مونولوجات طويلة مكررة / جيهان عمر

 مونولوجات طويلة مكررة

جيهان عمر


مونولوجات طويلة مكررة - جيهان عمر - بيت النص


لطالما شعرت بأنني أعيش داخل نفسي، كل التجارب والخبرات التي تقتضي أن أكون بالخارج ألغيتها تباعا، أمد إصبعي أمامي برفق لألمس الحياة، ولأنني لا أعرف طبيعتها، أخاف أن تنفجر مثلا مخلفة بعض الرذاذ الخفيف ثم أكتشفت أن تصوراتي عن الحياة لا تختلف عن إدراكي بأنني أحيا داخل بالون من هواء،

وأنهم يرونني من الخارج قريبة جدًا واضحة ومعزولة..
ثم أكتشف أن هذه الشفافية لن تفيد العالم بشئ فأجرب أن أدخل إلى نفسي أكثر، كقنفذ يوجه أشواكه للعالم ويختبئ.
الحياة نفسها لا تعرف لو كانت قد وهبتني نفسها مرة.
كل شئ هناك بالداخل حتى أنني أشعر أن الممرات لا تبدأ من المرئ مثلا قبل أن تعاود الانثناء، بل يبدو لغز الكون كشئ غير مرئي على لساني، لؤلؤة خفيفة تتنكر في هيئة فقاعة أخرى.
لكن ذلك كان قبل أن تسكن تلك المرأة في الشقة المقابلة منذ شهور، يصلني صوتها المرتفع في البيت وتبدو كمن تخاطب نفسها.
مونولوجات طويلة مكررة كبروفة متعجلة وحين تسمع الأغنيات أيضا ينهمر من نافذة المطبخ ذاك الصخب الدائم، يبدو أن ذواتها تتحرك حولها كأطفال جاءوا من بطن واحدة.
ثم تعارفنا بالصدفة لأن ساعي البريد ترك معي بعض خطاباتها حين كانت خارج المنزل، ذهبت إليها لأعطيها الخطابات فعرفتُ أنها ممثلة وعرفتْ أني كاتبة فطلبت مني ضاحكة أن أكتب لها فيلما يكّسر الدنيا!
قلت بصوت خفيض: أنا أكتب الشعر..
قالت ربما تحبين إذن بعضا من الشيكولاتة الساخنة، لم أفهم الصلة التي أوجدتها سوى أنها ترى في الشعر طفولة ما.
انتظرت المشروب الساخن وأنا أحدق في "باروكات" الشعر الملقاة على الأريكة كرؤوس القتلى.
في اليوم التالي قابلتها وأنا في طريقي إلى السوق كان الكحل يسيل من عينيها، اعترفت لي بأنها تبكي بلا سبب قبل موعد دورتها، لكنها تقول للآخرين أنها تتدرب على دورها في المسرحية القادمة.
قالت فجأة: ألن تكتبي لي فيلما يكّسر الدنيا! قالتها حزينة هذه المرة ثم بكت ثانية.
لم أخبرها أنني أريد أن أصاحب الدنيا دون أن أحطمها وبشّرتها بأن لديها حلا سحريا للخروج من الذات.
صارت عيناها مثل جمرتين، مما جعلها تبحث بعصبية في حقيبتها عن القطرة الطبية التي تستخدمها أحيانا لتصوير مشاهد البكاء.
في عرض المونودراما الذي دعتني إليه بعد ذلك، غرست السكين البلاستيكي في رقبة الخائن المتخَيل حتى سالت دماء لزجة على أرضية المسرح لتنتقم لنساء لم تعرفهن، جربتْ القتل ولم تخبر أحدا أنها شعرت بعدها براحة حقيقية وسكينة.
في يوم آخر تطلب المشهد أن تحلق شعرها بالفعل، لفته في شالها كي يشفى زوجها الذي طال مرضه، شعرت بالحرية لكونها صلعاء ربما لأكثر من شهر.
ثم ارتدت فستانا فخما كان معلقا خلف باب الحجرة بصعوبة حتى أنها صدقت أن الماسات المقلدة حقيقية وتبرق بشدة في دور الملكة بشعر بلاستيكي أشقر يقف فوق رأسها كسنم.
حين تنازلت بعد ذلك عن العرش هاتفتني قائلة أنها لن تستطيع أن تنام لو لم تشرب قهوتها المسائية معي، ثم ارتعش الفنجان في يدها وهي تحكي لي بأنها غدا ستبيع جسدها بألف من الدولارات في الساعة، أضافت أنه دور قصير لكنه مهم.
تخيلتها تندم للحظات قبل أن تطلب من مساعدتها أن تذكرها بالمشهد التالي.
صاحبت الفرح والحزن كوجهي عملة تحمل ملامحها، واستسلمت لكون التمثيل لعبة التنبؤ بالنهايات وانتظارها في الكواليس.
كما أنها أدمنت الحب لأنها تراه جذابا أكثر حين يكون مؤقتا، حتى أنها أحبت البطل صباحا وبقيت مخلصة تماما لمدة ساعتين، ثم عرفت مؤخرًا أن عامل الإضاءة المنكفئ على مصباح خرب يحبها سرا مما جعلها شاردة أكثر.
لاحظت توترها وهي تتحرك من نهار داخلي إلى ليل خارجي كفأر يتلوى في رأس المخرج.
مؤخرا صارت تشكو كثيرا من تعاقب المشاهد وأنها لم تعد تعرف أين تختبئ الروح وهي تحاول أن تضبط نبرة صوت الشخصية التي تتغير باستمرار.
حتى دعتني لحضور تصوير فيلمها الأخير في الصحراء، لأنني كما تقول في حاجة إلى الذهاب بعيدا دون أن آخذ الجدران معي.
في خيمة حديثة مكيفة بجهاز ينفث الرذاذ البارد في وجوهنا، فتحتُ علبة الطعام البارد الذي أحضرته معي وأكلنا من دون شهية.
نظرتْ في دورها المكتوب وبدون مقدمات مزقتْ السيناريو وقالت للمرة الثالثة: ألن تكتبي لي فيلما يكّسر الدنيا!
راقبنا الكلاب التي جذبتها رائحة الطعام وهي تتنقل بسيقانها على الأوراق الممزقة في توجس،
بينما كنت أفكر في طريق مختصر يعيدني إلى البيت.
تعليقات