الشِّعرُ ومأزقُ الجَمالِ الطَّبيعيِّ
فتحي عبد السميع
الشاعرُ كائنٌ جماليٌّ، والجمالُ ينقسمُ ـ كما نعرفُ ـ إلى قسمين، جمالٌ طبيعيٌّ موجودٌ في الطَّبيعةِ دونَ تدخُّلِ الإنسانِ، وجمالٌ إنسانيٌّ يخلقهُ الفنّانُون. ورغم أنَّ الشِّعرَ يندرجُ تحتَ رايةِ الجمالِ الفنيِّ، إلا أنَّ الواقعَ يكشفُ وجودَ قسمين من الشُّعراءِ، قسمٌ ينطلقُ من الجمالِ الطبيعيِّ، ويدور في فلكه، وقسمٌ ينطلقُ من الجمالِ الفنيِّ ويدور في فلكه، الأمرُ الذي يخلقُ تباينًا بينَ القسمين من حيثُ الإنتاجِ الشِّعريِّ، أحدُهما يكتبُ قصائدَ ميتةً فنيا، والآخر يكتبُ قصائدَ حيةً وتناسبُ اللحظةَ التي نعيشُ فيها.
من أبرزِ العلاماتِ الدالةِ على القسمين هي الصورُ الداعمةُ التي نراها على أغلفة بعض الكتب الشعرية، ونراها بكثرةٍ منذُ ظهرت وسائلُ التواصلِ الحديثةِ و النشرُ الإليكترونيُّ، حيثُ هرعَ الشُّعراءُ إلى هذه الوسائلِ وقاموا بنشرِ نصوصِهم الشِّعريةِ من خلالها.
ما يعنينا الآن هو استخدامُ الشُّعراءِ للصورِ الداعمةِ لنصوصِهم، وهنا ينقسمُ الشُّعراءُ إلى قسمين، قسمٌ يضعُ صورةَ امرأةٍ جميلةٍ أسفلَ قصائدِهم، أو صورةَ مشهدٍ طبيعيٍّ جميلٍ، وقسمٌ يضعُ لوحةً فنيةً مبهرةً قامَ بخلقها فنّانٌ رائعٌ، وتكونُ هذه الصورةُ هي البؤرةُ الأولى التي تجتمعُ فيها نظراتُ القراء.
الشُّعراءُ الذين يضعون صورةَ امرأةٍ جميلةٍ غالبًا ما تكونُ قصائدُهم عن المرأةِ، أو عن عشقِها، والهيامِ بها، ومن ثمَّ تتناغمُ الصورةُ مع القصيدةِ بدرجةٍ ما، وتتحولُ الصورةُ إلى داعمٍ للقصيدةِ يشيرُ بوضوحٍ إلى الجمالِ الطبيعيِّ الساحرِ الذي يفتنُ الشاعرَ، أو يسعى الشاعرُ من خلالهِ إلى استقطابِ الناسِ لصوتِه الشِّعريِّ، لأنَّ الجمالَ الطبيعيَّ يجذبُ الناسَ مهما كانتْ درجةُ ثقافتهم أو رقيهم الحضاري.
أما الشُّعراءُ الذين يضعون لوحةً تشكيليةً غامضةً في الغالب، فيتخلونَ عن هذا الدعمِ لأنَّ الجمالَ الفنيَّ غيرَ المعتادِ لا يجذبُ كلَّ الناسِ، بل يجذبُ فئةً مثقَّفةً بشكلٍ متميِّزٍ عن عامةِ الناسِ من حيثُ درجةِ الشغفِ بالأعمالِ الفنيةِ والوعيِ بمسيرتها وأساليبها وشفراتها، والشاعرُ هنا يحْرِمُ نفسهُ من دعمِ القصيدةِ لنصوصِه، لأنَّ اللوحاتِ الفنيةَ سابقةٌ لتجربتِهِ الشِّعريةِ، وهو لم يكتبْ اعتمادًا على اللوحةِ، وإنْ كان هناك شعراءُ كتبوا قصائدَ في لوحاتٍ تشكيليةٍ، لكنَّ اللوحةَ الفنية المصاحبةَ لا تخلو من الفائدةِ، لأنها تثيرُ خيالَ المتلقّي وتهيئهُ لدخولِ القصيدةِ بشكلٍ غيرِ مباشر.
الصورُ المصاحبةُ للقصائدِ الشِّعريةِ علامةٌ كاشفةٌ للعقليةِ التي يعتمدُ عليها الشاعرُ، وهي تشي بتوجّهِهِ الفنيِّ، وطبيعةِ المنطقةِ التي ينطلقُ منها، وتكشفُ الشُّعراءَ الذين ينطلقون من الجمالِ الطبيعيِّ ويتجهون غالبًا باتجاهِ المحاكاةِ، والشُّعراءَ الذين ينطلقون من الجمالِ الفنيِّ ويتجهون غالبا نحو الخلقِ الجديد.
يجدُ الجمالُ الطبيعيُّ نموذجهُ البارزَ في هيئةِ المرأةِ الحسناءِ، فيدورُ الشاعرُ في فلكِ هذه المرأةِ الجميلةِ ويعتمدُ على المناظرِ الطبيعيةِ، ويكثرُ من المفرداتِ التي تحيلُ عليها مثلَ الطيور والبستانِ والثمارِ والأغصانِ وغيرها، وهذه القصائدُ التي تنطلقُ من الجمالِ الطبيعيِّ وتدورُ في فلكهِ تعاني من الفقرِ الفنيِّ غالبًا، فالجمالُ هنا مجردُ زينةٍ خارجيةٍ يرمم بها الشُّعراءُ أصواتهم، لكنه لا يعبرُ عن رؤيةٍ عميقةٍ وخاصةٍ، وبشكلٍ شخصيٍّ أتجاوزُ القصائدَ التي تصاحبُها صورةُ امرأةٍ جميلةٍ ولا أفكرُ في النظرِ إليها بسببِ خبرتي بهذه النوعيةِ من القصائدِ الفقيرةِ بسببِ فقرِ الجمالِ الطبيعيِّ في القصائد قياسًا بالجمالِ الفنيّ.
في قصائدِ الشُّعراءِ الذين ينطلقون من الجمالِ الفنيِّ تنبعُ القيمةُ لا من المرأةِ الحسناءِ بل من طبيعةِ تناولِها وحركةِ الخطوطِ والظلالِ التي يبدعها الشاعرُ، وقد تكونُ المرأةُ في القصيدةِ رائعةً وهي عجوزٌ شمطاءُ خائرةُ القوى ومهتمةُ الأسنانِ، لأنَّ هذه المرأةَ تكتسبُ روعتَها من أسلوبِ طرحِها وجمالياتهِ، لا من طبيعتِها، ومن هنا تتسعُ المساحةُ الممنوحةُ للشاعرِ حيث يمكنُه أن يعثرَ على الجمالِ في كلِّ امرأةٍ، وفي كلِّ شيءٍ في الحياةِ حتى لو كان قبيحا.
أبناءُ الجمالِ الطبيعيِّ تتسمُ أعمالهم غالبًا بالجمودِ، حيث تمرُّ السنواتُ والعقودُ وهم يكتبون نفسَ التجربةِ تقريبًا، وهذا الثباتُ ناتجٌ من ثباتِ المثالِ وهو المرأةُ الطبيعيةُ، بخلافِ الشُّعراءِ الذين يكتبون من زاويةِ المرأةِ الفنيةِ، لأنَّ المرأةَ الجميلةَ في الطبيعةِ محدودةٌ قياسًا بالمرأةِ الفنيةِ، فالجمالُ الطبيعيُّ كما ذكرنا لا يرتبطُ بكلِّ النساءِ، ولا يشملُ كلَّ أطوارِ الحياةِ، أي أنَّ جمالَ المرأةِ يرتبطُ بزمنِ الصبا والشبابِ والصحةِ، وفي زمنِ الشيخوخةِ أو بعضِ الحالاتِ المرضيةِ تنحدرُ درجةُ الجمالِ الطبيعيِّ وقد تختفي، وهذا لا يحدثُ في الفنِّ، فالمرأةُ الشمطاءُ أو الدميمةُ أو القبيحةُ تصبحُ نموذجًا رائعًا في القصيدةِ، لأنَّ جمالَها لا ينبعُ من ملامحِها بل من أسلوبِ الشاعرِ ومهارتهِ وطريقةِ تناولهِ للمرأة.
وهذا ما يهدرُ طاقةَ شعراءِ الجمالِ الطبيعيِّ، لأنَّ جمالَ المرأةِ هو غايتُهم وهم يطمئنون إلى نجاحِ قصيدتهم طالما تحتوي على صورةِ المرأةِ الجميلةِ، ومن ثمَّ تيبس مهاراتُهم وتنكمش قدرتُهم على التجديد.
شعراءُ الجمالِ الطبيعيِّ ينطلقون ـ غالبًا ـ من العفويةِ بمعناها الساذجِ، أما شعراءُ الجمالِ الفنيِّ فيعتمدون على الثقافةِ، أو الفطرة الواعية، وهم ـ على الأقلِّ ـ يستوعبون تاريخَ الشِّعرِ بمدارسهِ واتجاهاتهِ، ويعرفون كيف بدأَ وإلى أين انتهى، وهم عطشى دائمًا إلى المعرفةِ، ولا يتوقفون أبدًا عن تثقيفِ أنفسهم، ومن ثمَّ تبدأ خطواتُهم من حيث انتهى الآخرونَ، بخلافِ شعراءِ القسمِ الآخر، حيث تبدأ خطواتُهم من حيث بدأ الآخرون وتنتهي غالبًا بعيدًا عن النقطةِ التي وصل إليها الشِّعرُ، أي عند نقطةٍ قديمةٍ فاتها القطار.
الجمالُ الطبيعيُّ يتكررُ بانتظامٍ تقريبًا، فالشمسُ تشرقُ كلَّ صباحٍ، والغروب يأتي كلَّ يومٍ في نفسِ الموعدِ، والربيعُ يأتي في موعدهِ وكذلك الأزهارُ تتفتحُ في موعدِها الثابتِ، ومن هنا تأتي قصائدُ شعراءِ الجمالِ الطبيعيِّ تكرارًا لقصائدَ أخرى، أو تكرارًا لقصائدِهم القديمةِ، وهناك شعراءُ كثيرون تكفي قصيدةٌ واحدةٌ كي تعبّرَ عن منجزِهم، ولأنَّ القصيدةَ عندهم تتكئُ على الجمالِ الطبيعيِّ فهم يمتلئون بطمأنينةٍ كبيرةٍ، ويفرحون بما كتبوا، بخلافِ الشعراءِ الذين ينطلقون من الجمالِ الفنيِّ الذي يعتمدُ على الروحِ الإنسانيةِ المتقلبةِ، حيث نراهم في غايةِ القلقِ، لا طمأنينةَ ولا رضا، ويميلون إلى التجريبِ، والسعي لاكتشافِ مناطقَ شِعريةٍ جديدةٍ.
الجمالُ الطبيعيُّ واضحٌ ويمكن لجميعِ الناسِ إدراكه، ومن ثمَّ يميلُ أبناؤه إلى الجُملِ الواضحةِ، يسعون إلى رضا الجمهورِ العامِّ، ويكرهون الغموضَ كما يكرهون القصيدةَ التي تحتاجُ إلى جهدٍ في التلقي، فكما أنَّ الجمالَ الطبيعيَّ مباشرٌ وواضحٌ يجبُ على قصائدهم أن تكونَ هكذا، بخلافِ أبناءِ الجمالِ الفنيِّ الذين لا يتعاملون مع الطبيعةِ البسيطةِ بل مع الإنسانِ ذلك الكائنَ العجيبَ والمعقدَ والملغزَ والغامضَ رغمَ وضوحهِ الظاهرِ. ومن ثمَّ يخوضون مغامراتهم ـ في الأعماقِ لا السطوحِ ـ بلا مبالاةٍ بالوضوحِ أو الغموضِ، ومنهم من يعتبر الغموضَ في حدِّ ذاته قيمةً جماليةً، ومن ثمَّ نجدُ قصائدَهم وصورَهم تتحدى المنطقَ في كثيرٍ من الأحيانِ، وهم لا ينشدون الجمهورَ العامَّ، بل يعنيهم المتلقي البصيرُ الذي يتجاوبُ مع إبداعهم ويتحول إلى ندٍّ لهم، وقد يعثرُ في نصوصهم على دلالاتٍ ربما لم تخطر على بالهم.
أبناءُ الجمالِ الطبيعيِّ يكتفون بمعجمٍ صغيرٍ، يحتوي على مفرداتِ الجمالِ الطبيعيِّ بشكلٍ أساسيٍّ، وهم يتصورون أنَّ الجمالَ الطبيعيَّ يبقى كما هو عندما يدخلَ القصيدةَ، ومن ثمَّ فالقصيدةُ التي تحتوي على كلماتٍ من قبيلِ الطيورِ والزقزقةِ والزهورِ وغيرها من رموزِ الجمالِ الطبيعيِّ هي بالضرورةِ قصيدةٌ جميلةٌ، وهذا التصورُ خاطئٌ لأنه يضع رموزَ العالمِ الطبيعيِّ في سياقٍ غيرِ طبيعيٍّ، ومن ثمَّ يكتسبُ الرمزُ دلالتَهُ من السياقِ، فقد تتحولُ الوردةُ إلى رمزٍ من رموزِ القبحِ عندما تتواجدُ في سياقٍ معين.
شعراءُ الجمالِ الطبيعيِّ يمتلكون معجمًا صغيرًا، ويمتلكون مجموعةً صغيرةً من الكلماتِ التي تُستخدمُ في قصائدَ مختلفةٍ بنفسِ الدلالاتِ بحيث نقرأ أعمالهم الكاملةَ ـ في النهايةِ ـ ونشعر أننا قرأنا قصيدةً واحدةً.
أما شعراءُ الجمالِ الفنيِّ فيمتلكون معجمًا كبيرًا، لأن جميعَ الكلماتِ عندهم واحدٌ، لا توجد كلماتٌ جميلةٌ أو قبيحةٌ بطبيعتها، كلُّ الكلماتِ كائناتٌ حيةٌ والسياقُ يجعلُ حياتها تزدهرُ أو تتدهورُ، الشاعرُ الحقيقيُّ يعيدُ خلقَ الأشياءِ، فأقبحُ كلمةٍ يستطيع الشاعرُ جعلها وردةً، ونحن نستطيع الحكمَ على الشاعرِ من خلالِ معجمه، لأن كلَّ كلمةٍ تمنحهُ إمكانياتٍ لا توجدُ في كلمةٍ أخرى، وكلما زادت إمكانياتُ الشاعرِ زادت حريّتُه وقدرته على إبداع نصوصٍ جديدةٍ ومختلفةٍ.
ما السببُ إذن في وجودِ قسمينِ مختلفين، قسمٌ يتعبُ وينتجُ قصائدَ ميتةً أو معلولة، وقسمٌ يتعبُ وينتجُ قصائدَ حيةً وساحرةً؟
السببُ في البداية، في اليدِ الأولى التي أشارت على الطريقِ فواصلَ الشابِّ سيره، بعضُ الأيدي تكونُ جديرةً بهذه الإشارةِ، والأخرى غيرُ جديرةٍ تشيرُ إلى الطريقِ الخطأ فيمشي الشابُّ المسكينُ وكلما قطعَ شوطًا زادَ تمسُّكهُ بالطريقِ، وقد يكتشفُ أحدهم حقيقةَ الأمرِ لكنه لا يستطيعُ الاعترافَ بها، لأنَّ حياتَه كانت في المشوارِ الذي قطعه، فيتجاهل الحقيقةَ ويتشبثُ بطريقهِ الذي يعجب الكثيرين.
الحقيقةُ المؤلمةُ هي غيابُ اليدِ الواعيةِ التي تمسكُ بأيدي الشعراءِ في شبابهم أو في بدايةِ علاقتهم بالكتابةِ، ومن ثمَّ تمتلئ الساحةُ بالشعراءِ الذين ينطلقون من الجمالِ الطبيعيِّ، ولا نبالغ إن قلنا إن الصدفةَ وحدها هي التي تقود الشعراءَ الشبانَ إلى الطريقِ الصحيحِ، وهذا سرُّ ندرةِ الشعراءِ الحقيقيينَ قياسًا بالشعراءِ الذين لم ينطلقوا من النقطةِ الصحيحةِ.
هناك أشياءٌ بسيطةٌ جدًا نجهلُها وتؤدي إلى أخطاءَ كبيرةٍ جدًا، وأعظمُ النصائحِ وأجلُّها هي النصائحُ البسيطةُ جدًا، فعندما تذهبُ إلى مكانٍ يقعُ في الشمالِ وتسألُ أحدَ الأشخاصِ، فيشيرُ إلى الطريقِ العكسيِّ، الذي يؤدي إلى الجنوبِ، نسقطُ في خطأٍ عظيمٍ بسبب جهلنا بشيءٍ بسيطٍ للغايةِ، وهكذا نبذلُ مجهودًا عظيمًا كي نصلَ إلى غايتنا لكننا لن نصلَ أبدًا، لأننا نمشي في الطريقِ العكسيِّ تمامًا، وهذا المجهودُ العظيمُ الذي بذلناهُ سوف يحتاجُ إلى مجهودٍ مماثلٍ كي نبدأَ من نقطةِ الصفرِ، هذا إذا انتبهنا للخطأ أو اعترفنا به، وبعضنا للأسفِ لا ينتبهُ أبدًا للخطأِ ويظلُّ يمشي في الطريقِ العكسيِّ وهو يحسبُ أنه يحسنُ صنعا.
هناك عددٌ كبيرٌ من الشعراءِ يسقطون في هذا الخطأِ، يبذلونَ جهودًا كبيرةً لكنها فاشلةٌ، لأنها في الاتجاهِ الخطأِ، وقد حدثت بسببِ جهلهم أو عدمِ انتباههم لأساسياتِ الطريقِ، أو بسبب طموحاتهم قصيرة المدى، واكتفائهم بتحيات الجمهور، حتى لو كان هذا الجمهور لا يحب الشعر، وأهم هذه الأساسياتِ هي التفرقةُ بين الجمالِ الفنيِّ والجمالِ الطبيعيِّ.
