دستويفسكي شاعراً
قصائد في الحبّ والحربِ أيضاً
ترجمة وتقديم د.عبدالله عيسى
من كان يمكن أن يتخيّل أنّ دستويفسكي الّذي وُصف في العالم بأنّه
الخبير بالنفس البشريّة بالفطرة، وساهمت رواياته الملهمة بمعرفة عمق الذات
الإنسانيّة ،وإدخال الروح الروسيّة المبهمة إلى الوعي البشريّ كونها جزءً أصيلاً
فيه ، يكتب الشعر .
والمدهش حقاً ، أنّه يكتب شعراً ساخراً
لاذعاً ، وللأطفال أيضاً ؛وشعراَ وطنياً ملتزماً بالصيغ والمواقف الحكوميّة الرسميّة السائدة آنذاك.
ولم يكن لأحد أن يجهل موقف دستويفسكي الحادّ
من السلطة ، ذاتها الّتي حكمت عليه بالإعدام في عام 1847 . بعد أنّ اتّهم بالمشاركة في نشاط حلقة بتراشيفسكي
السياسيّة، المحرّضة ضدّ نظام الحكم السائد ، خاصّة أنّه تورّط بأن قرأ رسالة الناقد الشهير بيلينسكي إلى الكاتب
غوغول لإطرائه على النظام المستبدّ، والّتي كانت ممنوعة، بل ومجرّمة أيضاً .
لكنّ
، الحكم يخفّف إلى أربع سنوات بالأعمال
الشاقّة ، ليخدم بعدها في سيميبالاتينسكي ، وهي مدينة شرق كازاخستان .
ولا بدّ أنّ
دستويفسكي القابع آنذاك في منفاه العصيّ على الحياة ، أراد إرضاء أركان السلطة
الروسيّة بهذه القصائد ، مقدّماَ المزيد من التوسّل والطاعة لنشرها ، ووصولها إلى
من يعنيه الأمر. ممّا كتب في قصيدة " حول أحداث أوربّا 1854"
،حيث أعلنت انكلترا وفرنسا الحرب على روسيا:
روسيا الّتي
ذرفتْ حروباً فتّاكةً
كلّ قطرةٍ من دمٍ تألمُ لها
تذبلُ في حروبِ الدمِ الواحدِ .
لكنّ روسيا صاحبةَ القداسةِ تبقى حيّةً .
...
الملايينُ
،الأجيالُ لا تكلّ من مدّ أيديها إليها.
َوحدَها
تفرشُ حكمَها على أعماقِ آسيا،
تهبُ
الكائناتِ الحياةَ
وبّعْثَ
الشرقِ العتيقِ (بما شاء الله) آتٍ بروسيا .
وهاهمُ الروسُ
منْ جديدٍ
الولاءُ
للقيصرِ
الفجرُ
الوهّاجُ القادم!
وسرعان ما تفشّت أخبار كتابة دستويفسكي شعراً
محابياً للسلطة بالكثير من التذلّل ، فسخطت عليه الأوساط التقدميّة ، حتّى أنّ
منهم من كتب مقالات ساخرة عنه، مثل الناقد والكاتب إيفان بانايف الّذي نشر مقالة في مجلة سوفريمينيك نالت منه كثيراً.
فيما رأى آخرون أنّه كان ينتصر في قصائده هذه
لانتمائه العميق لوطنه ، ما تؤكده رسائله لصديقه الشاعر أبولون مايكوف .
لكنّ دستويفسكي يواصل كتابة الشعر . في شعره
الساخر ثمّة حساسيّة كامنة خاصّة للتعاطي
مع الأشياء ببالغ الجديّة و العظمة ، أو هكذا توحي إليك ، محمولة على أقوال مأثورة
، أو أطياف حكمة عامّة .
وإنّي أرى
وصفٌ كاملٌ للكهّانِ فقط
مضجِرٌ
وغيرُ عصريّ.
والآنَ
أنتَ
تكتبُ بأسلوبٍ رثّ.
ليسكوف !
إياكَ والفشل!
كما أنّه يهدي ، مثالاً، قصيدته الّتي عرفت باسم فيدول إلى زوجه وابنه
وابنته. و يُذكر أنّه شارك زوجه آنّا غريغورفنا بإنجاز بعض القصائد . ( هي زوجه
الثانية الّتي رزق منها بأربعة أطفال:ابنتان وابنان ، في حين لم يرزق بأيّ طفل من
الزوجة الأولى ماريا دميتروفنا ) .
لا تَصِرْ
لصَّا يا فيدول
لا تصرخْ
بملءِ حُلقومِكَ
اِعْبِسْ
قليلاً على الأقلّ
لستَ سكرانَ، و أنتَ لا تشربُ الفودكا.
لا تزعقْ ثانيةً ،
يا ليليوك*.
كوني فتاةً
طيّبةً ،
كوني صديقتَنا
كلّنا،
لا كلبةَ
سوءٍ.
ولا تغضبي
أنتِ أيضاً ، يا أمّي.
* اِسم
عائلة.
وكذلك
كتب دستويفسكي للأطفال ، كما يتجلّى
في قصيدة " هِبَةُ الربّ " الّتي تصوّر إرادة الربّ الكامنة في
أن يهدي شجرة عيد الميلاد لأطيب طفل . وهنا ، تتعدّى الطفولة عنده الزمن ، ليصبح مدخلاً لأبديّة بوّابتها الطفولة
بما تحمله من براءة وحلم . لكنّ الأطفالَ لم يتعاطوا مع قصيدته هذه بالقدر الّذي
تأمّله لا شكّ دستويفسكي ، فلابدّ أنّهم رأوا فيها قصيدة طويلةً ، وتقرّباً من حكمة متعالية وتمثّلاً لفكرة تلقينيّة. كما أنّ هناك مِنَ
الأدباء والعاملين في حقول الأدب
مَنْ يشكّك في نسب القصيدة هذه
لدستويفسكي . نقتطف منها:
الملاكُ
الصغيرُ الّذي أرسلَ اللهُ،
عشيّةَ عيدِ الميلادِ،
إلى الأرضِ،
قائلاً ، بالإبتسامةِ الوهّاجةِ :
بينما تعبرُ غابةَ التنّوبِ ،
اقتطع شجرةً،
واهدِها للطفلِ
أطيبِ ما على هذهِ الأرضِ،
اللطيفِ ،
الرقيقِ،
تَذْكِرَةً بي
".
ومسّ الخَجلُ
الملاكَ الصغيرَ، قالَ:
"لمنْ
أهبُ العطيّةَ ؟
كيفَ لي أنْ
أعرفَ أيّ الأطفالِ
سوفَ يفوزُ
بنعمةِ الله".
" سترى
بنفسك" قالَ الربّ.
وجرى الضيفُ
السماويُّ
واستوى
الهلالُ ،وأشرقَ الدربُ القويمُ ،
وجاءَ إلى
المدينةِ الكبيرةِ يسعى
بالخُطبِ
الكرنفاليّةِ
السعادةُ
في كلّ أرضٍ
تنتظرُ
الأطفالَ.
أضف إلى ذلك ، فإنّ منهم الكثير أيضاً ،وكذا
أفراد عائلته والأصدقاء، ممّن ظلّ يعتقد أن دستويفسكي يتجلّى بعوالمه السحريّة
وملكاته المبدعة في النثر ، وليس في الشعر . لقد كتب إليه شقيقه ميخائيل بعد
أن أرسل فيودور قصائده إليه ليقرأها
:" قرأت قصائدك ، ووجدتها هشّة وضعيفة .الشعر ليس من اختصاصك
".
ويكاد يُتّفق على أنّ ثلاث قصائد ،شكّلت أهمّ ملامحِ عالم فيودوردستويفسكي الشعريّ ، لم ترَ في حياته .
ذلك أنّ دستويفسكي ، الّذي كان على رأس خدمته العسكريّة في سيميبالاتينسكي آنذاك
، أرسل
قصيدة " حول أحداث أوربّا 1954" ، والّتي كتبها في أبريل من
العام نفسه ، إلى مسؤوليه للموافقة على نشرها ، إلا أنّ طلبه لاقى رفضاً حادّاً .
ألمْ يَصعدِ المسيحُ الصليبَ منْ أجلكُمْ؟
وقدّمَ ،
طوبى، جسدَهُ المقدّسُ للموتِ؟
انظروهُ!
لا يزالُ على
الصليبِ !
هوَذا دمُهُ
المقدس يجري ،
ولكنْ أينَ
اليهوديّ الّذي صلبَ المسيحَ الآنَ،
الّذي قتلَ الحبّ الأبديّ مرّةً أخرى؟
انظروهُ!
جسدُهُ
يتقرّحُ منْ جديدٍ،
و منْ جديدٍ يحتضنُ الأسى عنّا
والآلامَ،
و منْ جديدٍ
تتفجّرُ عيناه بالدمعِ المكلومِ،
و تمتدّ، منْ
جديدٍ، يداهُ الإلهيّتانِ،
وتُلفّ
السماءَ بعاصفةٍ مزلزِلةٍ بالظلماتِ
هذهِ هيَ الآلامُ الكبرى
آلامُ أخوتِنا
المؤمنينَ
وأنينُ
الكنائسِ تحتَ نيرٍظلّامٍ لم يُرَ قبلَ هذا
أمرهم أن
يُسمّوهُ جسدَ الربّ،
ذاتُهُ رأسُ
الإيمانِ الأرثوذكسيّ بأكملِهِ
مقاتلُ
الكفّارِ ضدّ الكنيسةِ،
أيّةُ
فعلةٍ ظلاميّة، خطّاءة وملعونةٍ!
مسيحيٌّ ضدّ المسيحِ من أجل تركِيّ!
مسيحيٌّ -
يدافعُ عن ماغاميت*!
الخزيَ الخزيَ
أيّها المرتدونَ عن الصليبِ!
*إسم منتشر في
شمال القوقاز، والأصل أنّه يعني محمّد.
أمّا قصيدته الثانية " في الأوّل من يوليو 1855" ، والّذي يتزامن مع ميلاد القيصرة ألكساندرا فيودورفنا ، فقد كتبها صيف ذلك العام، وأرسلها لمسؤوليه حتّى وصلت وزير الدفاع طالباً أن "توضع عند قدمي صاحبة الجلالة القيصرة الأرملة "، ويصطدم رجاءُ دستويفسكي مجدداً برفض صارم.
يا إلهي!
فاجعةٌ
أنْ تضيّعَ كلّ جميلٍ ،
أنْ تنظرَ إلى الماضي، كما لوأنّكَ تنظرُ إلى قبرٍ
أنْ تقتلعَ القلبَ ،
بالدمِ المتألمِ ، منِ قلبِهِ
أنْ تُرَبّي
حلمَكَ المحاصرَ بالجدرانِ بالحزنِ الجبّارِ،
وتعدّ عليكَ
أيّامَكَ بالهزالةِ والعبثِ الأعمى .
مثلَ تكّاتِ ساعةِ سجينٍ تكتفي بالتهمّلِ والكآبةِ .
بينما كتب قصيدته الثالثة " وللتتويج وعقد السلام " ،
ربيع 1956،وأرسلها مباشرة إلى مدينة سان بطرسبورغ متوسّلاً أن " يحصل على إذن
القيصر بنشرها في أحد الدوريات الّتي تصدر في العاصمة"، وارتطم أمله بحائط
مسدود مرّة أخرى بعدم السماح بالنشر .
يا ربّ!
باركِ القيصرَ
قيصرَنا
يسعى إلى مأثرةٍ عصيّةٍ
شائكٌ دربُهُ ووعرُ الإنحداراتِ؛
للكدحِ المُضني، والقليلِ مِنَ الهدأةِ،
من أجل تعبٍ مُهلكٍ، وراحةٍ هزيلةٍ،
من أجلِ عملٍ شجاعٍ مقدّسٍ،
مثلَ ذلكَ العملاقِ المُستبدّ،
الّذي أُفْنِيَ في الكدّ الشاقّ والتعبِ المُضني،
يا ابنَ القيصرِ، العظيمَ والمُمجّدَ،
وريثِ المساميرِ على المعصمَينِ!
العواصفُ طهّرتِ الممالكَ
والقلوبُ تقوّتْ بالألمِ الفتّاكِ.
ما أعزّكَ يا مجدَ
الوطنِ الحبيبِ
للروحِ الّتي خلصتْ
إليهِ حتّى قيامتِها.
لاشكّ أنّ
كان ثمّة محاولات سعي يائس منقطع النظير من قبل فيودوردستويفسكي لتوكيد
هويّته الإبداعيّة ، والتمسّك بتكريس ذاته في عالم الأدب ، وثقته العميقة بحفر
اسمه في مجرى العمل الإبداعيّ؛ ولعلّ رسائله المبكّرة لأخيه بعد انقضاء فترة
الأشغال الشاقّة شهدت على شغف استثنائيّ بتجسيد مكانة له في المشهد
الإبداعيّ"لقد تجلّت فيّ احتياجات و أحلام لم تطرق ذهني من قبل . لكنّ هذا
كلّه ألغاز ... قد يسمحون لي بالنشر خلال ست سنوات ، وربّما أقلّ من ذلك . المصير
سوف يتبدّل ، ولن أكتب الهراء ، وسوف تسمع عني " .
ولم ينلْ دستويفسكي
أيّة فرصة ، طيلة عهد القيصر نيقولاي الأوّل، لكي يتمكّن من جلب اهتمام أوساط النخبة المؤثّرة إلى حالته التراجيديّة اليائسة والبائسة في آن ككاتب منفيّ يُراد الحكم عليه بفشل غلّاب .
ولم يهدأ له بالٌ على الرغم من حصوله على
ترقية عسكريّة في 26 أكتوبر عام 1856 ، إثر وصول
قصيدته إلى وزير الحرب ، فقد رأى أنّ نشرها أهمّ من الترقية . لكنّ تقريروزارة
الحرب عام 1865 كان صادماً للغاية :"بعد
موافقة جلالته على ترقية دستويفسكي ، أمر بوضعه تحت الرقابة السريّة حتّى
يتمّ التأكّد من ولائه ، ثمّ بعد ذلك تنشر
أعماله" . لكنّ الإذن بالنشر تأخّر حتّى أبريل عام 1957.
ومن المؤكّد أيضاً أن دستويفسكي، و تحت وطأة
رحى المنفى ، ومنعه من الدخول إلى عالم الأدب،
كتب قصائده هذه بين عامي
1954و1956، مستخدماً فيها العبارات والتصوّرات
الحكوميّة الرسميّة السائدة إبان حرب القرم ، وبعض العبارات الشائعة في
الشعر الوطنيّ، لكنّ حالة التمزّق الداخليّ ، والرعب من عدم إيلاء قصائده الإهتمام
المستحّقّ جعل حياته أشد إيلاماً.
ويمكن التكهّن أنّ دستويفسكي
، وإدراكاً منه بوظيفة الشعر الخاصّة بالقيام بمهمة إيصال رسالته للسلطة
القائمة بزمن أقلّ، طالما أنّ القصّة أو
الرواية لن تمارس فعاليّة الدور نفسه ،أنجز هذه القصائد ،وهو على دراية كاملة
بأنّها لن تشكل بادرة جماليّة قادرة على اجتراح مآثر إبداعية تترك أثرها في مجرى
الشعر الروسي العظيم ، وهو ما يبرّر عدم اكتراثه بنشرها في حياته بكتاب
شعريّ،وانكبابه على النثر ليصبح أحد أعلامه في العالم كلّه.
هبةُ الربّ
الملاكُ الصغيرُ الّذي
أرسلَ اللهُ،
عشيّةَ عيدِ الميلادِ،
إلى الأرضِ،
قائلاً ، بالإبتسامةِ الوهّاجةِ :
"بينما تعبرُ غابةَ التنّوب ،
اقتطعْ شجرةً،
واهدِها للطفلِ
أطيبِ ما على هذهِ الأرضِ،
اللطيفِ ،
الرقيقِ،
تَذْكِرَةً بي
".
ومسّ الخَجلُ
الملاكَ الصغيرَ، قالَ:
"لمنْ
أهبُ العطيّةَ ؟
كيفَ لي أنْ
أعرفَ أيّ الأطفالِ
سوفَ يفوزُ
بنعمةِ الله".
" سترى
بنفسك" قالِ الربّ.
وجرى الضيفُ
السماويُّ
واستوى
الهلالُ ،
وأشرقَ الدربُ
القويمُ ،
وجاءَ إلى
المدينةِ الكبيرةِ يسعى
بالخُطبِ
الكرنفاليّةِ:
السعادةُ
في كلّ أرضٍ
تنتظرُ
الأطفالَ.
ومذْ
ألقى الشجرةَ، شجرةَ عيدِ الميلادِ، على
كتفيهِ،
فرحاً
مضى
الملاكُ
الصغيرُ .
-أ نظروا من
النوافذِ بأنفسِكمْ
هوذا ، هناكَ
احتفالٌ عظيمٌ ،
حيثُ تشتعلُ الشجرةُ ، شجرةُ الميلادِ ، بالضوءِ،
كما يحدثُ في
عيدِ الميلادِ
الملاكُ ، يسارعُ من بيت إلى بيت،
ليوقِنَ ، منِ
الجديرُ كي يُوهبَ شجرةَ الربّ ،
ورأى فيما
رأى:
أطفالٌ
جميلونَ
مطيعونَ
كثيرونَ .
رأى أطفالًا كثيرين
كلّهمْ
ما أنْ طلعتْ
عليهمْ شجرةُ الربّ،
حتّى نَسَوا كلّ شيء
ومنهمْ مَنْ صاحَ:
"أنا الّذي أستحقّ الشجرةَ "،
وألقى أحدٌ
ما عليهِ لوماً :
"لستَ أهلاً بأنْ تكون مثلي"
وآخرُ :
" أنا أطهرُكُمْ قلباً وفماً"
-" بلْ أنا الّذي
يستحقّ"
-"أنا الأجدرُ عمّن سوايَ".
بالسكينةِ ذاتِها أنصتَ الملاكُ،
وبالحزنِ ذاتِهِ رمى عليهمْ نظراتٍ مُجلجلةٍ
كلّ يُعلي بذاتِهِ عمنْ سواهُ،
بالحسدِ المحمومِ ،
والخوفِ الفتّاكِ ذاتِهِ.
الملاكُ
أغلقَ البابَ وراءهُ
بالرأسِ المنكّسِ.
" يا إلهي !
علّمني إسمَ من يستحقّ ما وهبتَ".
وفي الشارعِ ،
رأى الملاكُ
الطفلَ الصغيرَ
واقفاً ينعمُ
بالنظرَةِ المطمئنّةِ لشجرةِ عيدِ الميلادِ
المهداةِ من
الربّ،
عيناهُ أشبه
بساقيتينِ من الفرحِ البكرِ
"شجرةُ
عيدِ الميلادِ!"
"شجرةُ
عيدِ الميلادِ!"
"شجرةُ
عيدِ الميلادِ!"
وباليدينِ
الناحلتينِ صفّقَ.
"بي أسفٌ
أنّني لا أستحقّها .
هي ليستْ لي .
لكنْ خذها لأختي على فراشِ المرضِ الأعمى.
اجعلْ قلبَها
يسعدُ بالشجرةِ اليومَ .
إنّها تستحقّ
شجرةَ عيدِ الميلادِ هذي .
لا تدعْها
تبكي سُدًى أرجوك!".
وبالابتسامةِ
المُوحَاةِ ،
حملَ الملاكُ
إلى الطفلةِ شجرةَ عيدِ الميلادِ.
وبمعجزةٍ ما،
هبطتْ نجومٌ من أقاصي السماء،
وتلألأتْ كالزمرّدِ،
واعتصمتْ بأغصانِ شجرةِ عيدِ الميلادِ.
الشجرةُ
تأتلقُ الآنَ،
كما لو أنّها انكشفتْ عن رمزٍ سماويّ.
و بالفرحةِ القصوى،
يرتعشُ الصغيرُ المأخوذُ بالغبطةِ،
ولمّا أدركَ مثلَ هذا الحبّ الآسرِ حتّى الدموعِ،
أتى إلى
اللهِ بِبُشرى تَسُرُّ
هِبَةً لا
مثيلَ لها.
شخصيّةٌ لامعةٌ
تحدّرَ مِنْ
نسَبٍ وضيعٍ،
ونما بين العامّةِ،
لكنّه ، مأخوذاً
بنقمةِ القيصرِ،
وحسدِ الإقطاعيّينَ
الفتّاكِ،
ألقى على روحِهِ
العذاباتِ،
بالإعداماتِ والتعذيبِ
والتنكيلِ،
وقامَ يُبشر الناسَ
بالأخوّةِ
والمساواةِ والحريّةِ.
وفي بدءِ ثورةٍ،
فرّ إلى بلادٍ
أخرى
مِنْ زنزانةِ
القيصرِ،
مِنَ السُوطِ
والكمّاشةِ والمطرقةِ،
فيما الشعبُ هاءَ
للقيامةِ
من تحتِ وطأةِ قدرٍ مكفهرّ،
مِنْ سمولينسكَ
إلى طشقندَ
انتظرَ الطالبَ
بِشقّ الأنفسِ.
كانَ يترقّبُهُ
بكلّ شيءٍ،
كي يمضي بلا
رحمةٍ
ويمحو آثارَ
الإقطاعيّين ،
ويتركَ
الممالكَ متخمةً بالخرابِ ؛
فيجعلَ المُلْكَ مَشَاعاً /
والخيانةَ ، إلى
أبدٍ ، لانتقامِ الكنائسِ
والزوجاتِ والعائلاتِ –
ذاكَ سوءُ العالمِ القديمِ !.
لا تَصِرْ
لصًا يا فيدول!
لا تَصِرْ لصًّا
يا فيدول!
لا تصرخْ بملءِ
حُلقومِكَ
اِعْبِسْ
قليلاً على الأقلّ
لستَ سكرانَ،
و أنتً لا
تشربُ الفودكا.
لا تزعقْ ثانيةً ، يا ليليوك*.
كوني فتاةً طيّبةً
،
كوني صديقتَنا
كلّنا،
لا كلبةَ
سوءٍ.
ولا تغضبي
أنتِ أيضاً ، يا أمّي.
*اسم عائلة .
الدخانُ والكومةُ
في حقلٍ ما ، حقلِ رجلٍ ما،
تمدّدتْ كومةٌ منَ الأرضِ.
ومِنْ معملٍ ما ، معملِ تاجرٍ ما،
حلّق دخانٌ في الأعالي
ومِنْ علٍ ، بالكِبرِ الأعمى
تبخترَ الدخانُ أمامَ الكومةِ الوادعةِ
زلزلها منه هذا الحقدُ
قالَ لها:
"ألا تخجلينَ من خدمةِ فلّاحٍ بسيطٍ في هذا الحقلِ؟
انْظُري كيفَ أرمحُ نحو السماءِ
وأكسبُ حريّتي كلّ حينٍ".
وقالتْ لهُ:
"أيّها الأبلهُ!
يا لتعاسةِ
أقداركَ !
تَصَعّدُ في
الهواءِ،
وتختفي في
ومضةٍ،
أمّا أنا ،
فأبقى هنا لقرونَ طوالٍ.
لم يكنْ مقدّراً
عليكَ أنْ تهدي الناس ثماراً
لستَ مقدرًا أنْ تثمرَ للبشرِ،
فيما ينبتُ الحَبّ في الحقلِ هذا
لكنّني أزرعُ الدخانَ في هذا الحقل.
لنْ أعيرَ، منذُ
اليومَ، سخرياتِكَ بالاً
وبروحٍ طاهرةٍ
طيّبةٍ
أفخرُ أن أنحني تواضعاً للعشبِ .
عاش صرصورٌ على هذهِ الأرضِ:
كانَ يا ما كانَ،
عاشَ صرصورٌ على هذهِ الأرضِ،
صرصورٌ من طفولتهِ،
سقطَ في كأسٍ،
متخمٍ بِبقايا الذبابِ.
" يا إلهي، ما هذا ؟"
صرختْ فارفارا بتروفنا.
هكذا إذاً ،
حالَ حلّ الصيفُ
حثّ القبطانُ الوقتَ أنْ يُسرِعَ،
ملوّحاً ، بما يُرعبُ ، بكفّيهِ
بما ينفذُ من الصبرِ،
وما يؤرّقُ
تقطعُ ،بطنينها المُضجرِ ، الكاتبَ عن
قراءتهِ.
"عندما يزحفُ الذبابُ إلى الكأسِ،
تعلو بقاياهُ - بقايا الذبابِ.
أيّ أحمقٍ على هذه الأرضِ يفهمُ هذا،
لا تقاطعْ ..وسوفَ ترى ".
(وظلّ يلوّح بيديهِ)
فيما أخذَ الصرصورُ مكاناً له.
تذمّرَ الذبابُ.
"كأسُنا متخمةٌ تماماً ".
وكأنّ صرخاتُهمْ علتْ أسماعَ كوكبِ المشتري
و فيما كانتْ تطيرُ
الهتافاتُ
أتى رجلٌ ،أخذَ
الدهرُ منهُ، نبيلٌ.
لمْ أنتهِ بعدُ منْ
كلّ شيءٍ هنا
رغماً عن أيّ شيءٍ -
هي الكلماتُ.
ثرثرَ القبطانُ.
.
قنبلةُ الحبّ المشتعلةُ
قنبلةُ الحبّ الوهّاجةُ
ذاتُها
تفجّرتْ في صدرِ إغنات
ومنْ جديدٍ
بالمراراتِ كلّها
بالألمِ المحمومِ
ما يزالُ يبكي
على امتدادِ سيفاستوبول،
بلا ذراعين.
كسرتْ ساقَها: في حالِ
لوَأنّها كسَرتْ ساقَهَا
جميلةُ الجميلاتِ
كسرتْ عضواً لها
فَصُيّرتْ مثيرةً مرّتّينِ
وعاشقُها أُغْرِمَ مرّتَينِ
وتكاثرَ عشّاقُها.
الثمنُ الأغلى على الأطفالِ !
الثمنُ الأغلى على الأطفالِ.
الثمنُ الأغلى على الأطفالِ،
الأطفال هُمُ الأغلى ، آنّاريغوريفنا،
نعم،
ليليا والوَلَدانِ -
هذه مشكلتُنَا!
مقولةٌ قصيرةٌ عن كولونيلٍ بافاريّ
أطيرُ، أطيرُ إلى عودَتي ،
أريدُ أن أقَعَ الآنَ ورائي ،
لا شيءَ في عالمِنا على حالِهِ؛
الآنَ كِشْ ملِكْ
وغداً كِشْ ملِكْ.
ونجمٌ يرفرفُ على جَوادٍ:
في حلقةِ رقصِ الجميلاتِ
الأمازونيّاتِ الأخرياتِ؛
يبتسمُ لي من فوقِ جوادِهِ
طفلٌ أر..ست ..قراطي.
وصفٌ كاملٌ للكهّانِ فقط
وإنّي أرى
وصفٌ كاملٌ للكهّانِ فقط
مضجِرٌ
وغيرُ عصريّ.
والآنَ
أنتَ
تكتبُ بأسلوبٍ رثّ.
ليسكوف !
إياكَ والفشل.
انهيارُ شركةِ بايماكوف
انهيارُ شركةِ بايماكوف،
بايماكوف ولوري،
كلاهُما ،
نضجا بكلّ التناغُمِ،
إفلاسَانِ ، وسوفَ يكونُ هناكَ ثلاثةٌ
سيكون هناكَ ثلاثةٌ، وخمسةٌ، وثمانيةٌ،
ستكونُ هناكَ انهياراتٌ كثيرةٌ
في الصيفِ وعلى عتباتِ الخريفِ،
وفي ثلاثِ مقالاتٍ
كتبَ الناقدُ ستراخوف بالفعلِ
عن الروحانيّةِ،
اثنانِ منها لا لزومَ لهما،
عنْ هراءٍ عام،
وعن عملةِ العشرةِ كوبيكاتِ الزائدةِ.
إلى كمال العذراء توشينا*
سيّدتي العزيزةُ،
إليزافيتا نيكولايفنا!
يا لروعتِها،
إليزافيتا توشينا،
حينَ تطيرُ مع قريبٍ لها على سَرْجٍ نسائيّ
وتداعبُ خصلاتِ شعرِها الرياحُ ،
أو عندما تسجدُ مع أمّها في الكنيسةِ،
وتتجلّى الحُمرةُ طازجةً على وجهيهِما
ويظهر احمرارُ خدّيهما الوجيهَينِ.
إذاً، أتمنى لها التمتّعَ بزواجٍ شرعيّ؛
وأرسلُ لها ، مع أمّها،هذه الدمعةَ.
* إليزافيتا
نيكولايفنا توشينا- سيّدة عصرها جمالاً وثرى ، اشتهرت كونها من أوائل النساء آنذاك ركوباً الخيل .
كلّي بدموعٍ ساخطَةٍ:
كلّي بدموعٍ ساخطَةٍ
لطمتُهُ على خِلقَتِهِ
وبِكُلّ السُوءِ
مرّةً أخرى ، يا إلهي ، يشبهُ ذلكَ .
كتبتُ لزوجتي عن ِ الصابونِ ،
لكنّها نسيتْ
ولمْ تشترِ صابونةً ،
أيّ نوعٍ مِنَ الزوجاتِ زوجتي!
هلْ هيَ لصّةً ، زوجتي ؟
كلّها بدموعٍ ساخطَةٍ
تتقنّعُ خِلقَةُ زوجتي بِحُمرةِ الخجلِ المُريبِ.
زوجتي صاحبةُ الوقاحةِ ذاتِها
يستوي مزاجٌها الحادّ على زجاجةٍ.
طلبتُ من زوجتي صابونةً ،
لكنّها نسيتْ
ولمْ تَشْتَرِ صابونةً ،
أيّ نوعٍ مِنَ الزوجاتِ زوجتي!
هلْ هيَ لصّةٌ ، زوجتي ؟
مُتْخَمانِ بالفقرِ ، أنا وزوجتي ، منذُ عامَينِ
وحدَهُ ضميرُنا المرتاحُ
وننتظرُ من كاتكوف مالَنَا
أجرَ كتابةِ قصّةٍ طويلةٍ بائسةٍ
هلْ لديكَ ضميرٌ، يا أخي؟
أنتَ في الفجرِ، شرعتَ بقصّةٍ
طويلةٍ
وأخذتَ أجراً مِنْ كاتكوف،
ووعدتَ أيضاً بمقالٍ.
أنتَ
آخرُ مالٍ لديكَ
أهدرتَهُ على عجلةِ الروليتَ.
ايها الأحمقُ!
أدركتَ أنّكَ لا تملكُ أيّ شيءٍ.
أبراكادابرا*
مفتاحُ الحبّ
ابنتُها
البريئةُ
التعويذةُ، العريسُ. الإنحناءةُ لكِ يا أبراكادابرا،
جئتُ ، من حيثُ جئتُ، كي أقدّمَ مفتاحَ الحبّ
بقلبٍ مكينٍ ؛
سوفَ أغوصُ في هذه الدوّامَةِ ،
والنارُ تغلي في دمي.
هيَ. ربّما لنْ تطلبَ مَهرًا،
حينَ تغلي النارُ في دمي.
وإلّا، سوفَ يلبسُهُ الشياطينُ بالمجّانِ،
بمرأى الحبّ المُتّقدِ.
هو. أنا برتبةِ مستشارٍ ،
حزتُها للتوّ، والآنَ سأتزوّجُ.
هي. مثلُكَ مَنْ أحبُّ، أيّها الرشيقُ.
هو. رشيقٌ حقّاً ، لكنّني أرتجّ في الخوفِ.
إحدى العذاراواتِ . إلامَ كلّ هذا
الرعبُ
في شؤونِ الحبّ،
عندما تغلي النارُ في دمي؟
هو. أيّتها العذراءُ !
هذا الخوفُ، ليسَ من عبثٍ.
العذراءُ. مرعبٌ معنى الشكّ فيكَ
هو. وإنّي مُنِحْتُ شؤونَ العذراواتِ
،
هذا الشأنُ فاحشٌ.
أبراكادابرا. لا تُجيبي إذا كانَ الأمرُ كذلكَ
أنتَ لستَ أحمقَ تمامًا ؟
هو. هذي مجاملةٌ تُغري،
أنا الّذي عُرِفتُ بفيضِ ذكائي.
إحدى العذراواتِ. لماذا جاءَ هذا الحمارُ إلينا؟
هو.(بحذاقةٍ):أحمقَ
للزواج ما أتيتُ
فلنعُدْ لجوهرِ
المسألةِ:
منِ البريئةُ منهنّ،
أيّهُنّ مفتاحُ
الحبّ ؟
لا تتمهّلي القولَ،
لا تشقّي نَفسي
هي. أنتَ ، يا ولدي،
غبيّ مثل الأوزّةِ
كلاهُما بريئتانِ،
أقسمُ على هذا .
هو. و مَنْ يصدّقُ الأيمانَ في أيّامِنا هذه؟
أيّة أمّ لا تنافقُ؟
أشارت إحدى الفتياتِ ، بسخطٍ، على أبراكادابرا:
هذه أمّ
غيرُمنافقةٍ!
هو.( متفكّهاً): أليسَ لأنّها ابنتُكِ؟
إلى متى تبقى معنا ؟
هي. اقسمُ ثانيةً
أنّكَ أبلهُ أيضاً.
هو. أبلهُ ، لكنّ لا
أنجرّ بالخدائعِ.
إحدى الفتياتِ. يكفى! امضِ أيّها الوغدُ!
أنتَ وحشٌ، حمارٌ، بائعُ المسيحِ.
بحذاقتِهِ ، كانَ يقدرُ أن يبيعَ ،
الحمارُ لمْ يكنْ لييبعَ المسيحَ.
الفتاةُ. أغربْ عنْ
هذا المكانِ!
هو. يكفى يا صبيّةُ، الصداقةُ صداقةٌ
أما أنا فسوفَ أمضي
إلى الخدمةِ.
حانَ وقتُ ذهابي إلى
عملي!
*كلمة
ٌسحريّةٌ.
بشأنِ أحداثِ
أوروبا عام ١٨٥٤
ممّ اندلعتْ هذه التراجيديا الكونيّةُ ؟
مَنْ صاحبُ
الإثمِ، منْ أشعلها؟
شعبٌ متخمٌ بالحذاقةِ أنتمْ ،
وتُقرّ لكمْ
بهذا أممُ الأرضِ،
ولكن تفشّى
عنكمُ الرديءُ منَ القولِ !
أجدى لكمْ أن
تعيشوا بكلّ سلامٍ بينكمْ
أنْ تعقِلوا شؤونَ
البيتِ، بيتِكمُ ، الداخليّةَ !
لا شيء كي
نتقاسمَهُ معكمْ
و تحتَ السماءِ
مُتّسعّ للجميعِ.
وما دامَ أنّا
سنذكرُ كلّ شيءٍ
أيّ سخفٍ أنْ
تُرهبوا روسيا بالفرنسيّين؟
روسيا الّتي
ابتُليتْ بما لا يطاقُ
سَحَقها التتارُ
تحتَ أكعابِهمْ،
فانتهى أمرُهمْ تحتَ قدمَيها.
مذْ ذاكَ مضتْ
بعيداً
لا يستوي أن يُسَوّى
أحدٌ بها .
لا يمكنها حتّى
أن تضاهي مكانتَكُمْ؛
عَلَتْ كلّ
شيء ،
لنْ تبلغوا
درجاتِ الأبطالِ؛
حاولوا رميَ نظرةِ سوءٍ على جهاتِنا
إنْ لمْ تكنْ
بكمْ شفقةٌ على رؤوسكُمْ .
روسيا الّتي
ذرفتْ حروباً فتّاكةً
كلّ قطرةٍ من دمٍ تألمُ لها
تذبلُ في حروبِ الدمِ الواحدِ .
لكنّ روسيا صاحبةً القداسةِ تبقى حيّةً .
يا ذوي الألبابِ ،
منْ كتابُهُ في يدِهِ !
العالمونَ
حتّى في البلاءِ الأخيرِ
لدينا ما نقومُ بهِ
كي ننهضَ من تحتِ الركامِ .
ما انقضى ما يزالُ في انتظارِ ردّكمْ
ولمُ يعد حلفَكمْ علينا يمسّنا بمحضِ خوفٍ .
المخلّصُونَ
نحنُ في سنةِ التوجّسِ.
ولسوفَ يخلّصُنا الصليبُ
يخلّصُنا المقدّسُ فينا
يخلّصنا الإيمان
والعرشُ .
في أرواحِنا الرؤى الّتي ثبتتْ
كالنصرِ المبينِ
والحريّةِ المُشتهاةِ.
لنْ نضيّعَ جنّة الإيمانِ فينا
(كما فعلتْ شعوبٌ في الغرب)
الإيمانُ الّذي أحيانا من الموتى
وبهِ يحيا السلافيّ.
نحنُ الّذين نؤمنُ
اللهُ ،فوقنا، الحاكمُ القديرُ
روسيا حيّةٌ لا تموتُ !.
وكتبتَ أنّكَ
أشعلتَ شِجارًا روسيًا،
وأنّنا نسلكُ
ما لا يليقُ بنا،
و لا نُقدّرُ الشرفَ الفرنسيّ،
وأنكَ تخجلُ
منْ علَمِ حلفِكُمْ،
وأنّكَ آسفٌ
بما لا تحتملُ على ميناءِ القرنِ الذهبيّ،
وأننا نتوقُ
إلى الغزو، وما إلى ذلك...
وأتاكَ الردّ
الصارمُ
مثلَ صراخِ أطفالِ
المدارسِ، مُتذمّرينَ
إنْ لمْ تجدِ الأمرَ
على هواكَ،
فلا تلُمْ سواكَ.
ليسَ علينا
أنْ ننكّسَ القبّعاتِ أمامَكَ!
ليسَ منْ حقّكَ أنْ تمسّ مصيرَ روسيا!
أقدارُها
مبهمةٌ عليكَ
وحدهٌ الشرقُ
- مصيرُها!
الملايينُ ،الأجيالُ
لا تكلّ من مدّ أيديها إليها.
وحدَها تفرشُ حُكمَها على أعماقِ آسيا،
تهبُ
الكائناتِ الحياةَ
وبعثَ الشرقِ
العتيقِ (بما شاء الله) آتٍ بروسيا .
وهاهمُ الروسُ
منْ جديدٍ
الولاءُ
للقيصرِ
الفجرُ الوهّاجُ
القادم!
لا الأفيونُ
الذي أفسدَ جيلاً،
ونسمّيه البربريّ بلا زينةٍ،
سوف يقودُ
شعوبكمْ إلى بابِ القيامةِ ،
ويرفعُ المهانينَ
إليكمْ درجاتٍ
إنّه الأفيونُ،
بالعنفِ الأرعنِ،
(مبشرٌ بأخوّةِ
المسيحِ الرؤومِ)
يُنشر المرضَ الفتّاكَ بينَ الحمقى،
في عطشٍ لئيمٍ
للثروةِ.
ألمْ يَصعدِ المسيحُ الصليبَ منْ أجلكُمْ؟
وقدّمَ ،
طوبى، جسدَهُ المقدّسُ للموتِ؟
انظروهُ!
لا يزالُ على
الصليبِ !
هوَذا دمُهُ
المقدّسُ يجري ،
ولكنْ أينَ
اليهوديّ الّذي صلبَ المسيحَ الآنَ،
الّذي قتلَ الحبّ الأبديّ مرّةً أخرى؟
انظروهُ!
جسدُهُ
يتقرّحُ منْ جديدٍ،
و منْ جديدٍ يحتضنُ الأسى عنّا والآلامَ،
و منْ جديدٍ تتفجّرُ
عيناه بالدمعِ المكلومِ،
و تمتدّ، منْ
جديدٍ، يداهُ الإلهيّتانِ،
وتُلفّ السماءَ
بعاصفةٍ مزلزِلةٍ بالظلماتِ
هذهِ هيَ الآلامُ الكبرى.
آلامُ أخوتِنا
المؤمنينَ
وأنينُ
الكنائسِ تحتَ نيرٍظلّامٍ لم يُرَ قبلَ هذا
أمرهُمْ أن
يُسمّوهُ جسدَ الربّ،
ذاتُهُ رأسُ
الإيمانِ الأرثوذكسيّ بأكملِهِ،
مقاتلُ الكفّارِ
ضدّ الكنيسةِ،
أيّةُ فعلةٍ ظلاميّة، خطّاءة وملعونةٍ!
المسيحيُّ ضدّ المسيحِ من أجل التركِ،
المسيحيٌّ -
يدافعُ عن ماغامّيت*!
الخزيَ الخزيَ
أيّها المرتدّونَ عن الصليبِ،
يا مُطفئي
النورَ الإلهيّ!
لكنّ الربّ
معنا!
مُقدّسةٌ أعمالُنا،
ومَنْ لا يُسَرّ
إذْ يُقدّمُ روحَهُ من أجل المسيحِ؟
سيفُ جدعونَ
لنُصرةِ المظلومينَ،
و في إسرائيلَ
قاضٍ قديرٍ.
هذا هو القيصرُ،
معكَ ، العليّ ،المحفوظ
المعمّدُ ،
طوبى ، بيمناكَ.
حيثُ إثنانِ ،
حيثُ ثلاثةٌ، هاءوا للربّ
يكونُ الربّ
،بينهم، كما عَقَدَ الوعدَ نفسُهُ
نحنُ الملايينُ في انتظارِ كلمةِ القيصرِ،
الآنَ ،
الساعةُ
ساعتُكَ الآنَ
، حانتْ أخيراً ، أيّها الربّ
يُنفَخُ في البوق، ويصفّرُ النسرُ ذو الرأسينِ،
ويُسرع نحوَ القسطنطينيّة.
*ماغامّيت إسم
منتشر في شمال القوقاز، خاصة في داغستان ،والأصل محمّد.
في الأّوّلِ من يوليو عام ١٨٥٥
في الأوّلِ من يوليو عام ١٨٥٥،عندما كتبَ الشعبُ الروسيّ عهدَ التضحياتِ
المجيدةِ عام 1812، والأمّهاتُ وَهَبْنَ أبناءهنّ للقيصرِ، بعدَ أن باركنَ مضيّهمْ
لواقعةٍ لا محالةَ مع العدوّ،
وغرقتِ الأرضُ بدمائِهمُ المقدّسةِ؛
واشتعلتْ روسيا
بالبطولاتِ والحبّ
آنذاكَ دوّى ، فجأةً، أنينُكِ الهادئُ والمَأتَمِيّ،
مثلَ نصلِ سيفٍ ،
شقّ أرواحَنا،
وكأنّما تمطّتِ الساعةُ تلكَ بالفجائعِ كلّها على الشعبِ الروسيّ.
وارتجفَ العملاقُ، وللمرّةِ الأولى ، ارتجّ
كما يخبو نجمُ الصبحِ ، مساءً، في البحرِ الأزرقِ.
زوجُكِ العظيمُ ارتحلَ اليومَ عن عالمنا .
لكنْ ، لروسيا المؤمنةِ
في ساعةِ الضيقِ والحزنِ
أبرقَ شعاعٌ جديدٌ منَ الأملِ الذهبيّ.
انتهى الأمرُ، لم يعدْ بيننا.
ننحني ، مُبجِّلينَ ، في حضرتِهِ.
لا أتجرّأ على ذِكْرِ اسمِهِ بشفتيّ الآثمَتينِ.
تدلّ عليهِ أوصافُهُ الماجدةُ، انتهى الأمرُ
واشتعلتْ روسيا بالنحيبِ كعائلةٍ
تيتّمتْ للتوّ
بالهولِ الشديدِ ،
والرعبِ الأرعنِ،
والجليدِ القتّالِ ؛
لكنّكِ أنتِ،
أنتِ وحدكِ،
أكثرَمَنِ ابتُليتِ بالخساراتِ .
وسأظلّ أذكرُ
، في الساعةِ المُجلجلةِ
الفتّاكةِ،
حينَ وقعَ الخبرُ المروّعُ
تجلّى وجهُكِ الرؤومُ المحزونُ في مُخيّلتي
مثلَ طقسٍ
جنائزيّ
مرآةٍ
للوداعةِ،
والطاعةِ المقدّسةِ.
و إنّي رأيتُ ملاكًا مبتلّاً بالدمعِ أمامي
تاقتْ إليهِ الروحُ بالدعواتِ الطيّباتِ،
تاقَ قلبي للحديثِ معهُ،
وأنا أسجدُ في الترابِ،
أيّتها الأرملةُ،
أمامَكِ،
أتوسلُ بالدمعِ المكلومِ منكِ مغفرةً .
اغفري لي ،
اغفري ،
اغفري لي رغباتي؛
اغفري أنّي تجرأتُ على الكلامِ معكِ الآنَ.
اغفري لي أنّي تورّطتُ في اقتفاءِ حلمٍ مجنونٍ ،
أن أعزّي حزنَكِ، وأُسندَ آهاتِكِ،
اغفري جُرأتي ،
أنا المنبوذ البائسُ،
أنْ علوتُ بصوتي فوقَ هذا القبرِ المقدّسِ.
يا إلهي!
الحسيبُ من الأزلِ الماضي إلى الأبدِ الآتي
أرسلتَ لي ، مِنْ
عُلاكَ ، حكمَكَ
في ساعةِ شكٍّ ،
بالقلبِ أيقنتُ أنّ الدموعَ تُطهّرُنا،
وأنّني الروسيّ،
الإنسانُ مِنْ جديدٍ.
وسوّلتُ لنفسي أنِ
انتظرِ الوقتَ
لنْ أتعجّلَ جعلكِ
تذكرينَ الآنَ ،
ما يزالُ شيءٌ ما
يتألّمُ في صدرِها ،
والجرحُ ينزّ عليها
.
أيّها المجنونُ !
لا أطيقُ في حياتيَ
الخساراتُ؟
أيّ حدّ لهذي
العذاباتِ؟
يا إلهي!
فاجعةٌ أنْ تضيّعَ كلّ جميلٍ ،
أنْ تنظرَ إلى الماضي، كما لوأنكَ تنظرُ إلى قبرٍ
أنْ تقتلعَ القلبَ ،
بالدمِ المتألمِ ، منِ قلبِهِ
أنْ تُرَبّي
حلمَكَ المحاصرَ بالجدرانِ بالحزنِ
الجبّارِ،
وتعدّ عليكَ
أيّامَكَ بالهزالةِ والعبثِ الأعمى .
مثلَ تكّاتِ ساعةِ سجينٍ تكتفي بالتهمّلِ والكآبةِ .
أوه ، لا! أؤمنُ أنّ
مصيرَكَ غيرُ هذا.
المصائرُ الكبرى
تعدّها العنايةُ الإلهيّةُ،
هلْ لي أنْ أكشفَ
عنكَ حجابكَ،
وأخبركَ بأيّ مجرى
تسيرُ؟!
تذكّرْ كيفَ كانتْ
حياتُكَ حينَ كانَ،
ولعلّهُ لم يكنْ
دونكِ كما كانَ.
عاش َ تحتَ ظلّكِ ،
وكنتِ ملاكاً معهُ
منَ الربّ،
متوهّجةً حياتُهُ
كانتْ بالضوءِ منكِ
أضاءتْ حياتُهُ كلّها بإشعاعِكِ،
بشعاعِ الحبّ الإلهيّ المذهّبِ توحّدتِ بهِ في قلبِكِ
القلبِ الصدوقِ!
ومنْ كانَ مثلَكِ يعرفُهُ، أنتِ زوجتُهُ؟
هلْ لأحدٍ مثلكِ أنْ
يرى ما في صدرِهِ؟
مِنْ أحبّهُ مثلكِ ،
مَنْ أدركهُ مثلكِ؟
كيفَ لكِ الآنَ أنْ
تغفلي عن آلامِكِ؟
كلّ شيءِ حولَكِ
يدلّ عليهِ
الأماكنُ كلّها،
وأينما ولّيتِ وجهكِ
إنّهُ ذاكَ في كلّ
أرضٍ
وفي كلّ حينٍ؟
هلْ يُصدَّقُ؟
لمْ يعدْ بيننا؟
كانَ ذلكَ حلماً؟
يا إلهي!
محالٌ هذا النسيانُ !
لا عزاءَ في هذا النسيانِ!
وفي عذاباتِ التذكّرِ تنمو السكينةُ.
يا إلهي!
مِا الّذي
يستحقّ ألا أسكبُ قلبي لأجلِهِ،
وأجعلهُ يقولُ الّذي لا يقالُ
بالكلامِ الدافئِ!
أليسَ هو الّذي، كالشمسِ، أنارَنا
ودل! أعيننا على مآثرِهِ الوهّاجةِ؟
بِمَن آمن المُنشقّ* والأعمى؟
مَنْ خرّتْ أخيراً أمامَهُ روحُ
السوءِ،
والظلمةُ ،
والملاكُ المهيبُ قائماً بسيفٍ مِنَ النارِ،
هوذاكَ
مِنْ هدانا سبُلَنا الأولى فيما سوفَ يأتي؛
لكنّ العدوّ
، عدوّنا المكّارَ،
افترى علينا الكذبَ الأعمى
لكنّ عدوَّنا المُهدّدَ فهمَ الأمرَ فهمًا مبهمًا
يكفى!
سيحكم الله بيننا وبينهمْ.
أيّها المتألّمُ !
قمْ وتقوَّ
عِشْ لنسعدَ وأبناؤنا العظماءُ معنا
وأقِمْ صلاتَكَ ،مثلَ ملاكً، من
أجلِ روسيا المقدّسةِ.
أنظروهُ
كلّهُ في بنيهِ الجميلين،
الأشدّاءِ.
روحُهُ في أفئدتهمْ ،
تلكِ القصيّةِ والشفيفةِ.
عشْ أيضاً ،
عشْ طويلاً،
آيَةً لنا.
وأنتِ
بالوداعةِ والرضا
حملتِ الصليبَ
صليبَكِ .
فلتعشْ روحُكِ
العظيمةُ
وقلبكِ المأخوذُ
بالوطنِ المقدّسِ
في المآثرِ المجيدة
الآتيةِ ،
عذراً
ثانيةً أعتذرُ الآنَ
أنّي تجرأتُ على قولِ هذا،
أنّي تمنّيتُ ذاكَ،
وصلّيتُ من أجلكِ؛
لا بدّ سوفَ يحفرُ التاريخُ بالضوءِ ظلّكِ العالي النظيفِ،
ويظلّ يروي ما صنعتْ يدُكِ المقدَسةُ؛
ولسوفَ يذكرُ كلّ شيءٍ.
وللتتويجِ ، وعَقْدِ السلامِ
وللتتويجِ ، وعقْدِ السلامِ
خبتِ الحربُ الفتّاكةُ!
انتهى الصراعُ
المروّعُ
وعلى حمأةِ الخطرِ
القتّالِ المتغطرسِ،
في محرابِ الأحاسيسِ القصوى،
مُهانةً
نهضتْ روسيا ترتجّ مِنْ غضبٍ،
لمعركةٍ مع عدوّ مأخوذٍ باليأسِ ،
جنتْ ثمارَ بذرِها الدمويّ
بالسيفِ الغلّابِ.
مرويّةً
بالدمِ المقدّسِ
حقولُها
في حروبٍ وهّاجةٍ بالشرفِ العليّ،
السلامُ مع أوروبا،
غنيمةُ الحربِ،
على موعدٍ معهُ الأرضُ الروسيّةُ.
عهدٌ جديدٌ
فجرُ الآمالِ العذب
يشرقُ برّاقاً في أعينِنا.
يا ربّ!
باركِ القيصرَ
قيصرَنا
يسعى إلى مأثرةٍ عصيّةٍ
شائكٌ دربُهُ ووعرُ
الإنحداراتِ؛
للكدحِ المُضني،
والقليلِ مِنَ الهدأةِ،
من أجل تعبٍ مُهلكٍ،
وراحةٍ هزيلةٍ،
من أجلِ عملٍ شجاعٍ مقدّسٍ،
مثلَ ذلكَ العملاقِ المُستبدّ،
الّذي أُفْنِيَ في الكدّ الشاقّ والتعبِ المُضني،
يا ابنَ القيصرِ،
العظيمَ والمُمجّدَ،
وريثَ المساميرِ على المعصمَينِ!
العواصفُ طهّرتِ الممالكَ،
والقلوبُ تقوّتْ بالألمِ الفتّاكِ.
ما أعزّكَ يا مجدَ
الوطنِ الحبيبِ
للروحِ الّتي خَلُصَتْ
إليهِ حتّى قيامتِها.
بالحبّ يقتفي الروسُ
جميعاً خطى القيصرِ،
باليقينِ الخالصِ؛
ومِنَ الترابِ المرويّ بالدمِ
يجني المحصولَ الذهبيّ.
ومَنْ تخيّرَ
الطريقَ المعبّدَ بالباطلِ
في هذهِ الساعةِ الجليلةِ،
كعبدٍ بليدٍ ومخادعٍ،
سوفَ يخرجُ،
غافلاً عن المقدّسِ؛
فيما سوفَ يمضي قيصرُنا كي يلبسَ
التاجَ.
قائمونّ بالصلواتِ الطاهراتِ،
ترفعُ الملايينُ حناجرَها بالدعاء:
باركِ القيصرَ،
يا ربّ!
يا مَنْ، بِطَرْفِ مشيئتِكِ الوهاّبةِ،
تكتبُ الموتَ
أو تحيي الحياةَ،
احفظِ القيصرَ
، حتّى في السهوبِ الجرداءِ،
وأطرافِ العُشبِ
الطريّ
أنفخْ بهِ
الروحَ
معافاةً بالبأسِ والرؤى،
اِجعلْ ما تُسوّي يداهُ جميلاً،
وباركْ دربَهُ المقدّسَ
إليكَ، يا نبعَ الغفرانِ،
يا ذا الجلالةِ
الرؤوفُ!
تتجلّى في الأقاصي الصلواتُ الروسيّةُ
اِحفظِ الحبّ في أرضِنا.
إليكَ، يا مَنْ تُحِبّ بلا مِنّةٍ
حتّى مُعذّبيكَ،
يا مَنْ سكبتَ أشعّةَ النورِ للمجذّفينَ العُميانَ،
إليكَ، أيّها القيصرُ،
قيصرَنا المتوّجَ بإكليلٍ منَ الشوكِ،
يا مَنْ غفرتَ لقاتليكَ
وعلى الصليبِ، بكلماتِكَ الأخيرةِ
باركتَ، ، أحببتَ ، وغَفرْتَ!
بحياتِهِ
الّتي أعطى ودمِهِ الشريفَ
نالَ قيصرُنا
الرضا الّذي يستحقّ؛
فامتلئي بالنورِ والحبّ الدافقِ
يا روسيا، الخالضةُ له!
لا تُعاقبْنا بالعمى،
هبْ لنا بصيرةً تُبصرُ و تُوقنُ،
وبإيمانٍ نقيّ ، حيّ
لا يموتُ
تقبّلْ مَنِ
اختارتْهُ السماواتِ.
احْمِنا مِنَ الكربِ والشكّ ،
وأنِرْ القلوبَ
الّتي عُميتْ.
وفي يومِ التجلّي العظيمِ،
أنِرْ لنا دربَنا
الآتي .
