أدونيادا: حين تتحوّل الملحمة إلى سؤال مفتوح
شاهر خضرة
الاستهلال: صدمة الحداثة وبراءة البدايات
في عام 1975، كانت قريتي في ريف دمشق تعيش خارج زمن النور و"الاتصالات"؛ كانت جزيرةً من الصمتِ تكتفي بأغانيها الشعبية ونتفا من أبيات حكم ووعظ. لم يكن أدونيس بالنسبة لي سوى اسم غامض يتردد في مجلات لا تصل إلينا.
وحين سافرتُ إلى ليبيا في ذلك العام، لم أكن أعلم أنني أسيرُ نحو "انفجار معرفي" سيغير مجرى حياتي. هناك، وبفعل مصادفةٍ قدرية، التقيت بالمهندس السوري "طرّاف غنيمة"؛ ذاك الذي لم يكن مهندساً للعمارة فحسب، بل كان مهندساً لرؤيتي الشعرية، كونه ابن شاعرٍ ومثقفٍ عضوي.
أذكرُ جيداً تلك الدواوين الحمراء الصادرة عن "دار العودة"؛ كانت هي المواجهة الأولى مع "أدونيس". شعرتُ حينها بضآلة ما أكتب، وبأن ما بين يديْ ليس مجرد شعر، بل هو "تأسيس للوجود" (بتعبير الدكتور عادل ضاهر)
أدركتُ يومها أنني أمام رائدٍ يتطلبُ "انقطاعاً" كاملاً لفهمه، هذا الانقطاع هو الذي مكّنني اليوم من تلمّس جروح الأساطير في أدونياداه.
صمتي لربع قرن. كان صمتاً "تكوينياً" يشبه صمت البذرة في الأرض،
أما وصولي إلى لحظةٍ ملحمية كـ "أدونيادا" وأظن أن القراءات التي عشتها في ظلال كتب الشاعر الشعرية والتنظيرية تمنحني الحق في الكلام. بعد قراءة وإعادات للكتاب – الملحمة- على مدى سنة من مرافقتي لـ أدونيادا.
*
سأتكلم عن أدونيادا لا بوصفها كتاباً قرأته، بل بوصفها تجربة بقيت معي. نصٌّ كهذا لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش على مهل.
كتاب مثل أدونيادا لا يَدخُلُ إليه القارئُ بسهولة، بل يطلُبُ منه وقتاً وصبراً، وما سأقوله اليوم هو محاولة قارئ عاش مع هذا النص، لا حكم ناقد من الخارج.
*
حين نقترب من «أدونيادا» لا يكفي أن نسأل إن كانت ملحمة أم لا، بل ينبغي أن نسأل ما الذي يحدث لفكرة الملحمة نفسها حين يكتبها شاعر حداثي في العقد التاسع من عمره، بعد أكثر من ستة عقود من التجربة الشعرية والفكرية. هذا السؤال لا يتعلق بالشكل الأدبي فقط، بل بمصير الشعر حين يصل إلى تخومه القصوى، حين لا يعود الشاعر في بداية الطريق بل في منطقة يرى فيها الطريق خلفه أطول من الطريق أمامه.
كثير من القراءات التي كُتبت حول «أدونيادا» تعاملت معها بوصفها استمراراً لمشروع أدونيس في استحضار الأسطورة أو مساءلة الهوية أو تفكيك الذاكرة، وهذه قراءات مفهومة ومشروعة، لكنها لا تكفي وحدها، لأن «أدونيادا» لا تُختزل في موضوعاتها، بل في الطريقة التي يُعاد فيها التفكير بالشعر نفسه داخلها.
منذ الاستهلال المبكّر حين يقول في المفتتح:
«الأساطير مجروحة / وأنا لست إلا دماً يتدفق منها»
هنا يضعنا أدونيس أمام مأزق الهوية، فنحن لا نواجه صورة شعرية فقط، بل موقفاً كاملاً من التراث، الأسطورة هنا ليست ملاذاً، بل جسداً مصاباً، الشاعر لا يحتمي بها بل يكشف نزيفها، وكأن المرجعيات الكبرى نفسها لم تعد قادرة على منح الإنسان طمأنينة، هذه الجملة وحدها تقول إن العلاقة مع الماضي تغيّرت، لم يعد الماضي بيتاً يُسكن، بل سؤالاً يُفحص.
من هنا يمكن فهم «أدونيادا» كملحمة وعي لا كملحمة أحداث. هي لا تروي تاريخاً، بل تراقب تآكله، لا تبني بطولة، بل تراقب هشاشتها. ولهذا شعرت سريعاً أنني لا أتابع قصة، بل أدخل تجربة تفكير طويلة.
في الملاحم القديمة كان هناك بطل واضح، مسار من أزمة إلى خلاص، أما هنا فنحن أمام ملحمة فقدت بطلها. الصوت الذي يتكلم ليس بطلاً منتصراً، بل ذاتاً تتأمل هشاشتها، حين يخاطب الشاعر نفسه بوصفها كائناً يهبط نحو الثمانين، فنحن لا نقرأ سيرة ذاتية، بل مواجهة مع الزمن، الشيخوخة لا تُقدَّم كحكمة جاهزة، بل كمنطقة وعي يرى منها الإنسان هشاشة يقيناته السابقة.
وهنا تحديداً تتحول الملحمة من تاريخ خارجي إلى مصير داخلي، من حكاية أبطال إلى تجربة كائن يعرف أنه عابر، وهذا ما يمنح النص نبرة خاصة: نبرة من لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يراجعها.
الذاكرة في «أدونيادا» لا تعمل كحنين، لا نجد فيها تمجيداً للماضي. الذاكرة هنا أقرب إلى مختبر. كل استعادة للماضي تحمل معها نوعاً من الشك: هل كان الأمر هكذا فعلاً؟ أم أن الذاكرة تعيد كتابته؟ كأن النص يقول إن الماضي ليس مرجعاً ثابتاً، بل مادة يعاد النظر فيها.
وهذا ما يجعل القراءة مقلقة وجميلة في آن، لأن النص لا يقدّم ذاكرة مطمئنة، بل ذاكرة حيّة قابلة للمراجعة.
أما اللغة في «أدونيادا» فهي أيضا ليست أداة مطمئنة، حين يقول:
«تكاد الحروف أن تُحتضر، يكاد الحبر أن يصبح دماً ودمعاً» (ص 101)
فهو لا يبالغ جمالياً فقط، بل يلمّح إلى أزمة أعمق، اللغة نفسها تُختبر، لم تعد وعاءً شفّافاً للمعنى. ولهذا يكثر التشظّي والانقطاع. ليس ضعفاً أسلوبياً، بل انعكاس لعالم متفكك.
اللغة هنا تحاول أن تلاحق واقعاً لم يعد متماسكاً، ولهذا تتشظّى معه.
هناك أيضاً حضور قوي للجسد، فالجسد ليس موضوع غزل، بل أداة إدراك. حين تدور الحرب في الأحشاء لا في الخارج فقط، يصبح الجسد مرآة للعالم، الأحداث الكبرى لا تبقى أخباراً، بل تتحول إلى رجفة داخلية.
حرب في الخارج، غير أنها تدور في أحشائي... كلمات تفتح ذراعيها لفعل مذكر". ص 101
هنا يبرز "ذوق الشاعر" الذي يتجاوز تحليل الناقد أحمد دلباني للوحدانيات
في الصفحة (187)، يضعنا أدونيس أمام مفصل معرفي يفسر كل هذا التيه الجميل في الـ 430 صفحة: حيث يقول:
"لا هوية إلا التحول: عَجِّل / أيها الغيم واهطل / أنا الْيَوْمَ إِبْنٌ للحقولِ، يَتِيمُ الشَّجر".
إنه "ابن الحقول" و"يتيم الشجر" في آنٍ؛ ابنٌ للأرض ويتيمٌ من الثبات. هذا المقطع، برأيي، مفتاحٌ لفهم أن أدونيس لا يهرب من القدس ولا من دمشق ولا من باريس؛ فهو لا يقيم في المدن، بل يُقيم المدن داخل قصيدته. إنه لا يريد "وطنًا" من تراب، بل يريد وطنًا من "تحوّل".
وفي الصفحة (101)، نجد هذا الالتحام بين اللغة والواقع:
"حرب في الخارج، غير أنها تدور في أحشائي... كلمات تفتح ذراعيها لفعل مذكر".
هنا يبرز ("الجسد المتخيّل" الذي قصده منصف الوهايبي في رسالة جامعية له) بتعيين مذهل؛ الحرب ليست خبراً في التلفاز، إنها "تدور في أحشائي". اللغة هنا تتحول إلى "فعل مذكّر" يلقح لحظة العالم. (هذا هو الإبداع الذي كنتُ أتتبّعه لربع قرن؛ قبل دخولي إلى الساحة الشعرية) لغة لا تصف الحرب، بل "تتألم" بها. إذ يعود الشعر إلى وظيفته الأولى: أن يجعل الإنسان يشعر بالعالم داخل جسده.
"لا هوية إلا التحوّل" هذه ليست جملة عابرة، إنها خلاصة تجربة: شاعرٌ عاش بين ثقافات ومدن ولغات، يدرك أن الهوية الموروثة وهم. ما يبقى هو الحركة لا الجذر. ولهذا تبدو المدن في النص حالات وعي أكثر من كونها خرائط، المكان يتحول إلى تجربة داخلية.
إذا توقفنا عند القدس مثلاً، نلاحظ أنه لا يكتبها كخطاب سياسي مباشر، بل كعقدة تاريخية وروحية، إنها مدينة مثقلة بطبقات من المعنى: ليست مكاناً فقط، بل ذاكرة متراكمة من النبوّات والأساطير والدماء، والسؤال فيها ليس من يملكها، بل ماذا فعلت بها المعاني المطلقة.
«أدونيادا» لا تمنح القارئ راحة القراءة السريعة.
هي نص كما سبق وقلت يطلب بطئاً، يطالب قارئه بالعودة إليه. وهذا بحد ذاته موقف ضد ثقافة الاستهلاك. بعض الكتب تُقرأ مرة، أما هذه فتُزار.
إذا كانت الملحمة الكلاسيكية تقوم على سرد متماسك، فإن «أدونيادا» تقوم على ما يمكن تسميته بنية مقاطع ملحمية. النص لا يتقدّم كقصة، بل كطبقات، كل مقطع يبدو قائماً بذاته، لكنه في الوقت نفسه جزء من نسيج أكبر، نقرأ لكن لا نتابع أحداثاً، بل نتابع تحوّلات وعي، الفكرة تعود، لكن بزاوية أخرى، الصورة تتكرر، لكن بدلالة مختلفة، وهذا يجعل النص أقرب إلى حركة الذاكرة نفسها لا إلى حركة الحكاية.
هنا لا يوجد خط سردي يقودنا من بداية إلى نهاية، بل هناك حركة ارتدادية. النص يعود إلى ذاته، يراجعها، يعيد النظر فيها. كأن الكتابة نفسها تفكّر في نفسها. ولهذا يمكن القول إن «أدونيادا» ليست ملحمة سرد، بل ملحمة كتابة. الملحمي فيها لا يأتي من الحكاية، بل من امتداد التجربة اللغوية على مساحة زمنية ونصّية واسعة.
من السمات اللافتة أيضاً تعدد الأصوات. الصوت الشعري ليس واحداً مستقراً. الضمائر تتبدل. مرة يتكلم الشاعر بصيغة «أنا»، ومرة يخاطب نفسه بـ«أنت»، وأحياناً يذوب الصوت في نداءات مفتوحة. هذا التبدّل ليس لعبة أسلوبية، بل علامة على أن الذات نفسها لم تعد كتلة واحدة. الذات تتحول إلى مساحة حوار داخلي.
حين يقول إنه يزور اليقين لكنه يقيم مع الشك، فنحن أمام ذات لا تستقر في إجابة. الشك هنا ليس عجزاً، بل موقف معرفي، كأن اليقين نفسه صار موضع مساءلة. وهذا يعكس نضج تجربة طويلة، لا نزوة فكرية.
واحدة من النقاط التي لا يُنتبه لها كثيراً هي جمالية البياض. الفراغات بين المقاطع ليست شكلاً طباعياً فقط. البياض هنا يعمل كصمت دلالي. ما لا يُقال يصبح جزءاً من المعنى. في الملاحم القديمة كان الامتلاء علامة قوة. أما هنا فالانقطاع جزء من البناء. الفراغ يترك مساحة للقارئ كي يشارك في التأويل.
النص يشبه فسيفساء. قطع منفصلة تُكوّن صورة كلية. هذه الصورة لا تُعطى جاهزة، بل تتشكّل في ذهن القارئ اليقظ. ولهذا يشعر أنه شريك لا متلقٍّ فقط.
وكما يُبنى النص على مقاطع متجاورة لا على سرد متصل، فإن أمكنته أيضاً لا تظهر كوحدات جغرافية متماسكة. المدن في «أدونيادا» لا تظهر كأماكن جغرافية فحسب، بل كحالات وعي. باريس ليست باريس السياحية. نيويورك ليست ناطحات سحاب. شنغهاي ليست اقتصاداً صاعداً. المدن تتحول إلى مرايا داخلية. كل مدينة تعكس حالة من التفكير أو الذاكرة أو الشعور.
المكان هنا لا يصنع الهوية، بل يكشف هشاشتها. الشاعر الذي تنقّل بين لغات وثقافات يدرك أن الانتماء الصلب نوع من التوهّم؛ الإنسان يحمل أمكنته داخله.
ومن اللافت أيضاً عودة الطفولة في الصفحات الأخيرة. لكنها ليست عودة حنين. الطفولة تظهر كبداية جديدة. كأن الشاعر لا يعود إليها ليستقر، بل ليبدأ منها من جديد. النهاية هنا لا تُغلق، بل تُفتح. وهذا يعطي النص بعداً دائرياً: نهاية تعود إلى بداية، لكن بتلقٍّ مختلف.
يمكن القول أيضاً إن «أدونيادا» ملحمة ضدّ الملحمة. تستخدم شكل الملحمة لتفكيك منطقها. لا بطل، لا انتصار، لا خلاص. بدل ذلك نجد سؤالاً مفتوحاً. الملحمة التقليدية كانت تبني يقيناً. أما هنا فالنص يبني مساحة شك. وهذا، إن شئنا تخفيف العبارة، ليس هدماً للملحمة، بل إعادة تعريف لها.
اللغة في العمل تبدو ككائن حيّ يتعب. حين تصبح الحروف على حافة الاحتضار، فهذا يعني أن اللغة لم تعد شفّافة، الكلمات تقاوم، تتألم، تحاول أن تقول ما يتجاوزها. وهنا يدخل الشعر في منطق مختلف: منطق من يكتب وهو يعرف أن اللغة لا تكفي، لكنه يكتب لأن الصمت لا يكفي أيضاً.
تجربة القراءة نفسها جزء من العمل.
«أدونيادا» كما قرأتها؛ تحتاج بطئاً. بعض النصوص تُستهلك، أما هذه فتعاش. أتصوّر أن كثيرا من القرّاء لا ينهونها بل يخرجون منها مؤقتاً.
الملحمة لا تكتمل في الكتاب وحده، بل في القراءة.
ويبقى سؤال مهم يرافق العمل: هل هذه خلاصة مشروع أدونيس أم بداية أخرى؟ يصعب الجزم. لكنها بالتأكيد كتابة تقف عند تخوم الصمت. شاعر قال الكثير، لكنه لا يزال يرى أن الأسئلة أكبر من الأجوبة.
وهذا ربما ما يمنح «أدونيادا» قيمتها: أنها لا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تواصل البحث عنها.
أحياناً، وأنا أقرأ «أدونيادا»، لا أشعر أنني أمام شاعر يكتب نصاً بقدر ما أشعر أنني أمام إنسان يراجع عمره عبر اللغة. هناك فرق بين من يكتب قصيدة، ومن يقف داخل القصيدة ليرى ما بقي منه فيها. في هذا العمل تحديداً، يبدو أدونيس كمن ينظر إلى ما كتبه عبر أكثر من ستين عاماً ثم يسأل نفسه بصمت: ماذا فعلتُ بكل هذا الكلام؟ ماذا بقي من الأصوات، ومن الأسماء، ومن المدن، ومن الكتب، ومن المرايا التي مررتُ أمامها؟
هذا السؤال لا يظهر صريحاً، لكنه حاضر كظلّ في النص. نشعر به في التوقفات، في النبرات المتردّدة، في المقاطع التي لا تريد أن تعلن يقيناً. كأن الشاعر هنا أقل رغبة في إعلان المواقف، وأكثر ميلاً إلى مراقبة أثر الزمن عليه. ليس الزمن الخارجي فقط، بل الزمن الداخلي؛ الزمن الذي يترك خطوطاً خفيّة في الروح، لا يراها إلا صاحبها.
وهذا ما يجعل «أدونيادا» مختلفة عن كثير من الأعمال المتأخرة لشعراء كبار. بعض الشعراء حين يتقدم بهم العمر يميلون إلى التلخيص، إلى الحكمة الأخيرة، إلى إغلاق الدائرة. أما هنا فنرى العكس تقريباً. النص يفتح أكثر مما يغلق. الأسئلة فيه أكثر من الخلاصات. والدهشة، على رغم الخبرة الطويلة، ما تزال حاضرة، لكنها دهشة تأمل لا دهشة صراخ.
أدونيس في هذا العمل لا يتكلم كمن يملك الحقيقة، بل كمن جرّب كثيراً ولم يعد يثق بالحقيقة الواحدة. لهذا يبدو الشك أقرب إلى موقف أخلاقي. ليس شكاً عبثياً، بل شكّ من يعرف أن العالم أعقد من أن يُختصر في شعار، وأن الإنسان أوسع من أن يُعرَّف بجملة واحدة.
قد أزور اليقين كمثلك، لكنني مقيم مع الشك في بيته، / في الدروب التي فتحتها خُطاه" ص 187
أدونيس إذن يرسّخ مذهبه الوجودي الذي نظّر له عادل ضاهر:
هذا هو "التعيين" الأسمى. أدونيس ليس "عابر سبيل" في الشك، بل هو "مقيم". وهذا ما يفسر ضخامة "أدونيادا" (430 صفحة)؛ فالشك يحتاج إلى مساحات شاسعة، إلى تكرار، إلى حوار. اليقين ضيق ومغلق، أما الشك فهو "أدونيادا" كاملة.
قارئ «أدونيادا» (وأعني نفسي) يشعر أحياناً أنه لا يقرأ نصاً، بل يصغي إلى تفكير بصوت عالٍ.
النص لا يسير مستقيماً لأنه يشبه حركة التفكير نفسها. يعود، يتردد، يلتفت إلى الوراء، ثم يتقدم خطوة أخرى. وهذا قد يربك من يبحث عن خط واضح، لكنه يكافئ من يقبل الدخول إلى النص كما هو.
في لحظات كثيرة، وأنا أقرأ، انتابني إحساسٌ بأن أدونيس لا يكتب عن العالم بقدر ما يكتب عن علاقته به. العالم هنا ليس موضوعاً خارجياً، بل تجربة داخلية. الحروب، المدن، الأساطير، الأديان، كلها تمر عبر ذات الشاعر. لا تُقدَّم كحقائق موضوعية، بل كخبرة إنسان عاش زمناً طويلاً في التفكير فيها.
حتى حين يستدعي الأسطورة، لا يفعل ذلك بوصفها زينة ثقافية. الأسطورة هنا كائن مُنهك. حين يقول في مفتتح الكتاب: «الأساطير مجروحة / وأنا لست إلا دماً / يتدفق منها»
فهو يعلن أن المرجعيات الكبرى نفسها لم تعد سليمة. كأن الإنسان الحديث لم يعد قادراً على الاحتماء بالحكايات القديمة. عليه أن يواجه هشاشته وحده.
ومن هنا نفهم توتر اللغة في النص. اللغة لا تُستخدم فقط، بل تُختبر. وهناك شعور بأن الكلمات لم تعد كافية، وأن الشاعر يعرف ذلك، لكنه يكتب رغم ذلك.
هذه المفارقة تمنح العمل قوة خاصة: قوة من يواصل الكتابة وهو واعٍ لحدودها.
ما يلفت أيضاً أن «أدونيادا» لا تضع الشاعر في مركز الكون، فيها تواضع خفي. الشاعر يظهر كإنسان ضمن تاريخ طويل، لا كصانع هذا التاريخ. المدن أقدم منه، والأساطير أقدم، واللغات أقدم. وهو يمر بينها كقارئ كبير للعالم، لا كمالك له.
وربما لهذا يشعر المتلقّي أن النص يوسّع أفقه بدل أن يفرض عليه رؤية.
«أدونيادا» لا تقول لك ماذا تفكر، بل تضعك في حالة تفكير. تفتح أبواباً ثم تتركك تمشي. وهذا أحد أجمل أدوار الشعر حين ينضج: أن يرافق الإنسان في أسئلته بدل أن يمنحه أجوبة جاهزة.
ويمكنني أن أجازف فأقول إن العمل يذهب، في أحد وجوهه، إلى نوع من المصالحة مع اللااكتمال. لا شيء فيه يدّعي الكمال. لا اللغة، ولا الرؤية، ولا الذاكرة. كأن الشاعر يقبل أخيراً أن الإنسان كائن ناقص بطبيعته، وأن الشعر ليس لملء هذا النقص، بل للعيش معه بوعي أكبر.
ولهذا تبدو نهاية «أدونيادا» أقرب إلى وقفة على الطريق لا إلى وصول،
الشاعر ينظر حوله، يرى ما مضى وما بقي، ثم يواصل السير. النص لا يغلق الباب، بل يتركه موارباً.
أما القارئ الذي يقبل الكتاب "أدونيادا" كرفقة طويلة، فسيجد فيه مرآة لأسئلته هو أيضاً. وهذا ما يبقى من الأعمال الكبيرة: قدرتها على أن تعيش في قرّائها.
«أدونيادا» من النصوص التي لا تكفي قراءتها مرة واحدة. أتخيّل أن القارئ لو يعود إليها في مراحل مختلفة من عمره يجدها تتغير معه. لأن النص نفسه يتّسع لتجارب قرّائه.
وربما هنا تكمن قوتها الحقيقية. ليست نصاً يطلب الإعجاب، بل نصاً يطلب المعايشة. لا يلمع سريعاً، لكنه يبقى طويلاً.
وفي النهاية يمكن القول إن «أدونيادا» ليست ملحمة أبطال، بل ملحمة إنسان يحاول أن يفهم موقعه بين اللغة والزمن والموت. ليست سيرة حياة، بل سيرة علاقة مع المعنى. وليست خاتمة مشروع، بل نافذة مفتوحة على أسئلة لا تنتهي.
إن "أدونيادا" تنتهي بكلمة "فاتحة"، وكأن كل ما قرأناه في السيرة الشعرية كان مجرد "تمهيد" لما سيأتي.
أدونيس لا يعرف الاستقرار؛ فالسفر دائم، والبحث في الرماد، هو السبيل الوحيد لمعرفة الضوء.
("غارق في الحديث مع النار"، قلتَ؟ ولكنه حديث لا يقود إلا إلى أي نجمٍ أو إلى أيّ ضوءٍ إذا لم تكن عارفا بالرماد وأسراره.) ص 187
هذا التوصيف هو أدق "مشرط" يخيّل إليّ أحيانا أن الملحمة بضخامتها هي "لعب طفوليّ " بالمعنى النيتشوي (نسبة لنيتشه)؛ لعبٌ يحطم الأصنام ليبني مكاناً للحلم. يقول أدونيس في تعيينٍ مذهل لمكانة الشعر (ص 101):
"وخير للشاعر في مثل هذا العالم أن يقتحم قلاعه وأن يهاجم أحلامه". ص 101
*
أدونيادا- أدونيس هي نصّ لا يقول للقارئ: هذا هو الطريق.
بل يقول له بهدوء: امشِ، وانظر، واسأل.
وربما لهذا تبقى «أدونيادا» حيّة. لأنها لا تدّعي الاكتمال.
والنصوص التي لا تكتمل… هي التي تبقى.
أدونيس، يا علي أحمد سعيد، يا من علمتني أن الشعر "قلق"، ها أنذا اليوم في ريف شمال ألمانيا أحمل "أدونيادا" وأشعر أن ربع القرن من الصمت في بدايتي مريدا في محراب شعرك، شكراً لأنك لم تغلق الباب، وشكراً لأنك جعلت من التسعين عاماً "فاتحة" لجيلٍ يتعلم منك كيف يكون "يتيم الشجر" هو الانتماء الأسمى.
"ختاما: أظن أن أدونيادا ليست كتاباً نقرؤه، بل كتاباً يقرؤنا نحن أيضاً."
***
باد دوبران - ألمانيا
.5 كانون الثاني/ يناير. 2026
