غيمة الثورة قِبْلة الجموع
محمد حربي
عصفوران على جدار
رسمت عصفورين على جدار
وخلفهما غيوم تقرأ السعف
وتنتقي حبا صغيرا تلقيه على نافذة
ورسمت منقارين يقتتلان على حبة قمح
فطار جدار من شرفة
وأغلق الكتاب
والسعف تحت قيظ الحلم أعمى
فطار الكتاب إلى سحابة
أسقطته على بحر ضرير
أخفاه موج من تحته موج
وهكذا ضاعت حبة القمح
لكن منقارين ظلا يقتتلان في انتظار حلم آخر
أو نبوءة خضراء
فمحوت الرسم كله
وبقي منقاران يهمسان في أذن الجدار
"لقد جاع الصغار
فاترك صلابتك القديمة يا حجر
واسرق لنا بعض الحطب "*
فلم يعد الجدار من غزوة الملح
ولا طل القمر
ولا اكتملت نبوءة كان يخفيها حجر في الشقوق
وعندما صحوت كان الرسم مكتملا في بردة حبيبتي
لكن منقارين طارا في الفضاء
فلم أقو علي مطاردة المعنى
وكتبت هذا الحلم العصي
وانتظرت تفسيرا
كل قبلة ثورة وستر عورة
وكل ثورة قصيدة قصيرة
وأنا وأنت غيمتان
ففي البدء كان المثنى فردا
ثم قصفته شمس فاستجاب للظل
وانفرطت وردة يسمونها الجموع ذرات من حجر
ثم أخذت الغيمة سمتها، صارت نخلة بلا سعف
وليس التمر حصاد عابرين
1
أجلت موتين صغيرين
لأنهي قصيدة
عن موت كبير
2
أكلم موتى على هواتفهم بعد الرحيل
لأحفظ سورة الصدى
وتضم حبيبتي موتى آخرين
إلى لائحة اصدقائها
لتعتذر عن وداع مفاجئ
وبيننا جسر يشغله الآن نهر
توقف عن نقل الجثث إلى الله
أو سماع النشيد
مثلما كان يفعل عندما كان فتيا
3
نقطف معا غيمة الصدى من أحلام سحابة
لم تعد تمطر مثلما كانت تفعل
عندما كان النهر نبيا
نكلم في الميدان موتى خانونا ورحلوا
وخناهم وبقينا لأن النهر صار عصيا
والجسور تحت خطواتنا الحافية سؤال
يمزق الجلد كطفل عنيد أغوته الشوارع
لكننا نجونا بحلم رضيع
والبوم صور ممزقة نلمها كل يوم
ونرضعه بعض الحنين
ربما يقوم من مقامه
قبل أن يرتد الماء ذبيحا
أو يستوي فتيا فوق جبل
يفتش عن ملاذ من الطوفان:
يا بني اهرب معنا
يا بنيتي اصعدي غيمة واصدحي
ولما رن الهاتف في المنتصف
عند الكعكة الحجرية
انحنيا للعاصفة وتبادلنا أشباحنا
قبل أن يشتعل الحريق في أجسادنا بقبلة
أعادت كل من رحلوا في حدائق الكلام
وأبقتنا في المنتصف
شهيدين في انتظار
شهيدان في عناق ينتظران مقصلة
غابت قليلا في الميدان
يركبان "مركبا مخمورا" يقتحم نهرا من وحل
يلقنان ابنا يصعد الوصايا :
يا بني لا تركب معنا
واذهب الى جبل يسمونه الميدان
فادخل واعتصم وطف إنك من الشاهدين
يا بني إنها الدائرة فالزمها ولا تطع المربع
خصيم الثورة
انتبه لايقاع نعليك
ونحن سنحفظ سرك المعلن من الأعالي
وننتظرك في آخر الشوط
اذهب فإن الميادين ظامئة
والارض تحت الموكب المخمور تنتفض
ظل الفالانتين
كل شيء في الميدان أحمر
العلم والورود والقلوب الطائرة كبالونات الكرنفال
وحدها الملائكة تأتي في الأبيض، وتنعس فوق كتفي
شغلتها بالأمس قُبَلٌ أرسلَها الشهداء
تفتش في الدروب عن شفاه تتقن الهمس في صخب
وكانوا يعرفون مذاقها
فغطت الخمر السماوية نهرين بالدماء
وعادت الملائكة بصور لم يبصرها أحد
أمطرت قُبَلًا
والشفاه في أزمنة الظمأ كالصحاري
عطشى لنور عينيك
لكن النهر الضامر شق صفحة المطر بسكين ظامئ
فجف ضرع عابر في السماء
بعدما حل الغروب ضفائر غيمة
لمت ما تبقى في الضرع الاخير
وحلبت شمسا تغادر
وأسقطت قلوبا ملونة علي شارع مكتظ
بجثث في كامل أبهتها تعبر الإشارة
فلم تلتفت المقاه
وندوب في الوجه الشاحب الذليل
احمر ضوء الإشارة
سقطت طفلة من خرج على ظهر امرأة
وحقيبة كان صراف يملؤها بفواتير مؤجلة
وكتب مدرسية لطفلة تعرضها تحت سفح مئذنة
لا تقرأ الإشارة جيدا
وسقط رسم صغير لطفلة عابرة قبل أن يخفيها دخان
كان هناك رجل وامرأة
لم يسعفهما الوقت لفك الضفيرة
فعادت الاشارة خضراء كحقل فسيح للقتل
وعادت الغيمة للسماء بخيبات صغيرة ملونة
والعربات في طيشها المجنون
تدهس قلوبا سقطت من الاعالي
ورأي الرب ذلك غير حسن
واستاء جدا
وأغلق النافذة وطوى الكتاب علي قلبين
يرتعشان من أثر الصقيع
* تطوير لمقولة عفيفي مطر:
جاع الصغار ..
فاترك عباءتك القديمة يا قمر
واسرق لهم بعض الذرة
من ديوان "الجوع والقمر"
