ما يكفي من حروب وآلمٍ وأوجاع كثيرة تخص الفرد ذاته وأيضا المجتمع والعالم بأكمله، ولكن هذا لا يمنع أن العالم فيه ما يكفي من الجمال والتأمل الذي يجعلنا نقف قليلًا عند التشاؤم ونتجاوزه بقليل ٍ من التأمل والتدبر فيما خلقه الله من طبيعة ونعم كثيرة تجعلنا نعيش ونقاوم من أجلها. أعرف أيضا أن الذات الإنسانية فيها ما فيها من تشابكات ٍ نفسيةٍ لفك شفراتها، ونحن لا نعلم دوافع ستراند لأن يكتب شعرًا حول الذات والهوية طوال فترة حياته تقريبًا، هل يمكن أن يكون نتاج ولدته في كندا وأسفاره
الكثيرة وعدم استقراره ببلد ٍ واحد في فترات طويلة من حياته، هل كان مضطرا لذلك؟ مهما كشفت قصائد الشاعر عن نظرته للحياة فستظل هناك أشياء غامضة علينا نحن كقراءٍ له، أشياء لم تُفصحها شعره ولا يُجيب عنها غير الشاعر، ورغم كل ذلك الغموض فإنني استمتعت كثيرًا بكثرة تأويلاتي حول بعض قصائده وسعدت بتلك المعاني المتوارية خلف سطوره الشعرية الملأى بالتيه والذوبان في الذات والنفس الإنسانية الحائرة بين الواقع والخيال.
وفي حوارٍ لمارك ستراند مع محاور من صحيفة "إن سكيب"، سأله: "ما رأيك في وظيفة الشعر في مجتمع اليوم؟"
أجابه ستراند: "لن يغير الشعر العالم، لكنني أعتقد أنه إذا قضى كل رئيس دولة وكل مسؤول ٍ حكومي ساعة في اليوم في قراءة الشعر، فسوف نعيش في عالمٍ أكثر إنسانية وكرامة، فللشعر تأثير إنساني حيث يقدم حياةً داخليةً تُعبر عن القارئ، فالناس لديها حياة داخلية ولكنهم يُعبرون عنها بشكل رديء ونادرًا ما يعرفون، بل إنهم ليس لديهم لغة لإخراجها إلى العالم، فيمكن لشخصين عميقين في الحب أن ينظرا إلى بعضهما البعض ولا يقول الكثير سوى "أحبك" فيصبح الأمر مملًا بعض الشيء بعد مرور عشرين سنة. لا أتوقع ذلك من رؤساء الدول، ولا أتوقع منهم أن ينظروا إلى بعضهم بعد قراءة الكثير من الشعراء ويقولون "أحبك". ولكن الشعر يذكرنا بأن لدينا حياة داخلية. عندما نقرأ قصائد من الماضي ندرك أن البشر دائمًا كانوا يشبهوننا. لدينا تقدم تكنولوجي لم يخطر على بال أحد من ألفي سنة لكن مشاعر الناس آنذاك تشبه مشاعر الناس اليوم. يمكننا قراءة تلك القصائد بمتعة لأننا نتعرف إلى أنفسنا فيها".
وسأله سؤالً آخر عن طقوس الكتابه عنده قائلًا: "هل لديك أنماط أو طقوس تمر بها عندما تكتب؟ هل تنظر من النافذة؟"
أجابه قائلًا : "عندما تعيش في نيويورك، هناك دائمًا شيء يحدث خارج النافذة. إذا نظرت من النافذة هنا سيتغير الجبل مع الفصول المختلفة. عندما عشت في سولت ليك، كتبت كثيرًا عن محيطي. أتمنى أن يكون لدي طقوس مذهلة يمكنني أن أثير اهتمامك بها، لكن ليس لدي َّ. أنا فقط أجلس وأعمل. إذا شعرت بالتعثر، افتح كتاب والس ستيفينز أو شخصا آخر، وابحث عن كلمة أو شيء ما أو اقرأ صفحةً أو صفحتين من مارسيل بروست".
دليلُ الشِّعْرِ الجديد
١-إذا فَهمَ رَجلٌ قَصيدةً
سَيُواجهُ متَاعبَ.
٢-إذَا عَاشَ رَجُلٌ مع قَصيدةٍ
سَيَمُوتُ وَحِيدًا.
٣-إذَا عَاشَ رَجُلٌ مع قَصِيدَتيْنِ
سَيَكُونُ خَائِنًا لإحدَيْهِما.
٤-إذَا تَخَيَّلَ رَجُلٌ قَصيدةً
سَينْقُصُ منهُ طِفلٌ وَاحدٌ.
٥-إذَا تَخَيَّلَ رَجُلٌ قَصيدَتَيْنِ
سينْقُصُ منهُ طِفلَان.
٦-إذَا وَضعَ رَجُلٌ تَاجًا على رأسِهِ
سَيُكتَشَفُ.
٧-إذَا لم يَضَعْ رَجُلٌ تَاجًا على رأسِهِ
وهو يَكْتُبُ
لن يَخدَعَ أحدًا إلَّا نفْسَهِ.
٨-إذَا غَضِب رَجلٌ من قصِيدةٍ
سَيحتَقرُهُ الرِّجالُ.
٩-إذا استَمرَّ رَجُلٌ في الغَضبِ من قَصيدةٍ
سَتَحتقرُهُ النِساءُ.
١٠-إذَا عَابَ رَجُلٌ الشِّعْرَ عَلنًا
سَيمتَلىءُ حِذاؤُهُ بالبَوْلِ.
١١-إذَا تَخلَّى رَجُلٌ عن الشِّعْرِ من أجلِ السُّلطةِ
سَيحصُلُ على كثيرٍ مِن القُوَّةِ.
١٢-إذَا تَباهَى رَجُلٌ بِقَصائدِهِ
سيُحِبُّه الحَمْقَى.
١٣-إذَا تَباهى رَجُلٌ بِقَصائدهِ وأحبَّ الحَمْقى
فلنْ يَكتُبَ المَزيدَ.
١٤-إذا أرادَ رَجلٌ أنْ يَلفِتَ الانتباهَ بسببِ شِعْرِهِ
سَيكُونُ كالأبلهِ في ضَوْءِ القَمرِ.
١٥-إذَا كتبَ رَجُلٌ قصيدةً ومدحَ قَصيدةَ صَديقِهِ
ستَكُونَ له عَشيقةٌ جَميلةٌ.
١٦-إذَا كتبَ رَجلٌ قصيدةً ومدحَ قَصيدةَ صَديقِهِ بِشكلٍ مُفرْطٍ
سَيَطردُ عَشيقتَهُ بعيدًا.
١٧-إذَا تَباهَى رَجُلٌ بِقصيدةِ غيرهِ
سَيتضَاعَفُ حجمُ قلبهِ.
١٨-إذَا تَركَ رَجُلٌ قصائِدَهُ عَاريةً
سَيخافُ المَوتَ.
١٩-إذا خَافَ رَجُلٌ منَ الموتِ
سَينقِذُهُ شِعْرُهُ.
٢٠-إذَا لم يَخَفْ رجلٌ من الموتِ
رُبَّما ينجُو أو لا يَنجُو بِقَصائِدهِ.
٢١-إذَا أنهَى رجلٌ قَصيدةً
سَيستَحِمُّ في صحْوِ شَغَفِهِ الفّّارغِ
وسَيُقَبِّلُهُ الوَرقُ الأبيَضُ.
من كتاب''ولاؤهم للروح.. عشرون شاعرًا أمريكيًا حازوا جائزة بوليتزر''، مختارات شعرية وسير.
