مكاشفة بيني وبينَه
عبود الجابري
كان بوسعكَ أن تخلقَني طائرةً ورقيَّةً، فالأمْرُ لا يلزَمُهُ سوى خَيطٍ طويلٍ وطفلٍ يعبث بالرياح، وكما ترى، فإنني أتجعد مثل جريدة تداولتها الأيدي، ولم أعد صالحاً للاستعمال المنزلي، كأن يمسح الناس بي زجاج منازلهم أو سياراتهم، أو يفرشني العمال على الأرض حين يتناولون طعامهم، فاشل أنا في اقتناص فرصة مواتية للموت بلا ألم، وأنبيك أنّي مقتصد في كلِّ شيء، في الضحك، والنوم ، والكلام، محاولة مني كي أبدو متزناً بين يديك، وأذكر أني سألتك أن تسمح لي بالبكاء كلما وجدت بي حاجة إليه، ووعدتك ألا أقترف النحيب إلا حين أجد نفسي وحيداً.
البَحرُ بَعيدٌ
لا أملكُ أجرةَ الوصولِ إليهِ
لأُخبِرَكَ أنّي ماضٍ إلى الغرَقِ
بملءِ صَوابي
تعال نعرِّفُ الأيامَ معاً، أنا أصفها لك على الأرض، وأنت تصفها لي في السماء، فيما يخصّني لم أعد أصدّق خرافة اليوم الكامل، أو انتظار اليوم القادم، على فرض أن هذا اليوم سيمضي، الأيام بنات آوى، تتربص بنا، نحن دجاج الأرض الباحثين عما يتساقط من أكياس القمح عند مرور الشاحنات أمام أعمارنا.
هذا المساء تصفحت وثائق مكتبة الكونغرس الأمريكي، وأنت تعرف أنهم فكّوا القيود عنها، وصارت متاحة للقراءة من قبل عامة الناس، فلماذا جعلتني متاحاً للقراءة من قبل الجميع، ألا يمكن أن أكون سرّاً غامضاً؟ ألا يمكن أن أحشد دموعي وأقاتلك بالبكاء؟ لماذا لم تنتظر خمسين عاماً ثم تسمح للعالم بقراءتي واضحاً؟
أكتب وبحوزتي من السجائر 15 سيجارة، وهو وقت كافٍ للتصريح بما لدي من أسرار، وبعد ذلك سيكون علي العودة إلى ما يطلق عليه تسمية (البيت)، حيث يخمد كل شيء ويأنس السكون تعفّفاً، الطريق إلى البيت بعيد، وعلي أن أتدبّر سجائر لمعاقرة الليل في التفكير بنهار غامض سيكشف عن عورته حين نصحو.
أعيد كل ليلة قراءة رسائلي التي لم يقرأها أحد، أعيد النظر في أوجاعي التي يقلبها الآخرون، ويهزون أيديهم، قد تكون أنت من بينهم، لكني كأي مدمن مازلت أكتب الرسائل، واثقاً أنها ستموت في صناديق البريد، ألا ترغب في أن تكون شاهداً؟
لا أريد العودة إلى البلاد، فلا بيت لي هناك ولا عمل، ولا أريد البقاء في بلاد أخرى، فلا بيت لي فيها ولا عمل أيضاً، كيف لي إذن أن أستعمل بوصلة للوصول إلى ما لا أعرف.
دُلَّني إن استطعت، دُلَّني أين يسكن الخبز، و ما تبقى من التفاصيل مخجل البوح بها،، هل تريد أن أتعرّى تماماً؟
إن لم تجدني غداً فلا تبحث عني
