مسائلُ مُعلَّقةٌ على حبلِ القلب
لم تعُد تتيَّقن من شيءٍ
صار للشكِّ غرفةٌ في بيتكَ ، بل قُلْ إنَّ البيتَ صارَ له .
أنتَ تحاورُ من لا تراهم ، رُبَّما هم كُثرٌ ، ورُبَّما هو واحدٌ ، وربما لا أحد .
تتكلمُ مع المجهُول ، أو المُستتِر .
الملامحُ مرسومةٌ لكنَّها غائبةٌ عن لوحتك التي ترسمُ فيها جُزءًا كل ليلة .
عليك أن تعين حيِّزك .
اكتمل صمتُك وبدأ الكلامُ الذي لا تدوِّنه ، ربما لأنه لا يُدَوَّنُ ، لكنه يتقطَّرُ ويتسرَّبُ في كلِّ ما تخطُّ بعد ذلك ، كأنَّك تقولُ : لا شيئ يضيعُ ، مع أنك ترى نفسَك ضائعًا في فتنةِ الضَّيَاع .
أطِل النظرَ في الأمرِ ، فربما تحبُّ أن تعُود إلى القيد .
أنت الذي عِشْتَ حياتَك في الحرية ، ولم تطق نفَسًا آخر معك في الغُرفة التي تسكُنُ .
لم تعُد ترى ظلَّك في المدن
ولم تر منذ كُنت طفلا ظلَّكَ الطَّويلَ الممتد على الأرض ، يدلُّك ويرشدُك ويحرسُك ، كان يخبرُك حتى بحركة الفلك ، يُحدِّد لك المواقيت ، خُصُوصًا أنك تعيشُ بين انحسارٍ ونقصانٍ ، ولو اكتملت لوقع الخسُوف . واختنق قمرُك أو ذُبح أو شُنِق .
اعلم أنك سائرٌ إلى النقصان ، ماؤك ينحسرُ ، كأنك ذاهبٌ إلى المرقد الأبدي ، هل سيذهبُ قبلك إليه ؟
2
منذ زمنٍ مضى لم أعُد أنامُ بعُمقٍ ، صرتُ أصحُو مراتٍ كثيرةً خلال الليل ، عددُ ساعات ما أنامُه قليلٌ ، وأصبح النومُ عزيزًا وصعبَ المنال ، كأنَّ العقلَ لم يعُد في سلامٍ ، وجفَّ ماءُ نهرِه ، وكأنَّ الرُّوحَ في اشتباكٍ دائمٍ مع كائناتٍ مرئيةٍ وغير مرئيةٍ ، ربَّما أنامُ نومًا متقطِّعًا في المطاراتِ والطائراتِ ، حاولتُ أن أجلبَ النوم ، وأسرقُهُ بأقراصٍ منوِّمةٍ لكنَّني فشلتُ ، إذ لم أتعوَّدها ، كما أنها جلبت لي كوابيس وخيالاتٍ ومناماتٍ وأحلامًا مخيفةً ومرهقةً لرُّوحي ، النوم مهم لي كي أستطيع مُواصلة القراءة والكتابة ، وقلة النوم تربكُ ، وتجعل الأشياء دائمًا ناقصةً وغير مكتملةٍ أو تامة .
فالنفس راضيةٌ لكنها ليست مرتاحةً ، تعاني في صمتٍ أحترمه فيَّ ، مع أن الفضفضةَ تشفِي أو تعينُ الرُّوحَ من سقمها واضطرابها ، والليل يحملُ معه الهموم والأفكار على الرغم من أنني لا أنامُ وحدي في سريري ، إذ تظلُّ الموسيقى والأغنياتُ تعانقُ رُوحي آناء الليل وأطراف النهار ، أعرفُ أنَّ الموسيقى تعينُ ، وتجعل نفسي تذهبُ إلى مناطق أخري قصية فيَّ ، لكنها لا تكفي لجلب النوم ، ربما لأنَّ الألم أكبر ، والوجع أشد.
ما حدث لي في السنوات الأخيرة ثقيلٌ ، ولا يمكنُ كتابته ، كأنَّ الحياةَ كانت تخبِّئ لها نهايةً غير سعيدة ، لكنَّ إيماني يقودُني إلى الانفراج بعد كلِّ شدَّة أعانيها ، صرتُ أكثر عزلةً وابتعادًا عن الناس ، كرَّستُ وقتي للقراءةِ والكتابةِ ، ورعاية غيُوم الهمُوم كأنَّني أعينُها على المطر أكثر داخلي .
حتى ظلالي صارت عوجاءَ
وقلبي صارَ مُنحنيًا
هناك ما انكسر ، وليس لديَّ ذهبٌ لأرمِّمَ الكسُورَ كما يفعل اليابانيُّ كلما تهشَّم إناءٌ له ، لكنَّ قلبي ليس إناءً جامدًا ، إنه وِعائي الذي ربَّيته على المنحِ والسكينة ، خُلِقَ متحرِّكًا لا ساكنًا ، وفي حركاته إيقاعٌ مختلفٌ لم يعرفه أهل النغم والموسيقى والعَرُوض .
صارت تهزمُني بقاياي
وتداخل ما أراهُ في مراياي .
أحزنُ لكلِّ ما لن أستطيع إعادته ، وأكتفي فقط باستعادة ظلاله عبر الذاكرةِ المُنهكة .
وأحزنُ أكثر للأشياء التي تولدُ ولا تكتمل ، كأنَّ الخوفَ صار يحكمُني ، أو كأنَّ الخجلَ من الإقدام صار يربكُني ، إذْ كيف أفرحُ أو ألتذُّ ودمي يسيلُ في الشَّوارع القائظة ؟ ، هل أنا أسدُّ بابَ الخير الذي فتحته لي حواسي ، هل أغلق صنبور السُّرور ، الذي يجعلني منصُورًا ؟
كأنَّ الحياة تريدُ أن تمنحني فرصةً أخرى للعيش في ظلالِ لغةٍ أخرى ، لكنَّ الوضعَ صار مُعقَّدًا ، ومن هم حولي لا يفقهُون ما أنا فيه ؟
أعرفُ أنَّني أضعتُ زمنًا من يديَّ ، وبدَّدتُ وقتًا ، ولم تكُن اختياراتي كلها صحيحةً ، فهناك ما أجبرتُ عليه ؛ لأنه كان المتاحَ والخيارَ الوحيدَ ، لأنَّ هناك من يُضيِّقُ عليك ، مع شُسُوع الكون ، ورحابة المساحات .
وأعرفُ أيضًا أنَّ الندمَ لن يجدي ، فما جرى قد وقع ، وترك ندُوبه ، لكنَّني تعاملتُ بفطرةٍ ونقاءٍ ورثتُهُما في شخصيتي ، ولا أراني أستطيعُ أن أكُونَ غير ذلك ، ولا أحدَ يتحمَّلُ وجعه سوى الموجُوع ، ومنْ حوله يشاطرُه فقط بالكلام والمُواساة مهما يكُن صدق الشُّعور .
الوجع شخصيٌّ ولا يصيبُ سوى حامله ، لكنَّ المحيطين أو التابعين يتأثَّرُون فقط من الخارج .
أنهك الخيالُ قلبي
وصار الحلمُ أوسعَ ممَّا أعاينُ في العيش
هل هي مكابداتُ العاشق ومكاشفاتُه وإشاراتُه ؟
كل شيء جائزٌ عندما لا تجد جوابًا ، وتعجزُ روحك على أن تجيبَ عن الأسئلة العالقة أو المتعلِّقة بمصيرك؟
كالطيور التي كُنتُ أراها طفلا في غيطنا ، أكلِّمُ نفسي كثيرًا صمتًا ، وكثيرًا في صوتٍ أسمعُهُ ، كأنني أسائلُ ذاتها ، وأحاسبُ نفسي ، لا أجعلُ أحدًا يسمعُني ؛ لأنَّ الناسَ تقولُ عن الذين يكلِّمُون أنفسهم بأنهم مجانين ، مع أنَّ الكلام مع النفس لو يعلمُون هو عينُ الشِّفاء من الأسقام ، كما أنه يمنحُ المرء فُرصةً لتدارُكِ ما فات ، والوصُول إلى حلُولٍ للمسائل المُعلَّقة على حبلِ القلب .
