ضوء كالماء
إبراهيم عبد المجيد*
-1-
الولد الطيب الذي
يرى النساء كل يوم
تعلَّق قلبه
بفتاة وحيدة
هي ابنة الضوء التي
وقفت وحدها
على محطة القطار البعيدة
خارجة من كتاب ألف ليلة
كل الذين يمرون
يلقون إليها
بتحية المساء
هو وحده كان يملك تحية الصباح
حمل الهواء ابنة الضوء في غيمته
الولد الطيب
انشقت أمامه
هوة في الزمان
خطفه القطار
إلى الناحية الأخرى
من الأرض
-2-
القطار الذي هو من حديد
ظل يلقي بالمشاعر
في الطريق
هربت اللهفة
ونامت تحت المقاعد
عشرون سنة
واللهفة نائمة
تحت المقاعد
صارت حنينا
مثل غبش المساء
ولما صار الولد الطيب رجلا
كان قلبه قد انفطر كثيرا
حتى قابل ابنة الضوء
امرأة هاربة
من بيت الريح
نظرة واحدة كانت تكفي
للهفة كي تخلع ثوب الظلام
ابنة الضوء الآن
هي سيدة الوقت
تقف متكئة بمرفقها
على سطح القمر
العينان كما هما
كلما
ترقرق فيهما الحزن
رق ظل العشب
الأخضر..
ولا يختفي
والحديث كما هو
يتكاسل فيه حرف الراء
فيميل الكلام
مثل غواية ناعسة
على مخمل
فوق ماء
-3-
كأنه لم تمضِ عشرون سنة
آلهة الأوليمب فوق الجبلين
كيوبيد يمشي مرحا في الوادي
سهامه تضحك في الفضاء
فينوس نزلت،
ووضعت وردة على صدرها
هي،
سيدة الوقت التي
تقود العربة الذهبية
من المعبد الكبير
إلى طيبة
حيث الإله الأكبر
من أصابعها يخرج الضوء
مثل الماء
من شفتيها تطير الزهور
إلى رؤوس الحملان
إن الروح،
تتثاءب في الحملان
إن الحملان المقيدة إلى الأسود
تعود إلى المراعي
أما الأسود المقيدة إلى الأحجار
فلم يكن الطريق
مفتوحا أمامها
للعودة إلى الغابات
كما هو اليوم
حيث تمر العربة الملكية
لسيدتي،
التي عبرت عشرين سنة
بقوة إيزيس
وجمال حتحور
ربة النور والحسن
حبيبة القمر
الذي تتكئ هي عليه
سيدة الوقت
بمرفقها دائما
أنظر إليها الآن أيها الضوء
إن السخاء كله يأتي
من مرآة عينيها
وهي تسأل في صمت
ما الذي جعلك لا تتكلم
منذ عشرين سنة؟
وأنت أيها الماء أنظر
إلى دهشة النار
تطل من المرآة الكريمة
واستمع إليها وهي تسأل
ما الذي جعلك لا تتكلم
لعشرين سنة؟
أما أنت أيها التراب
الذي حملتك الريح إلى المحطة ذات يوم
فاستمع الآن
قبل أن تذروك العاصفة
إلى الولد الطيب وهو يجيب
يا سيدتي خفت
أن أجرح الهواء
الذي يمر
على خديكِ.
* من روايته الأخيرة" سامح الفؤاد" المنشورة عن دار جداول البيروتية.
