ماضٍ إلى ما كنتُ فيه / نزيه أبو عفش

ماضٍ إلى ما كنتُ فيه

نزيه أبو عفش

ماضٍ إلى ما كنتُ فيه - نزيه أبو عفش - بيت النص


أفَقتُ من النوم / أفَقتُ من مَوتَةِ النوم.
صباحَ كلّ يوم -على غيرِ مشيئةٍ مني- أُفيقُ من موتةِ النوم.
صباح كلّ يوم، ما إنْ أفتح عينيّ على مرقدي (ذاك الذي أَدأَبُ كلّ مساء على تَسوِيَتهِ بحيثُ يَصلُح لأنْ يكونَ نعشاً) أعثرُ على نفسي ناجِياً وحيّاً..
حياً مرّةً أخرى (يا لهولِ "مرّةً أخرى"!) حيّاً على غيرِ شهوةٍ أو مشيئة: حيّاً بالإكراه.
لا! ليس ما يعنيني، مطلعَ كلّ نهار، التفكيرُ في الغدِ وكيفيّةُ بلوغِه (ليس لديّ ما أرجوه من الغد). كلّ ما يعنيني مِن النهار الذي أنا فيه أنْ يمضي (لا! ليس "على خير" ويكونَ أكثرَ رحمةً كما سبقَ أن كنتُ أرجو أيّامَ كان الرجاءُ ممكناً؛ بل -فقط- أنْ يكونَ أهوَنَ وأقلَّ مضاضةً وسوءاً).
ذاكَ هو نهاري يا "مجدلى"، ذاك هو.
ذاكَ هو الغدُ الذي أتَشَرّدُ في شِعابه وأزِقّتِه، ويَتَقطّعُ قلبي في سراديبِ وحوشِه وأقفاصِ ملائكتِه. ذاك هو.
ذاك هو النهارُ: النهارُ النهـــار/ النهارُ المحلومُ/ النهارُ الـمُلتَجَأُ/ النهارُ المصيَدةُ والمقتلُ/ النهارُ "المستَقبَلُ" - المستقبَلُ الذي سبقَ أنْ كنتُ فيه..
المستقبلُ الذي لا سِواه (ذاكَ الذي يَبَجِّلُه ويَتَلذَذُ بمذاقِ اسمِه صيارفةُ الأملِ ومُؤّذِّنوه).. سبقَ أنْ خَبِرتُه إذْ كنتُ فيه.
المستقبَلُ.. سبقَ أنْ كابدتُه وأجهدتُ نفسيَ للفرار من كَمائنِه. سبقَ أنْ أقفلتُ بابَهُ وأدرتُ له ظهري. سبقَ أنْ أجهزتُ عليهِ وَ قَبَرتُه.
المستقبلُ هو هذا.. هذا الحائطُ.. هذا الــ "حائطُ قبرٍ" لا أكثر: حائطُ قبري.
المستقبلُ هو هذا القبر/ هذا القبرُ الغالي، البغيضُ، المبغِضُ، الحبيبُ، الـمُضاءُ -المضاءُ بعتمتِه- الرَّحبُ، الخانقُ، الأشعثُ، المرَتّبُ، الغاشُّ، الذي أنا فيه.. ولا أحلُم إلّا بمغادرتِه والنجاةِ من وعودِه وأهوالِه.
هو هذا الزمانُ القبرُ/ هذه الدِّيارُ القبرُ/ الدّيارُ العليلةُ، الـمُعِلَّةُ، الهالِكةُ، المهلِكةُ، الباطلةُ الـ.. باطلةُ الـ.. قبر.
هو : هذا النهارُ الذي لا بُرءَ منه. هذا الذي لا ينتهي. هذا الذي أنا تحتَ رحمتِه وَ في أحشاءِ وحشِه..
هذا النهارُ - المِصيَدة.

 
فإذنْ، أنا الآن واقعٌ في النهار وأنتظرُ أُفُولَه (واقعٌ فيه لأنتظِرَ أُفولَه)
واقِعٌ في : إفاقةِ موت.

 
النهارُ يمشي ويتقَدّمُ؛ وأنا لا!
هو يتقدّم وأنا أنتظر. أنتظرُ أُفولَه. انتظِرُ خِتامَ ما انتظرتُ مطلعَه:
أنتظِر مَوتَةَ نومِيَ التالية. أنتظرُ مَوتَةَ الموت.

 
يُضنيني النوم، وتُضنيني النجاةُ منه.
تُضنيني رحمتُه التي لا رحمةَ فيها؛ ويضنيني موتُه الذي لا يُميت (نعم، هكذا: مِن ضنى صباحٍ إلى ضنى ليل)
أُوقِعُ نفسيَ فيه هارِباً، مذعوراً، ومُستَعجلاً بلوغَ الصباح.
وإذْ يَقعُ الصباح، يُضنيني مجرّدُ التفكيرِ في نهارِه وأهوالِ مَصائدِه، فأستَعجِلُ وقوعَ الليل (يا للصباحِ - الليــل!) ؛ وإذْ يَقعُ الليلُ تَقع الرهبةُ ممّا يحملُه الليل (يا للّيلِ - الليــــل!).

 
وإذَنْ، ها -أخيراً- قد أَفَلَ النهارُ وكانَ ليلُه.
أُسَجّي رأسي -رأسَ جثماني- على وِسادتِهِ الشائكة.
وَ، كما في كلّ سُوَيعةٍ من "الغدِ" الذي خَبِرتُ وعانيت،
أُقفِلُ أجفاني على وميضِ بُروقِها
وَ أَتهيّأ لتأليفِ كوابيسي.

تعليقات