الفجر على هيئة رشاش مقاتل
مختارات من الشعر اللبناني
(إعداد محمد ناصر الدين)
هي الحرب-المذبحة: تسقط فيها العظام بين ركام الأبنية، وينهض الشهداء برؤوسهم السرية كما يقول الشاعر، «يعبرون إلى الكتب والأصدقاء»، يطرق الآباء بعيونهم الجبال التي تغفو تحتها القرى الجاهزة للمجازر، والتاريخ أطفالنا المحمولون في النعوش وخلفها دموع الأمهات، وأثقل النعوش أصغرها.
كل الذين رحلوا في تلك الطوابير، من وصلوا ومن ماتوا ولم يصلوا وصاروا ينزّون وينزفون من كل جروحنا، وقد يئسوا من أمة تحترف «طعن الهوى والهواء». لكنها معركة الكرامة الأخيرة، حتى الرشاش الأخير في وادي العصافير، والصاروخ الأخير في كفركلا يمسك بشتلة التبغ ويستنهض الهمّة العاملية، والبناية الأخيرة في الضاحية الجنوبية حيث ربابة الموت تطلق لحنها الأخير. معركة الطفل «أيمن» المذبوح في وادي العزية من أربعين عاماً وجده الحسين المجندل فوق النهر حين يمتزج الماء بالينابيع النازلة من جبل الريحان نحو البحر. نستلهم في «كلمات» ما كتبه الشعراء عن الحرب والجنوب والضاحية والمقاومة، لأننا نصدّق نبوءة الشعراء التي لا تكذب وهي لا محالة قادمة: «غير أنّي/ مثلما أؤمن بالشمس وميلاد النهار/ مثلما استقرىء الآتي بأجفان الصغار/ مثلما تحترف الحزن بلادي/ مثلما يقاتل شعبي الانتظار/ أبصر الفجر على صورة رشاش مقاتلْ»
1. حمزة عبود ـ قصيدة الحرب
سوف تسقط أيضاً
هذه الكِسَرُ العالقةُ بين خيوط العناكب
وهذه الأزرارُ المعدنيةُ عن أثوابِ القتلى.
وسوف تسقطُ هذه العظامُ الواقفةُ بين ركامِ الأبنيه،
كي تلبسَ المدينةُ عريها القديم
وتنزلَ إلى الماء كي تستعيدَ أصدافَها الأولى.
ولكن كيف تفكّرُ مدينةٌ بدونِ رأس؟
ينهضُ الشهداءُ برؤوسهم السرية ويعبرون إلى الكتب
والأصدقاء.
الآباءُ يطرقون ظهورَ التوابيتِ المُحنَّية فوق الأيدي
والأمهاتُ يجمعن قِطعَ الأبناء عن السلالم وقضبان النوافذ
ولكن ثمة رصاص للزينة وأعراس الموتى.
ثمة دموع لغسل الجنازات واحتفال القرى
وسوف تنهض هذه الأخيلة العالقة بين خيوط العناكب
وهذه الأزرار المعدنية عن أثواب القتلى.
(من مجموعة «أبدأ من رقم يمشي» ـــ دار الفارابي ـــ 1978).
2. بول شاوول ـ كل هذه الأيام
كلُّ هذهِ الأيّام
وأنتَ تسمعُ ضرباً في العدم
إيقاعاتٍ في العراء
صريفاً في حوارِ الأوراقِ والمعدن
ترسمُ خطواتٍ إلى خطواتٍ إلى خطوات
تنسى الرحيلَ والرجعة
وحتى النقطةَ الثابتة في عينيك
يا بُعدَ الملامحِ والوجوه
كلُّ هذهِ الأيّام
مقذوف بلا مسافة
عابرٌ إلى بيتٍ مجهول
كلُّ هذهِ الأيّام
وأنتَ تسمعُ أجراساً لا تعرفها
بدونِ ذاكرةٍ أو رقمٍ أو خيال
ولو سكنتكَ الوجوهُ التي لا تُحصى
أو غمرتكَ الظلال
وحاصرتكَ المشاعل
كلُّ هذهِ الأيّام
وأنتَ تطأ من نهرٍ إلى نهر
(ما ثمن الفاجعة في الجسد
(ما ثمن النسيان
(ما ثمن الفرّ بين الحلبات)
كلُّ هذهِ الأيّام
وأنتَ من نسيانٍ إلى وجهٍ إلى نسيان
إلى وجهٍ إلى …
قُل:
«كنتُ أحلمُ أن أكونَ صفصافةً على بابِ الغابة »
قُل:
«كنتُ أحلمُ أن أكونَ الطفلَ الذي غادر
بيتَهُ إلى العاصفة
وعلّمه النفي الوطن — والأرضُ غياب »
قُل:
«أينَ الوردةُ في أنفاسِ الجموع
آلافُ الطيورِ مضرجة — والفضاءُ غياب »
قُل:
«عاصفةُ الأجراسِ الأبديّة
تهزّ الجهاتِ والرؤوس»
لكن
كلُّ هذهِ الأيّام
كان الدمُ أقوى حتى قلتُ مرات:
«تحت كلِّ طعنة ينبوع
ينبوع
تحت كلِّ ضربة صوت
صوت »
وكي أتجاوز الأسلحة التي تحاصر حدودي
سأنمو في مدّ المياه والنار والجذوع
حتى تأخذ الأشياء شكل عناقاتي
حتى تضحّ الأنهار في المخيلات الآلية
لكن
كلُّ هذهِ الأيّام
وأنتَ مزروعٌ وسط المياه كنجمةٍ في الغيوم
تهبُّ الريح فتتحرك كل طواحينك وعجلاتك دفعةً واحدة
(إنها شريعة العناصر)
(إنها شريعة الأنهار)
تهبُّ الريح فتتحرك كل أجسادك دفعةً واحدة
من أقصى أفريقيا إلى أقصى آسيا إلى أقصاك
الأرضُ دفعةً واحدة كجنينٍ تخرج منك
تتخذ في اللحظة البريئة لون الأبد حتى تهتف:
«كل شيء كفَّ عن السقوط»
ألفُ دربٍ اتحدت
فمشيتُ على كل الدروب
والذين رحلوا ولم يصلوا بعد
والذين ماتوا ولم يصلوا بعد
يخرجون من صدري
ويعيشون معي
وينزفون
من
كل
جروحي
(من مجموعة «أيها الطاعن في الموت، في الموت» ـ طبعة خاصة ــ 1974).
3. حبيب صادق ـ كفركلا... ليلة المخاض
حين جاءها المخاض
كان الوقت بين ليلين:
ليل القهر الداخلي،
وليل القتل من الخارج.
وكان «ربّ البيت» ينام ملء جفونه
لا عن ثقةٍ بما هيّأ ودبّر،
أو عن طمأنينةٍ لما ادّخر من علاقات،
إنما عن استغراقٍ في الدعة المتواطئة،
أو عن سقوطٍ في الصمت المتخاذل.
■ ■ ■
حين جاءها المخاض لم تمسك بجذع النخلة،
إذ لا نخل، بعد، في الديار.
لقد استحال النخيل نفطاً
ثم استحال النفط نخاسة.
■ ■ ■
حين جاء المخاض،
لم تمسك بجذع النخلة،
أو تنتظر هبوب النخوة من سعفها،
بل أمسكت بشتلة التبغ
واستنهضت همّة التراب العامليّ
فأدركها المطر،
وكانت على شفا اليباس.
هذه ساعة الثأر من تاريخ الرمل.
لقد بدأ الليلة زمن العشب والعصافير.
■ ■ ■
حين جاءها المخاض
لم تستغث بحمية أحد.
لقد تيبس الدم في عروق القوم،
وها هي منذ حين
تنقلب على شفرة السكين،
ولم ينبض في ذلك الجسم المترهل انتخاء،
عاقر هذا الزمن البدوي
وخادعة هذه البروق جميعاً.
■ ■ ■
حين جاءها المخاض،
في ثنايا تلك الليلة البتول،
ارتعشت أوصال كفرشوبا
وسألت حولا جاراتها:
ما هذا الوقع المنعش؟
لعلها خطوات النهر إلينا!!
فيا بيارق الفرح الهازجة في أطراف هذا الليل
تساقطن على قدمي الفارس الصاعد
من مساكب التبغ
وأناشيد الفلاحين.
لعله النجم القادم من مملكة الفقراء
ألا تنحّ أيها الزمن اللعنة.
وإليك صدورنا والعيون أيتها الضوء الأرجواني.
(من كتاب «جنوباً ترحل الكلمات» ـ دار العالم الجديد ـــ 1981).
4. شوقي بزيع ــ زعموا أنّ صباحاً كان
سأحدثكم عن أيمن،
عن فرح الغابات الفاتنِ
في عينيه،
وعن سحر يديه
إذا فرّت أنهار الأرض
وخبّأها بين أصابعهِ
سأحدثكم عن أيمن،
عن قمرٍ
تشتبك الأشجار على دمه المنسيّ
فيسقط في النسيان،
عن طفلٍ
يركض خلف فراشته
وعن الخنجر
في أقصى الوديان.
■ ■ ■
زعموا أن العزّية ما كانت قريهْ
كانت زهرة دفلى،
تفتح كل صباح نافذة الأزهارِ
وتورق قبل بزوغ الشجر العربي
بشمس واحدة وربيعين،
وتفاتح بالرعد مياه الأرض الجوفيهْ
كانت يافا حين يحاصرها الأعداءُ
ويسرق خضرتها الصيف الآخرُ
تقترض الخضرة من شجر العزّية.
زعموا أن العزّية ما كانت قريهْ
كانت ساحرةً
تخرج من تحت مياه النبع وتفتتح الأنهار.
وكان لها طفلان:
أيمن،
والنار الموصودة في رحم البركان.
زعموا أن صباحاً كان،
زعموا أن تراباً كان،
ورياحاً تزحف خلف الموتى المختنقين
بغير دخان.
■ ■ ■
ذهب الطفل يغني
لدم يتفتح تحت جناح سنونوة في الريح،
ويهدي زنبقتين لأطفال فلسطين،
ولشتلة تبغ
تزهر في جرح جنوبيين.
ويغني:
«الشمس بعيدة
لكني سأغافل قرص الشمس
وأقطفه
والبحر بعيد
لكن أبي سيطارد موج البحر،
وأمي ستطرّز لي ثوبين وتُلبسني
حين يجيء العيد ».
غنّى أيمن
للسرو الشاهق فوق الماء،
وغنّى لعصافير الماء،
صلّى كي يكبر
كي يبصر أقصى الأشجار
وأقصى الأنهار،
وغنّى للعشب النائم في الأمطار.
في الأفق عصافير معاديةٌ
في الأفق طيور سود
في الأفق دم ورعود
الشمس تعود.
سقطت بالقرب صنوبرةٌ
سقطت دمعة حزن فوق الخد،
سقطت شمس كانت تركض
خلف صباح الغد.
أيمن،
لا تركض، أركض،
لا تركض، أركض.
امتشَق الطفل فراشته البيضاء
وصوّب نحو الطائرة الأولى…
فأصيب
صوّب نحو الشمس فلم تسقط،
صوّب نحو البحر فلم يسقط،
صوّب نحو الأرض…
فمات.
بكت الشجرات،
بكت السروة في السرّ،
بكى النرجس في الساحات.
قرع النهر الأجراس المنسية في الأحلام،
ارتدت الأرض قبور الشهداء
وجاءت…
كي تشهد أيمن وهو ينام،
ومشى النهر إليه،
مشى البحر إليه،
مشى الوطن العربي إليه.
مشينا نحو خطاه،
كان يفرّ جنوباً،
يحمل جثته ويهاجر.
نحو حدود
تركض خلف حدود
تركض خلف حدود
وسيعبر ورداً ودماً وسدودْ.
زعموا أن صباحاً كان،
زعموا أن تراباً كان،
ودماً طفلاً سال على الصخر
لتشربه الوديان.
وسيطلع ذات صباح
كي يهدينا خرزًا
وشقائق نعمان.
(من مجموعة «الرحيل الى شمس يثرب»ـ دار الآداب ـ 1981).
5. محمد علي شمس الدين ـ على «جبل الشيخ»
هنا
على «جبل الشيخ» مُلقى
وأكتب ما كان يُملى عليَّ من الكلمات
صبَّ لي صاحبي كأسهُ
ثم قال: انتظرني
قلت: ها إنني ماثلٌ
ألسنا معاً أصدقاء؟
لم أكن موقنًا
أنه لم يخنّي.
حين أبصرتُ كأسي
وقد طفحت بالدماء
قلت: يا صاحبي وأخي
أيها الطين
يا قاتلي
كيف تبكي عليَّ
وقد خنتني مرتين؟
كما لو طعنتَ الهوى والهواء…
(من مجموعة «كرسي على الزبد » ـ دار الآداب ــ 2018)
رسالة إلى ابن أخي العصفور
للريح الآن على الشجر
نكهة طير عابر…
……
هل رحلت جنوباً
يا ابن أخي العصفور؟
……
الطير
أم الطيّارة؟
……
كنتُ على ما أذكر طفلاً
حين انقضَّ الباشق
من غامضٍ علمَ الله عليك
من الجهة السوداء
….
كانت قريتنا
وهي تهيّء قشًّا
وغصوناً
وأماكن تؤوينا.
تسقينا الوحل من البَرَك الخضراء…
كنّا منتظرين على مفترق
من أرضٍ بيضاء
رجلاً يأتي
وينادينا
….
كانت تجتاح منافينا
من جهة القبلة ريح صرصر
من جهة الغرب غمام أغبر
من جهة الشرق مآذن من دمع ودماء
وشمالاً ريح هوجاء
ورصاص
ر… ص… ا… ص
هل تسمعني
يا ابن أخي العصفور؟
هل تعلم أن أباك
تجندل في الوادي
وترنَّح
ثم هوى؟
أن أباك
«حسين بن المنصور»
تمرَّغ في دمه
ورآك
تحاول أن تشرب
من كفّيه الماء
فتَعثرُ
ثم
تقوم
وتعثر
وهو ينادي:
من يسقي العطشى
قطرة ماء؟
من يسقينا؟
وله منا الكوثر
من يسقينا
من…
…
لكن
لم يسجد أحد
في تلك اللحظة
أو ينحر…
آنئذ
يا ابن أخي العصفور
آنئذٍ
في تلك اللحظة
بين الصيحة والديجور
أغمدت جمالك في دمهم
ونثرت لحمك
مثل الوشم
على الطرقات.
(من مجموعة «الغيوم التي في الضواحي » ــ دار النهضة العربية ــ 2006).
6. محمد العبدالله ـ لغة
ما الذي يجعلُ من صورةِ المجزرة
تُحفةً
ومن لوعةِ العاشقين
أغنيةً؟
سوى شبهة الوعد
بأنَّ الفضيحةَ لم تنفضح كلَّها بعد.
أيُّها الأبيضُ النرجسيُّ المشعشع
فوق صراخِ القتيل
حصاناً يطاطئُ منكسرًا
قبل أن يجمح مندلعًا في الصهيل.
أيُّها الأبيضُ المتوهِّجُ في زرقةِ الماس
هل لاقتطافك بالعين ثم باليد
من لغة أو سبيل؟
ضجر
هذه الحرب لن تنتهي
وأنا أتبع خطَّ الضحايا
خيطًا من الدم، نهرًا من الدمِ
يمتد منذ الوف السنين
إلى الآن
يمتد من الآن إلى أبد الآبدين
هذه الحرب لن تنتهي
وأنا ضجرٌ من وقوفي المديد مع الخاسرين
ألا فندقٌ خارج الحرب
على البحر
ثم على غفلةٍ ما
تجيئين؟
(من مجموعة «حال الحور » ــ دار الحرف العربي ــ 2005)
7. حسين نصر الله ـ صورة الضاحية
البسطاءُ الذين ماتوا
والأطفالُ الذين لجأوا إلى الشقق
العالية
هيّاجُ الناس تحت حملة القنص
الهموم وحشرجة الأبديّة
اللهبُ الملائكي وتشنّج النساء
والجثثُ التي ترقص لتدوس الحياة
الصراخ ومزامير الشظايا
حيث ربابة الموت تطلق لحنها الأخير
الأثر الغائر لابن آدم
والأغطية الثقيلة التي تدوس البطون
الأحجار والناس وصدى
الصراخ المتأخر
الشيطانُ الذي ينطفئُ أمام العجائز
كلُّ هذا بدا كروحٍ تضحك
فالضاحيةُ كالأعشاب
لا عقلَ لها.
■ ■ ■
كصوتٍ يخرج من الجحيم
نسمع الضاحية
كمائدةٍ فخمة
أُعدّت لمدعوين من عالمٍ آخر
مائدةٌ يرقص فوقها الدمار
كحيوانٍ مجنون…
مائدةٌ من حديدٍ ولحم
حياةٌ مسحورة
أو رميةُ نرد.
■ ■ ■
دائماً تشحب الفواجع
أمام هذا الإنسان المرهف من ذكرياته
بينما الكائنات أبداً إلى مخادعها
هذه الروعة المثقلة
بنصيحة الموت
تبتسم للنزوات…
هنا كلُّ شيءٍ يعوم
ليغمر رؤوس الغرقى
هنا كلُّ شيءٍ يعوم
كجثةٍ مشوهة في غرفةٍ عالية.
■ ■ ■
من يعرف المنازل المأهولة
وآيات البؤس؟
من يعرف هذه العظام العارية
هذه الأثريات
التي تختلط بأدوات الحياة
من يعرف النظرات الباردة
وذلك الأنين البركاني
الذي يلمع كجرس
من يعرف الصندل الصغير
آه..
صندلٌ صغيرٌ بلا طفلٍ
هذه هدايا الحياة.
■ ■ ■
النوافذ تصرخ كآخر كومةٍ من الأمجاد
النوافذ التي نسميها الأيام
نقترب منها لنطلّ على قبورنا
النوافذ التي تنام في أحلامنا
تشبه هاوية الحرية
النوافذ أيام لا نهاية لها.
■ ■ ■
قدرٌ محتوم هو الموت
لكننا تعوّدنا أن ننام
تعودنا أن نحيا في الحلم
النوم حياتنا الوحيدة التي نستطيع
اقصد الموت…
■ ■ ■
لم يكن هناك شيءٌ
لم يكن سوى مكانٍ لسرير
ومرآةٍ لوجه
لم يكن هناك سوى عبارةٍ واحدة:
إلى السماء أو إلى الجحيم.
■ ■ ■
في الروح حوافر الشيطان
وهذا الدم لله
وأنا لا أرثي الأرض
لأنني أضعف منها
لست سوى إنسان
وهذا يكفي.
■ ■ ■
الضاحية…
جواد يجدف في خيط ماء
جواد يصوم ويسجد
صحوٌ يلبسه جسد
غناءُ تراب
بكاءُ كلام
وقبر
الضاحية…
دمعة الله وضحكة الوطن.
أيّتها الرؤيا
يا جزر الجنون
الآن أعرف كم ودّعت أطفالي
وكم هندست زاويةً لحبك
أيّتها الضاحية الطفل
مرّت سنوات ولم تسقط يدَاي
مرّت سنوات ولم يصدأ رغيف
مرَّ الأفول عن جبينك
مرّت ينابيع العظام
مرّت سحابات الكلام
رفع الجنود كأس موتك
فانتفضت مثل جرح
وانتشرت في الفصول
وفي القصائد.
أيّتها الرؤيا
يا جزر الجنون
أيّتها الضاحية الطفل
الآن أسمع خطوك
وأعدّ ما تكسر فوق قلبك
من سنابل
الآن أراك
كم مرضتِ وكم غضبتِ
وأرى الرماد فوق جسدك
النبوي.
لا قلب للحرب
ولا صدى لغير الدوي
لا صوت لي
وحنجرتي حجر
أسدّ الثقوب بالكلمات
أسدّ القبور بحبر السنوات
وأفرغ جرسي الخشبي
لا صوت لغير الدوي
لا صوت لغير الدوي.
(من مجموعة «أصداف البر »ــ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـــ 1987).
8. الياس لحود ـ صفارة إنذار
البنايات الطرشاء
تبدأ من العشب والخمسة صبيان ورجُل
والمرأتين
عشرة طوابق فوق زغبر الواحة
سبعة طوابق فوق الصبيان
صفارة إنذار تضع شمسية أضلاع
صياد وابنتان.
خمسة بيوت لحف منشورة
طائرتان
قبّعتا «سْكوف» كلمح البصر
قصة سيارة هامدة
هكذا
مايّو أزرق ورقع غيم
هواء أزرق
روب مدينة حامل
طَلق كاذب
حبال الغسيل ملاقط
أسرار الزوجة الداخلية معلقة
– ثمة من يبصبص
• انتبهي
– لا
• من يعكّر هدوءنا الساذج
– بكى
دقَّ مسماراً في الخليقة.
(من مجموعة «شمس لبقية السهرة » ـــ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـــ 1982).
9. جودت فخر الدين ـ القصيدة نفسها
نعودُ إلى القصيدة نفسها
(كُتِبَتْ بنا)
ونخطُّها يوماً فيوماً في الجنوب
نخطُّها ولهًا على الطرقات
أشرعةً كأثواب الأساطير.
انفجاراتٌ تَرى.
حرقًا على الأرضِ القتيل
تحيلها بردًا
على المدنِ الصغيرةِ والقرى.
كُتِبْتَ بنا
ونخطُّها ولهًا على الطرقات
نطلقها ملائكةً تحارب في هواءٍ جاحد
يأتي الجنوبُ كما أتى من قبل
جنديًّا وحيدًا
حربُه الحربُ الوحيدة
حولَه خطبٌ قد اختنقت حديثًا
وانتصارات هوت في الأسر.
يأتي وحدهُ متماوجًا في أسره
حرّاً،
وفوق ترابه أعداؤه أسرى حبائلهم
يقاوم في هواءٍ جاحدٍ
بدمٍ تفرُّقه القبائل بينها
بدمِ القصيدةَ نفسها
يأتي الجنوبُ كما أتى من قبل
مفتونًا وحيدًا
ساعداه غلالةُ الشمسِ الحبيسة
ساعداه سحابةُ الشغفِ المرير
يشير نحو حروقه الأولى
ويهتف لاتّقادات تلوح له
حبته غوائلُ الأيامِ سِحرَ فتونه
يأتي كما لم يأتِ قبلاً
مُشعَلًا في الشرقِ نارَ وعوده
تخشى نذائرُها القبائلُ
والغزاةُ
وصانعو آفاتِ هذا القصر، سُفّاحوهُ
يطلقُ في المدى المرئي دعوته
يفرقها لظىً بين القبائل
تلك دعوته
جنودٌ لا تُرى
تطأ الغزاةُ وتختفي في رعبهم
يأتي الجنوبُ من القصيدةِ نفسها
ليزلزل العصر المدجّج بالحضارات-القبور
يأتي فدائيين
ينطفئون فوق ثراه
مثل توهّج الزمن الأخير.
(من مجموعة «للرؤية وقت» ــ دار الآداب ــ 1984).
10. حسن عبدالله ـ نزهة
إنه الربيع…
غادرتُ المدينة في الثلاثين من عمري
وعدتُ إلى بلدتي… وصلتُ إليها في السادسة
والثلاثين.
لا توجد شمس… لا توجد سواقي…
لا عصافير تُغرِّد… ولا بقرة تجتر…لا
صعقتني الدهشة! الأرض مستوية
وملساء كالخشب المصقول…
هل أنا في حلم؟!
خشب… خشب… خشب…
أخيراً عدتُ إلى المدينة وسألت:
– كيف تفسرون ما حدث لي؟!
أجاب أحدهم:
– هذا بسيط… هل بلدتك محتلة؟
(قصيدة منشورة في جريدة «النداء» ــ آذار 1981).
11. محمد علي فرحات ـ سؤال
تركت لنا الحرب سريراً
ونافذةً تطلّ على حطام
على شعاراتٍ مسحها المطر
كلوحةٍ يرسمها طفلٌ ثم يهرب.
تركنا الحرب إلى بلادٍ أخرى،
لم تقتلنا.
خلّفت شوكةً بيننا وبين الأشياء.
لماذا لم نمت؟
سؤال الصبح والمساء.
نجاة
المسدّسُ على الصدغ،
وتكفي طلقةٌ واحدة.
ما يمنعُ
وجهًا بعيدًا على الشاطئ
يحضرُ في اللحظةِ الأخيرة.
حبيبة.
أم حبلَ نجاة؟
هذا ما يحدثُ كلَّ يوم.
(من مجموعة «شمس على طاولة» ـ منشورات الجمل ـ ط2 ــ 2010).
12. موسى شعيب ـ من دفاتر الهجر
وصحيحٌ
أننا ذقنا الأمرّيْن تشردنا،
ضُربنا
وعلى مرمى زمان القهر والغربة يا شعبي
صُلبنا
وصحيحٌ
أننا في منطق العصر غُلبنا
غير أنّا ما تعبنا
أمس أقسمنا بجرح الأرض أنّا ما تعبنا
ورفضنا منطق العصر وبالنار محوناه
حملنا منطق التاريخ بالنار كتبنا
أترانا أترانا
بعدما كان الذي كان…لعبنا؟
وأنا لا أندب القتلى
ولكني أُغنّي
وأنا لا ألعن الحظّ
ولا أكفر بالشمس إذا خيّب طول الليل ظني
وأنا أحمل عبئي، وجراحات تواريخي،
وحزني
غير أنّي
مثلما أؤمن بالشمس وميلاد النهار
مثلما استقرىء الآتي بأجفان الصغار
مثلما تحترف الحزن بلادي
مثلما يقاتل شعبي الانتظار
أبصر الفجر على صورة رشاش
مقاتلْ.
(من الأعمال الشعرية الكاملة ـ وزارة الإعلام، بغداد ــ 1981).
13. جوزيف حرب ـ مشهد الأصفر (مقاطع)
بات النواحُ قريباً من السهل،
حتى فرشنا له سمْعنا كبساطٍ إذا ما مشيتَ
عليه وصلت إلى العين فينا.
ومرّت خيالاتُ أضرحَةٍ من دخان،
لها أرجلٌ تنقلُ الخطو
مثل الكتابة،
مثل المراثي،
عليها معاطفُ من زيزفون وعشب،
وقاماتُها من هياكلَ فيها نعاسٌ وبوم، وقد حملت فوق
راحاتِها الزرقِ نعشًا من النوم.
أيامها فيه كحلية
ذاتُ رائحةٍ من ترابٍ نما فوقه الدمعُ، والحسراتُ
الطويلة.
– هذه جنازةُ من لم يمت بعد. هذا رحيلُ الجياع.
وتابعتُ السيرَ عمياء. أعينُها فوقها
ممطرّات، وكلُّ خطاها البطيئات.
ليلٌ
وضائع.
ولم تُشرق الشمس إلا وقد
بدأت تتكوّن فينا لأجل الجياع
يدٌ
وأصابع.
إلى أين يمضون؟
شادوا خصورَ البيوت، ولم يسكنوا
الرقصَ فيها. وغطّوا بمحبرة السفر الحلو كلَّ المراكب
عند هبوب الكلام، فسالت على ورق البحر من
أول السطر عند السواحل حتى نهاياته عند شمس الغروب،
ولم يبحروا. حضّروا نوم كل المناجم حتى
إذا لمع الفجر فيها، رموهم مع الأحجُر الفقراء
التي ليس في يدها ذهبٌ أو عريس.
...
أتوا،
لا نراهم
مضوا،
لا نراهم.
وليسوا سوى حجرٍ أو هواء.
كأنّ قليلًا من الناس جاؤوا إلى الأرض. أمّا
الجياع فقد وُلدوا من نساء فقدن السنونو إذا
صار أمًّا. وماتوا وليست لهم لغةٌ في المرايا،
ولا وردةٌ قرب ناي الضريح.
(من مجموعة «ديوان مملكة الخبز والورد » ــ دار الآداب ــ 1991).
عن ملحق كلمات
جريدة الأخبار اللبنانية
