رولف ياكوبسن: صمت الشاعر الأخضر / تحسين الخطيب

رولف ياكوبسن: صمت الشاعر الأخضر

اختيار وترجمة: تحسين الخطيب


رولف ياكوبسن: صمت الشاعر الأخضر- بيت النص



رولف ياكوبسن (1907-1994) شاعر أرضي. يقيم في أرض القصيدة إقامتَه في الأرض التي يعيش هو نفسه عليها. يقبض على روح المكان، فلا ينقب في الأشياء التي تعيش فيه، بحثًا عن لقىً شعريَّة، وإنَّما في الصمت الذي يعشش في تلك الأشياء! ولهذا نرى، في ذلك الصمت، ليس القصيدة وإنما "فمَ القصيدة"، فحين يعم الصمت، لا بد للفم أن يتكلم، ولكنه لا يتكلم بصوت أجش أو مبحوح من طول الانتظار طويلا في الصمت، وإنما بصوت جلَّاه الصمت حتى بلغ أقصى درجات النعومة القادرة على أن تصدح بأعذب الألحان؛ ولهذا نراه يقول في قصيدة "نافذة ليليَّة": "لا يتلكم الموتى في قبورهم كثيرًا./ ربما الصمت هو الذي يعني شيئًا./ ربما لهذا السبب يمتلك فمُ القصيدة/ الصَّوتَ الأنعم من بين جميع الأصوات،/ كأنه العشب،/ أو الأغنية التي تحت الحجَر". ولكنَّ هذا الصمت (الذي لا يلتهم الصوت، وإنّما ذاك الذي يصقل جوهره حتى يشع نقيًّا طاهرًا في الكلام الذي سوف يُقال) هو صمت الإقامة الأرضية التي طال عليها الزمن حتى كأنه قد تطاول عشبًا، عشبًا للكلام الذي لم يُنطق منذ أمد بعيد؛ أو أغنية عتيقة، مخبوءة تحت الحجر، مثل تمائم الرعاة، ولم تنشد بعد، في انتظار أن يحررها الشاعر من منفاها، أو حتى سجنها، ذاك، كي تسمعها الأرض جميعًا! إنه ليس شاعر إقامة في الأرض، فحسب، وإنَّما شاعر إقامة فوق الأرض، كذلك.
وبما أن الصمت، في قصائد ياكوبسن، هو ذلك الصمت الذي ينقي الصوت؛ فلا بد له أن يكون: "الصَّمتَ الذي يحدثُ فيما بعد"؛ ولكن، ما هذه الـ "فيما بعد" التي يقع فيها هذا الصمت؛ في أي وقت لاحق؟ إنها اللحظة الآتية التي تحدث بعد أن يعود الشاعر إلى بيته (بعد أن يكون قد انتهى من كل شيء وخلع عنه جميع الأقنعة اليومية وأدران العالم) فيستقبله ذلك "الصمت البَعْديُّ" (صمت لحظة التَّخليَّ، تلك، عن العالم الخارجي وبرد علاقاته الزائفة) يستقبلة (كما يقول في قصيدة "الصمت الذي بعد"، من الديوان الذي يحمل العنوان ذاته، 1965 ("كأنَّهُ دفقةُ دمٍ دافئةٍ على الجَبينِ/ كأنَّهُ رعدٌ يُدوِّي/ كأنَّهُ دقَّاتُ أجراسٍ عظيمةٍ/ تجعلُ طبلةَ الأذنِ ترتجفُ،/ لأنَّ الكلماتِ لَمْ تَعُد موجودةً بَعْدُ،/ وأنَّ كلَّ شيءٍ سوفَ يتحدَّثُ منذُ اليومَ/ بأصواتِ الحجَرِ والشَّجر". إنه، إذن، الصمت الذي وُجد قبل أن تُوجَد الكلمات (ليس الصمت الذي كان قبل البَدْءِ: ليس صمتَ المَاقَبْل) وإنما هو صمت المَابَعْد: الصمت الذي وجد بعد أن تلاشت الكلمات. إن الصمت، هنا، ليس فاتحة الكلام، وإنما هو خاتمته التي سوف تنقي الصوت! ولا يُنقى الصوت إلا حين يستطيع أن يتخلى عن صوته هو (صوت المدينة الحديثة المصطنع) ويعود إلى حضن الطبيعة البكر فينطق بصوتها هي: صوت الحجر والشجر! ولكنَّه لن يستطيع التحدث بصوت الحجر والشجر إلَّا حين يستطيع، في المقام الأول، أنْ يعرف قراءة "الصمتِ الذي يعيشُ في العشبِ/ وفوقَ الحوافِّ السُّفليِّةِ لكلِّ عشبةٍ/ وفي المسافةِ الزرقاءِ القابعةِ بينَ الحجارةِ"— كما يقول في خاتمة القصيدة نفسها— وليس هذا، فحسب؛ وإنَّما يكون قادرًا، أيضًا، على قراءة "الصمتِ/ الذي يعقبُ طلقاتِ الرَّصاصِ وتغاريدِ الطُّيورِ./ الصمتِ/ الذي يفردُ بطانيَّةً فوق شخصٍ ميِّتٍ/ وينتظرُ في بيتِ الدَّرجِ حتِّى يغادرَ الجميع./ الصمتِ/ الذي يستريحُ مثلَ فرخِ طائرٍ بين يديكَ،/ صديقكِ الوحيد". ولا بُد لنا أن لا نغفل حقيقة أن ياكوبسن قد نزع في آخر هذه القصيدة (على خلاف البداية) إلى وضع كلمة "الصمت" لوحدها، في بيت قائم بذاته؛ وهي، في نظري، دلالة أخرى على أن الصمت الذي في الطبيعة هو صمت كينونة قائمة في حد ذاته: نقي من كل ما سواه (على خلاف صمت المدينة الذي هو مختلط بكل ما سواه) ولهذا فهو الصمت الذي يسعى إليه الشاعر كي نقي صوته من جميع الأصوات الأخرى!
ولكنَّ هذا "الصمتَّ البريَّ" (إن جاز لي القول) هو ذلك "الصمتُ الذي في جوف كلِّ الأشياءِ التي تَحدُث./ إنَّه وطأةُ الذي لَمْ يُقَل" (كما يقول في قصيدة "بلا صوت"، من ديوان "تمرين تنفُّس"، 1975). فكيف، إذن، يكمن الصمت في الشيء الذي سوف يحدث، وكيف يتواجد في الشيء الذي لم يأت بعد؟ الجواب كامن، بقوة، في البيت الثاني من القصيدة نفسها: إنه كامن في الكلام الذي ينتظر أن يقال: وحين يكون الكلام في مقام الانتظار فإنه يكون صمتًا خالصًا: صمتًا نقيًّا ينتظر أن يتحول إلى كلمات: ولهذا، فإنَّ صمت القصيدة، عند ياكوبسن، هو صمت في طور الكينونة المنتظرة! وتتجلى تلك الكينونة وتخرج من طور الانتظار المحض (الذي هو طور الكمون المحض في الغياب المحض) إلى طور الحضور الذي يشع في الطبيعة البكر، أوَّلًا، ثم تتجلى في أطوار شتى في تجليات الحياة المدينية وتمظهراتها المختلفة فيما بعد! ولكن الصمت في القصيدة عند ياكوبسن، ليس صمت الهدوء والسكينة، وليس صمت الخرس وعدم القدرة على الكلام؛ وإنما هو الصمت المشحون— منذ لحظة التشكل الأولى— بالكلام البكر على آخره، ولكنه ينتظر اللحظة المناسبة كي ينفجر؛ "فاللامتناهي لا صوت له"، مثل ما يقول في قصيدة "بلا صوت"، ولا شيء أكثر لا تناهيًا (وأشد توترا وكثافة) من الصمت الذي يكون في حالة الكمون!
وكان ياكوبسن في الأصل قد اقتحم المشهد الشعري النرويجي، بقوة، منذ ديوانه الأول، "الأرض والحديد"(1933) المكتوب بالشعر الحر، في قصائد تدور حول المدينة الحديثة، حتى بات يُعد أول كاتب حداثي ليس في بلده فحسب، وإنما في عموم الأراضي الإسكندنافية؛حيث كان أول من أدخل السكك الحديدية والقطارات ولوحات الإعلانات المضاءة بالنيون وخطوط الكهرباء وسباق السيارات الصاخبة وناطحات السحاب وكابلات الهاتف وأنظمة الصرف الصحي إلى الشعر المكتوب في تلك البلاد؛ ومن شدة اعتناءه بالطبيعة، في مراحل مختلفة من تطوره الشعري، واستلهامه الطبيعة البكر ودعوته الى العودة الى الطبيعة الأم، بعيدًا عن لوثة المدن وضجيجها المضر بالروح والجسد على حد سواء، صار يعرف بلقب "الشاعر الاخضر"! ناهيك عن تأمله العميق في موضوعات حداثية كالوحدة والاغتراب؛ فنراه يتحدث، ليس عن وحدة البشر واغترابهم، بل وعن وحدة الأشياء أيضا؛ كمثل حديثه في قصيدة بعنوان "الشرفة الوحيدة" (من ديوان "حياة سرية") عن تلك الشرفة التي "تعيش في أعالي مدينة كبيرة/ تحت الغيوم التي تلعب فيها الريح/ حيث لم يطأها أحد من قبل أبدًا/ بسبب البرد الشديد وطول العودة إلى الأسفل"، وكيف أنها كانت تعتقد بأنها "الشرفة الأشد وحدة العالم" فتدعوا الله كي يخلصها من وحدتها القاتلة، حتى جاء ذلك اليوم الذي ظهرت فيه فجأة "سقالات ضخمة صعد عليها رجال بشق الأنفس"، فقطعوا قرميَّة تلك الشرفة العالية من شجرة الهواء، ليحل محلها "لوحة أعلانية بأضواء نيون حمراء وزرقاء تروج لمشروب كحولي ذائع الصيت". وفي لجة الصمت المديني الهادر، يرسم لنا ياكوبسن، بعين الشاعر الذي يبصر بعين الصمت، ويسمع بأذني الوحدة، كيف تنام عجلات القطار— كما يقول في قصيدة "بلاد السكك الحديدية" (ديوان "الأرض والحديد")— وهي "تحضن رأس السكَّة"؛ وكيف "يصحو الحديد وهو يتثاءب" على لسعة أشعة الشمس حين تستيقظ!
فالوحدة، هنا، هي الشرط الوجودي للصمت (والعكس بالعكس) وهما (أي الوحدة والصمت) شرطان أساسيان لتلك "الحياة السرية" التي تعيشها الأشياء في القصيدة؛ وهي حياة "لا يستطيع أن يسمعها أحد"، كما يقول في قصيدة "ميتافيزيقا المدينة" (من الديوان المذكور آنفًا) وهو يصف الحياة الصاخبة التي تعيشها أسلاك الهاتف، على سبيل المثال! هنا، في هذه الحياة العصية على مسامع البشر، تستيقظ أرواح الأشياء الكامنة في جوهر الصمت الكوني الذي تدور في فلكه القصيدة؛ فتغدو الأشياء كائنات حيَّة، بكل ما في الكلمة من معنى، تمارس طقوسها اليومية، على أشد ما تكون الممارسة الحيَّة، وليست مجرد كائنات جامدة، كما يخيل للناظر اليها من خارج تلك الدائرة؛ فتارةً تكون الوحدة هي التي تنفخ نسمة "الحياة السرية" في الشيء؛ وتارة أخرى يكون الصمت هو الذي ينفخ نسمة تلك الحياة! وحين تنفتح الصورة أكثر، نرى كيف "تركع الجبال غامسة رؤوسها في ماء البحيرات" (كما في قصيدة "بحيرات المرآة"؛ ديوان "صيف في العشب"، 1956) وكيف تحلم الشجرة وهي "ترتدي الريحَ على كتفيها، وشعرُها الغيوم" (كما في قصيدة "شجرتي"؛ ديوان "قطار المسافات الطويلة"، 1951) وكيف "تصعد الكلمات من النوم"، من نوم الشاعر نفسه وهو يبصر، بعين القصيدة، "الظلالَ وهي تعبر فوق وجه حبيبته في الليل الذي بلا صوت" (كما في قصيدة "هل عرفتُك"؛ ديوان "مفتوح ليلًا"، 1985) وكيف "نفختِ الشلالاتُ في صُور الجبل" (كما في قصيدة "أفكار عند بحيرة وادي شيو"؛ ديوان "فكر في شيء آخر"، 1979) وكيف نسمع "الزمن وهو يطرق على الباب" كالغريب العائد من سفر طويل، ولكنه لا يطرق كي يٌفتح له، وانما كي يذكَّر بشيء ما، ثم يعود أدراجه (كما في قصيدة "اليكِ"؛ الديوان السابق الذكر) ثم نرى، في قصيدة "أنت أيها الطائر" (من الديوان نفسه) كيف يشعر الشاعر بأنَّ الطائر يعيش في نفسه، وكيف يفتح حناجيه في داخله، وكيف ينقر بمنقاره على قفصه الصدري، وكيف أنه حبيس هناك، ولكن يتوجب عليه أن ينتظر قليلا، برهة قليلة فحسب، حتى يتحرر ويخرج من ذلك السجن. ونرى أيضا كيف "تتقاطر دموع الرخام البيضاء/ فوق يدي النحات/ وهو يرفع أيام الصيف الباردة" (كما في قصيدة "النحات"؛ ديوان "صيف في العشب") ثم نبصر، في القصيدة الأخيرة التي نشرها في حياته، والتي كان قد كتبها أصلًا في شهر يونيو 1992 (قبل وفاته بنحو عامين) تحت عنوان "قصيدة على نهر غلوما"، كيف تمضي "الأيام حافية القدمين"، وكيف يخلع "النهر عن جبينه عصابة الأمل الزرقاء"!
بيد أنَّ صمت هذه الوحدة حين يتعمق، أو حين تتعمق وحدة ذلك الصمت، فإنَّها حتَّى المشاعر والأحاسيس تتجلى في القصيدة عند ياكوبسن، في ألوان كينونتها الأولى التي يصعب على العين المجردة أن تراها إلا بعين البصيرة: العين الجوانية للشيء الكامن بعيدًا في أغوار الصمت الكامن في أعماق النفس؛ فالألوان هي "الشقيقات الصغرى للكلمات"، على حد قوله في مفتتح قصيدة "كوبالت" (من ديوان "قطار المسافات الطويلة") كأن نرى الحزن، على سبيل المثال، وقد تجلَّى أبيضَ، بعد أن نتقَّى من كل سوء! هنا، إذن، لون كينونة الحزن الأولى هو اللون الأبيض، وربما نستطيع القول أيضًا، بما أنَّ الألوان هي شقائق الكلمات، أنَّ البياض هو الشقيق الأصغر لكلمة الحزن عند ياكوبسن؛ وتنسحب هذه الكينونة اللونية على الألم أيضا، الذي هو شقيق الحزن في العادة، ليس في القصيدة فحسب، وإنما في الحياة كذلك؛ فنرى "آلام العالم أجمع/ وقد غدت شمسًا بيضاء (كما في قصيدة "شمس ثانية"؛ ديوان "صيف في العشب)"شمسًا أضخم من شمسنا/ تعيش في مكان ما هناك خلف الضوء/ تلمع مثل ثلج ذائب/ في عيون المجانين"؛ مجانين العالم الذين يمتلكون قلوبا نقيَّة وارواحًا طاهرة! مجانين العالم الذي "يقبضون على الحكمة/ وتتفتح في أيديهم الزنابق/ الذين يمتلكون عيونًا كالثلج/ وأصواتًا خلف أبواب الحديد/ يشرقون بنور آخر". إنه البياض، بياض كينونة الأشياء الصاخبة في "حياة سرية" أخرى: بياض "الصيف الثاني الذي يحترق فوق الأرض"، كما يقول في قصيدة "الصيف المقلوب" ( من ديوان
حياة سرية") بـ "عشبه الأبيض وأشجاره المعلقة/ التي تتمايل بريح سرية"!
ويختم الشاعر رحلته العميقة، هذه، في الصمت والوحدة، بمانيفستو شعري بالغ الأهمية يعبر ليس عن رؤيته الشخصية تجاه العالم وأنما عن رؤيته للقصيدة التي ليست هي حقيقة وليست هي خيال على حد سواء، حين يقول في ختام القصيدة السابقة: "هل أعرفُ أين تكمن الحقيقة؟ هل أنا جذرٌ أمْ أنا تاج. أليس ثمةَ نجومٌ/ هناكَ أيضًا، قُدَّتْ مِن حجَرٍ يلمعُ بخفوت؟"
فلأجل كلِّ ما تقدم، أو لبعض منه على الأقل، صار ينظر الى ياكوبسن، بعد المجموعات الشعرية الثنتي عشرة التي أصدرها في حياته، بوصفه واحدًا من أعظم الشعراء الذين أنجبتهم النرويج على الإطلاق، ولكن تلك الشهرة، وذلك المجد، لم يكونا بلا كلفة حقيقة مريرة أبدًا: أدين بالخيانة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسبب عمله في الدوائر الصحفية التي كانت مقربة من الاحتلال النازي لبلاده (1940-1945) فقضى في السجن ثلاثة أعوام ونصف العام مع الأشغال الشاقة، ثم أفرج عنه، ولكنه منع من نشر أشعاره بأي وسيلة كانت، طيلةَ ست عشرة سنة! فعمل بائعًا للكتب مدة عشر سنوات، ثم صحفيًّا ومحرِّرا ليليًّا، حتى أعيد إليه اعتباره الأدبي لاحقًا، فنشر ديوانه الثالث، "قطار المسافات الطويلة"، في العام 1951، ثم ديوان "حياة سريَّة" في العام 1954 الذي عبر فيه عن "شفقته المتألمة على العالم الذي يدور من حوله" والتصوير البارع للمناظر الطبيعية النرويجية الوعرة، وللعزلة الشفافة التي تضرب بجذورها عميقًا في جوهر كل شيء، حتى بات يعد واحدًا من عظماء شعراء أوروبا على الإطلاق؛ فترجم شعره إلى أكثر من عشرين لغة عالمية، واختير عضوًا في الأكاديمية النرويجية للغة والأدب، وكُرِّم بأكثر من جائزة مرموقة على أعماله المختلفة؛ كجائزة النقاد النرويجيين، وجائزة الأدب الإسكندنافي الكبرى التي تمنحها الأكاديمية السويدية.

قصائد مختارة من أعمال رولف ياكوبسن

الكلمات العمياء

هي الكلمات التي يقولها العشاق بجلدوهم
في جوف فسحة الليل، حيث تكون الأفكار بلا شكل.
وهي الكلمات التي يشكلها المتحضر في جوف حلقه
ولا يقولها أبدًا قبل أن تحترق الشموع.
وهي الكلمات التي يقولها الجنين حين يحلم
بأصوات لا يستطيع سماعها وألوان لا يعرفها.
وهي الكلمات التي تقولها الريح إلى الشجرة
والتي تقولها الأحزان إلى قلوبنا.
وهي الكلمات التي كانت هُنَا قبل أن تخلق الكلمات،
الكلمات التي صُنعتْ منها الأرضُ
والتي تزفرُها النجومُ نُورًا
في تنفُّسِها السرمدي.

ذاكرة الخيول

الخطوط التي في أيدي المُسنِّين
تنحني على مهلها ثم سرعان ما تشير إلى الأرض.
يأخذون لغتَهم السرية معهم إلى هناك،
كلمات من غيوم وحروفًا من رياح،
وجميع العلامات التي يجمعها القلب في سنوات القحط.
يُبَيَّضُ الحزنُ ثم يستدير إلى النجوم
ولكنَّ ذاكرة الخيول، وأقدام النساء، والأطفال
تتقاطر من وجوهم إلى مملكة العشب.
نستطيع غالبًا أن نرى في الأشجار الكبيرة
صورةَ سَكِينةِ خواصر الحيوانات،
والريحَ ترسم في العشب، إنْ كنتَ سعيدًا،
أطفالًا يركضون وخيولًا تركض.

الغيوم

الغيوم تتدحرج.
صامتةً كالسائرين في نومهم تواصلُ الغيوم
القدومَ من الأبد،
كومةً خلفَ كومة وصفًّا إثرَ صف،
فتغيِّر الألوان على الأرض.
وفي بعض الأيام يكون الجو باردًا— في مكان ما.
وفي بعض الأيام يكون دافئًا— في مكان ما.
ثمة وادٍ يحمرُّ في الشرق،
وثمة واد يزرقُّ في الغرب
إلى أبعدِ ما يستطيع الوصول إليه.
الغيوم تتدحرج.
كومةً بعدَ كومة
وصفًّا إثرَ صف
فتغيِّر الألوان على الأرض.
والنهار يسافر في نفق، هكذا:
رَمْشَةً، رمشة، رمشة.
وتحتَ وَصَاوِصِ الأبوابِ يخرج رجل ويقول:
"لا بُدَّ أن يكون هذا الصيف جميلًا".
وتحتَ شرائط الظلال تصير الأرض رماديةً كالقبر.
الغيوم تتدحرج.
والغيم- المحيط يتحرك.
مكلَّلًا بالشمس،
محاطًا بالزبد، طبقةً بيضاء
إثر طبقة.
ثم يُصفِّي الضوءَ على الناس
ويرسمُ لونًا جديدًا فوق وجوههم.
بعضُها يغدو أحمرَ كالدم.
وبعضها يغدو شاحبًا كالفطر في الغابة.
وبعضها يغدو أبيض كالثلج
والبعض الآخر أصفرَ كالعسل.

من مجلة "كتاب" الصادرة عن هيئة الشارقة
تعليقات