كأنَّهَا خُلقتْ للآلام
الشِّتاءُ عندي يعني الميلاد ،
فقد ولدَتْنِي نوال عيسى في نوفمبر ، وهو يأتي بين فصليْ الخريف والربيع ، اللذين ولدتْ فيهما محمد وسعاد .
ويعني العشق ، واللمَّة حول النار التي تدْفِئ، سواء أكانت هذه النار مصدرها المدفأة أم آتيةٌ من حطب القلب .
الشِّتاء يعني لي القراءة الآن وكل آن ، أو المذاكرة أيام المدرسة ، والاستماع إلى الراديو ، حيث لم تكن الكهرباء قد دخلت قريتنا كفر المياسرة بعد .
ولأنني أعيشُ وحدي ؛ فيؤنسني الفلاسفة والشعراء والمتصوفة الذين يصحون من كُتبهم ، إذ أمثالهم لا يعرفُون النَّومَ مثلي ، فهم دومًا في يقظةٍ وصحو ، يربُّون إشاراتِهم .
لكن الدنيا تغيَّرت ، نحنُ الآن في منتصف يناير ، ولا برْدَ في الأفق ، ورُبَّما يأتي فبراير ولن نشعرَ البرد ، كأنَّ السَّماءَ تُعاقِبُ الإنسانَ على اغتصابه ما ليس له ؛ ولذا لخبَطتْ له مناخَه ، وخلطتْ له فصُولَه ؛ فالشِّتاء يأتي نتاج ميَلانِ محور الأرضِ في نصفها المتجِّه بعيدًا عن الشَّمس. ومن المُفترض أن يَبْتَدِئَ كما هو مُعتاد في الثَّانِي وَالعِشْرِينَ مِنْ دِيسمبر، وَيَنْتَهِي فِي الحَادِي وَالعِشْرِينَ مِنْ مَارِسَ في نصف الأرض الشَّمالي ، ولكن هذه التواريخ صارت أثرًا بعد عينٍ ، بعدما لعب الإنسانُ في أساسِ الأرض ، ولوَّثَها ، وأفسدَ سماءَها وعكَّرها .
قال النحوي المصري ابن بري (499 - 582هـجرية /1105 - 1187ميلادية ) : " الشِّتاءُ اسمٌ مفرد لا جمعٌ بمنزلة الصَّيف ؛ لأَنه أَحد الفصُول الأَربعة ، ويدلُّك على ذلك قولُ أَهلِ اللغة أَشْتيْنا : دخَلْنا في الشِّتاء ، وأَصَفْنا : دخَلْنا في الصيف .. " ، والشِّتاء ذكَرٌ ، والصَّيف أُنثى .
وكنا نقولُ ونحن أطفال عندما ترعدُ السَّماءُ وتبرقُ : " إنَّ جبلَ الشِّتاء يتخانقُ مع جبلِ الصَّيف " ؛ لأنَّ الأخيرَ لا يرغبُ في أن يحلَّ الشِّتاءُ مَحلَّه ، كأنَّها المعركةُ الأبديةُ بين الرجُل والمرأة .
والعربُ تجعلُ الشِّتاءَ مَجاعةً ؛ لأَنَّ الناسَ يلْتَزِمونَ فيه البُيوتَ ، وقال أَبو منصورالثعالبي (350 - 429 هـجرية / 961 1038ميلادية ) : والعربُ تسمِّي القَحْطَ شِتاءً ؛ لأَنَّ المَجاعاتِ أَكثرُ ما تُصِيبهُم في الشِّتاءِ البارِدِ؛ وقال الحُطَيْئة وجعل الشِّتاءَ قَحْطًا :
" إذا نَزَلَ الشِّتاءُ بدارِ قَوْمٍ
تَجَنَّبَ جارَ بَيْتِهِمُ الشِّتاءُ "
أَراد بالشِّتاءِ المَجاعَةَ.
وأتخيلُ الآن الثَّعالبي أنه لم يكُن يشعرُ بالبردِ من فرطِ وفرة الملابس المُتاحة تحت يديه ؛ لأنَّ أباه " كان فرَّاءً يخيطُ جلُودَ الثعالب ويعملها " .
عليَّ أن أذهبَ إلى سريري لأستدعيَ النَّوم ، وأحايله كي يرضى ، كأنهُ يطلبُ البطاطينَ المصنوعةَ من الصُّوف الطبيعي التي اغتصبت منه ، ولم أجد مثيلا لها في أرضِ المحرُوسةِ ، بعدما أتعبني البحثُ والسُّؤال .
في السَّرير قد يتنازلُ الشِّتاءُ عن عرشِه
وقد ينزلُ المطرُ
ويسقطُ الحلمُ من عليائهِ
وترعى نجُومُ السُّوسِ خشبِي
وتتمدَّدُ الكوابيسُ جواري
فلم يعُد جرسُ البابِ يدقُّ صباحًا
ولم تعُد الشَّمسُ تأتي كعادتِها
كأنَّ الحُبَّ كان فصلا موسميًّا
أو كأنَّها اكتفتْ
أو نظرتْ إلى سقفِ رُوحها فرأتْ عنكبُوتًا تنسجُ أوهامًا وخيالاتٍ
كأنَّ التلفَ الذي أصابَ رحمَها سيلتفُّ حول عُنقي
لكنَّها ما اعتادت الخنقَ وهي البريَّةُ في المنحِ .
إنهُ السبتُ أوّل أيّام الأسبوع، يأتي بعد الجمعة، ويليه الأحد ، هو الدَّهرُ أَو بُرهةٌ منهُ ، هو الرَّاحةُ ، هو النَّومُ.
ستنعمُ بالمُخدِّر ، وقد تحلمُ بي ، وتكشفُ اسمي ، وسط اللواتي أتين ليشهدن الجراحةَ الدقيقةَ في أحد مستشفيات القاهرة القريبة من بيتها ، وساعتها ستخرُجُ واحدةٌ من بينهن تتلو هذه الآية " واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( سورة الأعراف/163 ) .
وهي لا تخشى أن يتحولَ الطبيبُ إلى قردٍ إذا لم يتقن الجراحةَ ، إذ على كل كائنٍ أن يتحمَّلَ تبعات أخطائه .
من المؤكَّد أنها لم تختر يوم السَّبت موعدًا للجراحة ، ربَّما الطبيب مزدحمُ المواعيد ، فاختار لها السَّبت ؛ كي يهتم ويعتني ، وأيضًا كي يجهِّزَ طبيبَ تخديرٍ جيدًا .
ما من امرأةٍ في زماننا إلا واعتادت التخديرَ في الولادة أو سواها من الجراحاتِ ، فالمرأة تتعرَّضُ إلى الجراحاتِ أكثرَ من الرجل ، كأنَّها خُلقتْ للآلام .
ستعيشُ حالة اللاوعي القابل للإرجاع ، فهي لا تحبُّ فقدان الوعي ، ولولا الأوجاع لطلبتْ جراحةً بلا آلامٍ ، فكيف لإلهةٍ أن تغيبَ عن الوعي ، اختار لها الطبيبُ نوعًا من البنج هو مُرَكَّبٌ كِيمَاوِيٌّ لِتَخْدِيرِجسمِها ، لِلتَّخْفِيفِ مِنْ ألَمِ الجِرَاحَةِ .
وهي تفضِّل استخدامَ البنج الذي يُحقنُ في وريدها ؛ لكونهِ أسرعَ وأقلَّ ألمًا ، فهي تدرك أن البَنْجُ - بفتح الباء وليس بكسرِها - قادم من اللغة الهندية ، وهو جنسُ نباتاتٍ عشبيةٍ طبيةٍ مُخدَّرة من الفصيلةِ الباذنْجانيةِ ، لَهُ أوْرَاقٌ لَزِجَةٌ، وَأزْهَارُهُ بِيضٌ أوْ صُفْرٌ.
كما أنَّ بَنْج قرية في سَمَرْقَنْدَ بأوزبكستان ، ونَبْتٌ مُسْبِتٌ معروف ، غيرُ حَشيشِ الحَرافِيشِ ، مُخَبِّطٌ لِلعَقْلِ ، مُجَنِّنٌ ، مُسَكِّنٌ لأِوْجاعِ الأَوْرامِ والبُثُورِ ووجَعِ الأُذُنِ، وأخْبَثُهُ الأَسْوَدُ، ثم الأَحْمَرُ، وأسْلَمُهُ الأَبْيَضُ .
عادة ما كانت تذهبُ إلى القواميسِ والمعاجمِ لتعرف أصولَ الأشياءِ ، وتقفُ على المعاني ، ولا تحبُّ أن تمارسَ الأشياءَ قبل تيقُّنها وإدراكها التام .
فهي تعرفُ أنَّ العربَ القدماءَ قبل الإسلام أطلقوا اسم شِيَار على اليوم الأول من الأسبوع ، الذي سُمِّي سبتًا بعد ذلك نسبة إلى السُّبَات ، المقصود به الراحة .
