التنزّهُ في حدائقِ القتلى / عبدالله عيسى

 التنزّهُ في حدائقِ القتلى

عبدالله عيسى


التنزّهُ في حدائقِ القتلى  - عبدالله عيسى - بيت النص

لم يكترثْ ساعي البريدِ بما تأخّرّ من رسائل في الصناديقِ الّتي كلحتْ ببرقيّات نعي الأوّلين، ولم يجد أثراً يدلّ على العناوين التي اندثر ت بسيرة ساكنيها تحت أنقاض البيوت المهملةْ . لكأنّ تشرينَ الأخيرُ من الشهورِ يَسُوطُنا من بين أرجلنا إلى سورِ القيامةِ ، يُخرجُ القتلى من العهدِ القديمِ مصدّقاً بالطينِ في أفواههِمْ و مبشّراً بهلاكِهِ بينَ الهوامشِ في الأساطيرِ القديمةِ ، والجراذين التي نبشت قبورَ الميّتين ويُنبتُ القيصومَ تحت أظافرِ الجثثِ الّتي كانت جنوداً أمطرونا بالحرائقِ والظلامِ . رأيتُ سيّدةً أرادتْ أن تواري طفلَها في بطنها. حتّى المقابر غيرُ آمنةٍ ، تصيحُ . رأيتُ طفلاً لم يجدَ ظِلّيْ ذراعيهِ على كَتِفَيْ أخيهِ في عناقِهِما الأخير كأنّ موت الضوءِ في عينيهِ أشبه بارتطامِ قذيفةٍ أخرى برأسِكَ كلّهِ. وصبيّةً ترثي أمامَ الكاميراتِe حياتَها : هذا حبيبي . أحضروه في الحقيبةِ . لا أصدّقُ ما روى الموتى، يقولُ معلّمُ التاريخِ. ، للجغرافيا جدوى مكوثكَ في الحنينِ إليكَ ، حيثُ هناكَ أنتَ تقيمُ مأدبة لقتلى العائلةْ، وتُطاردُ الظلماتِ في أثرِ الًّذينَ تربّصوا بظلالِنا بيضاء في الأسفارِ . لا تدفنْ بقايا زهرة الدفلى على طرف البحيرةِ تلكَ ، لا تَرْثِ احتضاركَ قبلَ أن تُبلى بشوكِ التاجِ تنتظر ُالقيامةَ في الطريقِ إلى السماءِ تقولُ راهبةٌ لجنديّ رأتْ سبّابةَ الشيطانَِ فوقَ زنادِهِ . ما عدتُ جائعةً وخائفة تماماً لا أريد رغيفَ خبزٍ ساخنِ أو كأس ماءِ باردٍ لا ملجأً أو شمعةً بل محضَ قبرٍ ، وليكنْ أبداً جماعيّاً تشاركنا دساكرهُ العصافيرُ الّتي حلمتْ بأشجارٍ وأنهارٍ تؤاخينا ، وأحراشٌ تصلّي في الجبالِ لنا ، ومكتشفو كهوفٍ أورثتْ أنسابَها لرسومِنا الأولى ، وشعبْ بين مذبحتينَ يلعنُ قاتِلَهْ.


تعليقات