من قهقهات الحرب / يحيى حسن جابر

 من قهقهات الحرب
("إهداء" الى جسر القاسمية)

يحيى حسن جابر

من قهقهات الحرب - يحيى حسن جابر- بيت النص

ذات ربيع من عام 1980، قرر الحزب الشيوعي أن يزرع قاعدة عسكرية بين البساتين.
في تلك الفترة، كان علينا أن نراقب السماء بالعين اليمنى من هبوط مظليين من طوافة اسرائيلية، وبالعين اليسرى لنحرس الشط من طرّاد إسرائيلي قد يباغتنا بضفادعه إلى قاعدتنا.
كانت أيام وليالي من الكمائن الجوالة على طول الخط الساحلي من صور إلى صيدا.
ذات غروب من التربص بالبلابل، والترصد للشحارير. وقد ضجرنا كمقاتلين من نتف ريش الموز، وكم قشّرنا النساء في النوم وزحطنا!... أصابنا الملل حيث لم ترفرف امرأة في الجوار وزهقنا من كدش وعصرحبات الليمون كبزاز تشرشر ، ونحن لانرغب سوى بنهد برتقالي من لحم وحليب .. فقررنا إقامة حاجز عسكري لنتسلى بالناس والمارة.. لنتسلى بشعبنا الصامد الأبي!
نصبنا الحاجز على الطريق.. وحولنا نهر الليطاني قدّس سره وعلمنا الأحمر يلوح "كموركس أليسار"
أوقفنا دوريتنا المحمولة بالدوشكا المضاد للطائرات الذي لم نستعمله إلا لرشق النوارس على الشط المقابل. المهم، أنني كنت ملثماً مقنعاً بكوفية بيضاء، وجدتها في غرفة المازوت لمولد في البستان، كوفية لناطور لا نعلم عنه خيرا أو خبرا !.
توزعنا وانتشرنا بحاجزنا الأممي على الخط الساحلي بين المدينتين الفينيقيتين صيدا وصور. صارت السيارات تتمهل وتتهادئ كالإوز صوب حاجزنا، صوب بحيرتنا المرقطة! السيارات تقف بدواليبها الأربعة احتراماً لنا وغصباً عنها.
أنا الملثم، أخفي ابتسامة، وعينين تحوصان من الخجل، تاركاً لسبابتي أن تختار ما تشتهي من السيارات، السبابة تتذوق مركبة، ويُفضل أن تكون السلة المعدنية طافحة بالنساء.
"حلوي السلطة"، هذا ما ينبضه المقاتل في قلبه، ونقول للسائق المنافق "افتح الصندوق، افتح التابلوه، من وين ولوين.. الله معك" والسائق طبعاً يشكرنا "الله مع الشباب، ويعطيكم العافية". وفي سره يتمنى لنا الجحيم قريباً.
أذكر أن السائقين كانوا يطلون برقابهم كالحرادين المذعورة وأنا ألاعب الكلاشنكوف مثل عود، أنقر على السبطانة وصمام الأمان، واتكتك على الزناد لأفزعهم قليلاً. وفجأة تطل ميرسيدس 190 كضفدعة، وأقول لها "يامرسيدس صفي على اليمين "وأميل نحوها كيساري... يا إلهي هذه صلعته، وجهه، عيناه، إنه أبي، الراكب الغاضب دائماً في مشوار الحياة.
غمزت رفيقي وهمست "هذا أبي فلنمازحه". لم يعرف الوالد ولده المقنع، رمقني، حبكت الطرفة معي، خشّنت حنجرتي وجرشت صوتي وخرجت الحروف مُبرغلة.
"هويتك" !
"تذكرتك.. يا حج!!
دمدم قليلاً، حدق بي، لويت رأسي كبجعة، فك جزدانه، أخرج هويته المجلدة بالنايلون، ناولني إياها بقرف . لم يقل لي"تفضل". فأخذتها ولم أقل له"شكراً".. فتحتها ورحت أتملاها، وصرت أقرأ هوية الرجل الذي انجبني.
الإسم: حسن
اسم الأب: سليم
إنه من مواليد 1927 هذا الرجل قذفني إلى العالم عام 1961.
أتفحص الهوية كجراح و يحدق بي بنظرة لولبيةفي طريقها إلى المكر ، قلت له بصوت واضح كعين الديك.
- حضرتك الحج حسن؟
-أجابني: نعم.. شوفي؟
-هل هذه صورتك يا حج؟
"نعم... يا إبن الكلب، عرفتك يا إبن الشرموطة..." واندفع من الباب بعصاه، فقفزت إلى القناة المائية. التقطه الرفاق بالقهقهات وأنا أفر إلى البستان، سامعاً صوته "لأعمل وساوي فيك ياإبن الشلكة ... يلعن هالخلف"...
يومها عاد أبي إلى البيت وصفع أمي..وبقي الحاجز.
تعليقات