مقامُ سيّدةِ العَجَمِ البغداديّة / أمل الجبوري

 مقامُ سيّدةِ العَجَمِ البغداديّة

أمل الجبوري


مقامُ سيّدةِ العَجَمِ البغداديّة - أمل الجبوري - بيت النص


هذا مقامٌ
لا يُفتَح بالمناجاة،
بل بالوقوف.
ولا يُنال بالطلب،
بل بالتهيّؤ.
قالت العارفات:
ليس العشق نارًا دائمًا،
ولا صعودًا لا ينقطع،
بل فسحةُ صدر
إذا مرّ بها الحبيب
لم يُسأل: لِمَ جئت؟
ولا: متى ترحل؟
وفي هذه الفسحة
قامت سيّدةُ العَجَم.
لم تُعرف بلسانٍ،
ولا بنسبٍ،
ولا بمذهبٍ يُشار إليه.
سُمّيت العَجَم
لأنها خرجت عن مألوف القوم،
ومن خرج عن المألوف
صار قلبه
أوسعَ للدهشة.
وكانت سيّدةً
لا بسيادة الأمر،
بل بسيادة الحضور.
إذا جلست
سكنت الأسئلة،
وإذا صمتت
تكلّم العشق،
وإذا أومأت
انكشف الطريق
لمن لم يسأل عن الطريق.
لم تقل: أحببتُ،
بل كانت
هي هيئة الحبّ
حين لا يطلب مقابلًا.
ولم تقل: صبرتُ،
بل كانت
هي سعة الصبر
حين لا ينتظر مكافأة.
وقال أهل الإشارة:
إن العشق لا يُحتمل
إلا في مرآةٍ صافية،
ولا مرآة أصفى
من أنوثةٍ
عرفت كيف تستقبل
ولا تُمسك.
وهذا ما ألمح إليه
محيي الدين بن عربي
حين جعل الأنوثة
مرتبةَ القبول،
ومحلَّ التجلّي،
وسرَّ السرّ في الحبّ.
فكانت سيّدةُ العَجَم
عشقًا بلا دعوى،
وقربًا بلا ضجيج،
وحضورًا
إذا مرّ بك
غيّرك
دون أن يترك أثرًا يُمسك.
لا خاصمت العشق
ولا فاوضته،
ولا قالت: لماذا أنا؟
ولا: إلى أين نمضي؟
بل قالت—بلا قول—
نعم.
وكانت هذه الـ«نعم»
أوسع من كلِّ الكلام.
هكذا يكون العشق
إذا تعلّم من الأنوثة:
لا امتلاك،
لا استعجال،
لا خوف من الفقد،
بل ثقة
تمشي على قدمين
من صمت.
هذا مقامُ سيّدةِ العَجَمِ البغداديّة:
مقام العشق
حين يختار أن يُقيم
في القبول،
لا في المطالبة،
وفي السكون،
لا في اللهاث.
ليس هذا المقام نهايةً،
بل تحوّلًا في طريقة السير.
فمن هنا
لا يعود العشق صعودًا محضًا،
ولا نداءً متوترًا من الغيم،
بل إقامةً في الضوء
دون استعجال الوصول.
من مقام سيّدة العَجَم
يتعلّم القلب
أن العشق لا يكتمل بكثرة الخطوات،
بل بخفّتها،
ولا يُقاس بحدة الشوق،
بل بسعته.
هنا
يتحوّل السؤال إلى ثقة،
واللهاث إلى سكون،
والطلب إلى قبول.
ومن لم يمرّ بهذا المقام
ظلّ يدور في الغيم،
ولو لامس الشمس ألف مرّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا مقام من مخطوطتي
«من غيمتي إلى شمسك: مقامات العشق».
سمّيتها سيّدة العجم، لا ستّها( فهي معروفة تاريخيا بست العجم ) ، لأن العشق لا يُصغَّر.
والعجم هنا ليست نسبًا،
بل خروجٌ من اللغة،
حين يتقدّم المعنى،
ويتأخر الكلام.
تعليقات