تمثالٌ مهزوم / سمير درويش

  

تمثالٌ مهزوم

 سمير درويش

 

تمثالٌ مهزوم  - سمير درويش - بيت النص


دائمًا أنظرُ باندهاشٍ للعالمِ من حولي

كأنني أرى الكائناتِ للمرةِ الأولى

وأسمعُ ما لم أسمعْهُ من قبل

أو كأنني لوحةٌ جداريةٌ لرجلٍ مهزومٍ

نسيَ التشكيليُّ أن يتممَهَا

 

دائمًا أمشِي في الشارعِ ذاتِهِ كلَّ يومٍ

كأنني أدوسُ على آثارِ حذائي

وتلفتُني المشاهدُ ذاتُهَا

بعدَ شارعيْن سأنحرفُ يمينًا

وأتفادَى سيارةً باركةً جنبَ حديقةٍ صغيرةٍ

وأعرفُ أن المسافةَ ستهُونُ حينَ أصلُ للجسرِ المعلَّقِ

الفارقُ، أن قدميَّ تنهزِمَانِ مبكرًا

كلّ يومٍ جديدْ!

 

تلاميذُ المدارسِ سيقابلونني في الموقعِ ذاتِهِ

يفرغُونَ طاقاتِهِمْ في المشاكساتِ

كأنهم لم يفعلُوا ذلكَ قبلاً

لكنهم لا يندهشُونَ

حين أمرُّ حاملاً حاسبًا لوحيًّا

هم -ببساطةٍ- لا يسجلُونَ ملامحِي

لأنها ذاهبةْ!

 

صرتُ أحتمي من الأمطارِ بمظلةٍ

ولا أعدُّ الخطوطَ البيضاءَ في منتصفِ الإسفلتِ

ولا أقيسُ المسافةَ بأغنياتِ أم كلثوم

لكنني أتركُ شعري مهوَّشًا وطويلاً

وأتركُ ذاكرتي

وبناتِ أفكاري

وأتابعُ المظلاتِ التي تتحركُ حولي

بدهشةٍ غامرةْ.

 

لا أستطيعُ الفكاكَ من أسرِ البيوتِ الواطئةِ

والشوارعِ المستقيمةِ كأصابعِ اللهِ

والحدائقِ المنمقةِ

والبهجاتِ التي تتقافزُ على الوجوهِ

والأمطارِ التي تغسلُ الإسفلتَ في آيار

لكنَّ لكنةَ امرأةٍ سوريةٍ

سليمةِ الجسمِ

تأخذني من نفسي تمامًا!

 

أصبحت الثالثةُ فجرًا

لكنني غيرُ قادرٍ على الاستسلامِ للنومِ

ولا أريدُ مزيدًا من الشاي كذلكَ

أنا فقطْ

أتصرفُ كأنني تمثالٌ قديمٌ في ميدانٍ مهجورٍ

أو وجهٌ زيتيٌّ في لوحةٍ ناقصةٍ

أو نغمةٌ شذَّتْ عن لحنٍ عبقريٍّ

لمؤلفٍ مجهولْ!

13/ 5/ 2016.


تعليقات