كلود مكاي بين جذور الكاريبي وصخب هارلم / سارة حامد حواس

 كلود مكاي بين جذور الكاريبي وصخب هارلم*

سارة حامد حواس


كلود مكاي  - سارة حامد حواس - بيت النص


شاعرٌ شاءت له الأقدار أن ينقسم دائمًا إلى نصفين:
جزءٌ أصيلٌ فيه، وهو الأصل في تكوينه الاجتماعي والثقافي والسياسي والجغرافي،
وجزءٌ آخر يُعد مزيجًا بين الأصل وبين ما تعلَّمه واكتسبه واهتم به وأثَّر فيه.
رغم أن هذا جعله يشعر دائمًا بالتيه وفقدان الهويَّة، فإنه صنع منه شاعرًا مختلفًا ومجدِّدًا، متعدِّد الروافد. فاطلاعه على الشعر الإنجليزي الكلاسيكي أدَّى إلى تأثُّره الشديد به، حتى إنه تمسَّك بالشكل الشعري الإنجليزي الكلاسيكي ''السوناتا'' (Sonnet)، على عكس مجايليه من الشاعرات والشعراء في ذلك الوقت، الذين كانوا يكتبون شعرًا حرًّا، وكان هذا هو السائد في تلك الحقبة الزمنية.
ورغم هذا، كان يتناول في قصائده موضوعات مختلفة تخص مشكلات مجتمعه الأسود الذي كان يعيش فيه، فكتب عن الهويَّة العرقيَّة، والعدالة الاجتماعية، وتجربة السُّود في الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الكاريبي، خصوصًا جامايكا التي وُلد ونشأ فيها.
لكنه لم يقتصر فقط على تلك الموضوعات، بل تناول موضوعات الحُب، بطريقة الشعر الإنجليزي الرومانسيَّة الحالمة والحسِّيَّة على حدٍّ سواء، وأبدع في هذا النوع من القصائد، حتى إنه ذكَّرني بشعراء إنجليز درستهم في المرحلة الجامعية مثل:
وليام شكسبير (William Shakespeare)،
وتوماس كامبيون (Thomas Campion 1567–1620)،
وجون دون (John Donne 1572–1631)،
وأندرو مارڤيل (Andrew Marvell 1621–1678)، وغيرهم.
بهذا الشكل، استطاع الشاعر الفطن أن يجمع بين الكلاسيكية في الشكل والمضمون تارةً، وبين الحداثة في المضمون تارةً أخرى. فقد كان منشغلًا ومهمومًا بقضايا مجتمعه الأسود، وظهر ذلك جليًّا في رواياته والكثير من قصائده.
نتج عن هذا المزيج فنٌّ شعريٌّ إبداعيٌّ اتَّسم بالتنوع والاختلاف، كما أن اختلافه في نتاجه الشعري لم يكن نتاج ذلك فقط، بل نتاج تمرُّد روح الشاعر؛ فكان صاحب روح وثَّابة، متمردة على القوالب والأشياء العادية المعتادة، يبحث دومًا عن كل ما هو مختلف، بعيدًا عن كل ما هو مألوف في ذلك الوقت، فتميز في الشعر وكذلك في الرواية.
إنه الشاعر الأفرو-أمريكي كلود مكاي، الذي وُلِد في زمنٍ كان فيه العديد من الشعراء يستخدمون أسلوب الشعر الحر الجديد والمبتكر. لم يستهوِ هذا الأسلوب مكاي، فظل ملتزمًا بالأشكال التقليدية للشعر، فكانت السوناتا التي استخدمها على النقيض التام من أسلوب الشعراء الآخرين في ذلك الوقت.
في مقاله ''ظلال هارلم لكلود مكاي''، يوضح الأكاديمي الأمريكي بجامعة تكساس تيرنس هواجوود أن مكاي أحب الشكل التقليدي للسوناتا لأنه شعر أنها أفضل وسيلة للتعبير عن مشاعره. فبدلًا من رؤية قواعد السوناتا كشيءٍ يقيِّده، رأى فيها وسيلة لتحرير شعره.
كانت أفضل طريقة لمكاي لتأكيد المشاعر القوية التي كان يشعر بها حول تجاربه الحياتية هي وضع تلك القصائد في قالب يمكن من خلاله توجيه التركيز؛ فجعلت موسيقية السوناتا قصائده تغنِّي بالمعنى. كما أُقيمت علاقة قوية بين أعمال مكاي وأعمال شكسبير، وهي مقارنة دقيقة، حيث إن مكاي قرأ أعمال شكسبير وتأثر بها بشدة منذ صغره.
في الفترة الأخيرة من حياة مكاي، احتفظ بشكل السوناتا في قصائده، لكنها لم تتبع تقاليدها بشكل صارم؛ فقام بتكييف القوافي وتغيير الإيقاع لتحسين التركيز على القصص التي يرويها.
تعكس أعمال مكاي في الغالب المناخ السياسي والاجتماعي في عصره، حيث تعاملت مع قضايا الاستعمار، والإمبريالية، والنضال من أجل المساواة، فكانت كتاباته بمنزلة صوت المهمَّشين ودعوة للتحرُّك ضد القمع.
في الأعوام الأخيرة من حياته، تدهورت صحة مكاي بشكل مطرد، وأُصيب بالاستسقاء، وكان في حالة فقر مدقع، مما دفعه إلى الإقامة في مأوى بدار الصداقة الكاثوليكية. وبدعوة من الأسقف ''برنارد شيل''، انتقل إلى شيكاغو عام 1944، حيث انضم إلى الكنيسة الكاثوليكية بعد عام.
في الكاثوليكية، وجد مكاي ملاذًا جسديًّا وروحيًّا ولاهوتيًّا عالميًّا، اعتقد أنه قادر على مواجهة قوى الشيوعية والفاشية.
قرب نهاية حياته، أكمل مذكراته عن طفولته، وهي سيرته الذاتية الثانية ''تلال جامايكا الخضراء'' (My Green Hills of Jamaica)، والتي لم تُنشر إلا عام 1981، أي بعد وفاته.
في رسالة إلى ''ماكس إيستمان'' حول الكتاب، قال مكاي:
'' لا أريد أن أتحول إلى شخص ساخط على الإنسانية، حتى بعد العيش في هذا البلد الرهيب، الولايات المتحدة الأمريكية. ما زلت أحب التفكير في الناس كما كنت أفعل عندما كنت صبيًّا في جامايكا''.
توفي مكاي عام 1948 عن عمرٍ ناهز التاسعة والخمسين، إثر أزمة قلبية فاجأته في شيكاغو. ونُشرت مجموعة من قصائده بعنوان ''قصائد مختارة'' (Selected Poems) بعد وفاته عام 1979.
لخَّص مكاي رسالة حياته في كتابه ''طريق طويل من المنزل'' (1937) بقوله:
''ليس لدي شيء أقدمه سوى غنائي. طوال حياتي كنت شاعرًا جوّالًا، أُغذِّي نفسي من خلال شعر الوجود، وكل ما أقدمه هنا هو الشعر المقطَّر من تجربتي''.

 
رومانسية

أضمُّكِ الآن،
أشعر برأسكِ بالقرب مني،
معطَّرًا دافئًا فوق صدري النابض.
أهمس باسمكِ برقةٍ وارتجاف،
وأرتشف الشغف المتَّقد في جسدكِ.
أتمدَّد بجانبكِ مرتبكًا،
خدِّي ملتصقٌ بخدِّكِ،
أداعب شفتيكِ بالقبلات حتى تهمسي
بكلمات حبٍّ مجنونة،
حالمة، عذبة، بلا معنى،
رقيقة كأنغام الطيور العاشقة.
أسمعكِ تسألينني:
هل سأعشقكِ دائمًا؟
وأجيبكِ:
حتى نهاية الوجود.
أشعر بتنهُّدكِ المفعم بالراحة والسعادة
حين أهمس على شفتيكِ المرتجفتين: نعم.
إنه لأمرٌ شديد العذوبة،
ونعلم أنه ليس حقيقيًّا،
ولكن ما أهمية ذلك؟
فلا بدَّ لليل أن يسكب نَداه.
نعلم أنه ليس حقيقيًّا، لكنه عذب،
وبهذه الموسيقى تكتمل القصيدة.


 
زهرة الحب

عطر جسدكِ يُذهل حواسي،
لا أريد نبيذًا ولا تبغًا،
أنفاسكِ وحدها تكفيني.
في هذه اللحظة المفعمة النادرة،
أتعبَّد عند نهديكِ.
تفتَّحت الزهرة،
بتلاتكِ الوردية تُغوي فمي العاشق،
والقلب الأصفر يشعُّ الآن بالندى،
ناعم العطر،
يفوح برائحة جنوبيٍّ حبيب.
يا زهرة الحب، أهب لكِ نفسي.
عاريةً على سريركِ المزخرف بالأخضر،
دعينا نبقى هنا متوحِّدين إلى الأبد.
مداخل معبدكِ غير مرئية،
تتلقَّى قرباني مانحةً إيَّاي.
آه، بحبِّنا،
تغدو الليلة حانيةً غامرة.
الهواء عذب يا زهرتي،
والناي الساحر
تُهدِّد موسيقاه عقولنا المتوهِّجة إلى النوم،
بينما نستلقي عاشقين متَّقدين صامتين.

* نقلًا عن مجلة إبداع المصرية.
تعليقات