مختارات إبراهيم شكر الله
لوحات : كنعان
إعداد: كريم عبد السلام
غزلية
قلت أجدل لك شعاع
الشمس قلادة
يا حبيبتى
قلت أصنع لك من
زغب الليل فِراشاً
يا حبيبتى
قلت أعصر الأبدية
قطرة أضمخ بها جسدك
يا حبيبتى
قلت أودع ضحكتك
المزهرة قمقم القلب
يا حبيبتى
ولكن الشمس توارت
الليل تناثر من حِمم
المدافع
الأبدية تجثو على
رمال الملل
القمقم يعبث به
الموج
ما لصوتك المرح
يبتعد؟
ما لأوراق الشجر
تسقط؟
لمن النعش المذعور
مثل بَغىّ فى ليل
الشوارع؟
الشاعر والمدينة
عمدان قديمة
لمساجد جديدة
حطب جديد لنيران
قديمة
بيوت تنهار لتبنى فوقها
بيوت
والبيوت تمتد
وترتفع وتتناكب
تنفث أنفاس الثوم
فى أفواه بعضها
تستند على أكتاف
بعضها
تحت قاهرة المعزّ
مائة مدينة منذ
منف
هذه مدينة عنيدة
صابرة
من جراح بيوتها
الفاغرة
تفوح رائحة الخبز
وتخثر البول
يتدلى الندم من
السقوف
مثل عناقيد العنب
السوداء
العذاب يتسلق
الجدران
ينسل بين الشقوق
يتحرك فى الضحكات
الخابية
وهنهنات الصمت
أجساد مسجاة على
مائدة التخدير
حيث يعى العقل أنه
لا يعى شيئا
أردت أن أشد
المدينة حولى
أتمنطق بجراحها ،
أتسربل بعذاباتها
ألتف على صدرها
مثل الغدير على الحصباء
مخترقا قلاع الشجر
متجاوزا الأسوار
العشر
لنزق الحكام
ونزواتهم
لقصورهم المطلة
على السهول النفساء
الحجارة وألواح
الصلب الملساء
والزجاج المصقول
فرأيت سكانها
كناقهين
جالسين على حافة
الأسرة
متكومين فى
الردهات
يتأملون فى بلادة
السأم
انبهار النهار
البغاث يرف على
سطح البركة الآسنة
يشرأبون فى متاهات
أحلامهم
لميتةٍ عنيفةٍ
تصطك لها دروب
المدينة
توقظ السماء من
هجعتها
مثل كلب هرم ينهض
للقاء سيده
ثم يرقد هازا ذيله
نابحا فى استخذاء
أطبق سكان المدينة
جفونهم
على عيونهم
المغتلمة
لحم ينغل فيه
الدود
وأنا نازل المنحدر
أعالج اللفظ الصدئ
من جديد
كل معالجة بدء
جديد
وفشل جديد
بمضاجعة للألفاظ
الخامدة الحس
اغتصاب للمعانى
التى فقدت معناها
غزو لعجمة الروح
بأسلحة مفلولة
خائضا لجاج
المشاعر المتناقضة
جحافل العواطف التى
اضطربت صفوفها
نتن اللغة ولغوها
تحولت إلى الدروب
المهجورة
الهاربة من تحت
قدمى
أطرق أبواباً
موصدة لم تولج بعد
متعثرا فى الخرائب
مثلما تتعثر أقدام الخيل المبقورة بأحشائها
أسعى لانتشال ما
ضاع فى العرصات
انتُشل ثم ضاع
المرة بعد المرة
أحاول ضم الأجزاء
المحطمة لبعضها
ألم أطراف المدينة
وربوعها
أرص شذرات الماضى
إلى أكوام الحاضر
لأجد الماضى خداعا
والمستقبل بلا
مستقبل
والحاضر صك المذلة
لا تأمن فيه القدم
الانزلاق
يتردد فى مفازاته
عواء الذئاب
وينتشر العوسج على
منافذ البيوت
وفى ردهات الأذهان
أين وجهك؟
نبع المرح
قلعة الجلال
الخيل الصاهلة
والنافورات
الشوارع المرشوشة
عند انحدار الشمس
والرقص الرقص
دغدغة الموت وغدره
حين قالت الحجل
تواروا ، تواروا
فأغصان الشجر
حافلة بأطفال
عابثة
يغصون بضحكان
مكتومة
تواروا ، تواروا
فحول النار
المزدهية
تجمعت الصبايا
للسمر والرقص
ودق الدفوف
البيوت جميعها
جرفها السيل
الراقصات نزلن
وراء الكثبان.
موقفُ الطير
نافذة فى الشمس
كان حبنا
رُقْية نرد بها
عقم المواكب
نسمة نحرك بها
سفينة الدنيا
المكسورة الشراع
أشهدك خلال شواشى الذاكرة
مغروسة الأظافر فى
جلدى المسلوخ
وجهك الضاحك
بعرامة العشق
جسدك جدائل
الأغصان
نسائم المساء
نبيذك المخبوء
تنضح به شفتاك
تنهيدة الورد
تنضح به شهقات
شهوتك
وملح دموعك
عتمة رحمك
ترتوى من عروق
الأرض
تملأ خواء الليل
بخرير العشق
ورؤى الشطآن
البعيدة
حبنا الوارف هذا
شيع
دون شموع أو
ترانيم
نباتات ضارية
نبتت فى أغوارك
أحلام مستحيلة
شهوة أن تمزقى
زيف العالم
تمزقى حجاب الصمت
فى وطن أبدى الصمت
تمخضين بالطيب
وديان مخضبة بالدم
الدموع تأسن فى
تجاويف المقل
جراحى تنز فيها
هوام الأرض
بينما الأزهار
تستدير مع قرص الشمس
وجهى ليس وجهى
فهو لا يبكى حين
أبكى
قلت سأموت مع مقدم
الشتاء
ولكنى أموت كل يوم
ميتات صغيرة
النجوم تتزاحم
وتمد شباكها
الجراد الجائع
يجتث عشب الحقول
القمقم المختوم فى
قاع البحر
يرتج من عويل
الإنسان
المحبوس فى داخله
الراهبة دميانة فى
فراشها
تترقب القيامة
تترقب تترقب
عالما بدون عشق
بدون مضاجعة
بدون إثم
بينما السواقى
تدور وتئن
مغروسة فى صدرى
يدى الخرساء ولغت
فى جريمة الصمت
قلت إن فعل الحياة
يدمر الحياة
واخترت أن أقتل
نفسى
الآن وقد انحسرت
عنا موجة العمر
أقر أنك فى السجن
ثانية
جسمك المكدود لا
يزال
مفعما بشراسة
الفرح
أصابعك المغضنة لا
تزال
تنحت الصخر
فمتى نبحرفوق
الأجساد الغرقى
متى نسكن قرية
الطيور المهاجرة
موقفُ العشق
إذ اصطفقت ضحكات
الفتيات
عند منحنى الطريق
مثل طائر ضرب
الماء بجناحه ثم صعد محلقا فى عمود الشمس
عند المنحنى، عند
تداخل الظلمة فى النهار
واختلاط النور
بالظلال الراقصة
على العتبات، بين
السجف الملونة ، مثل قطع الفضة
مثل البلور
النضيد، مثل تخت سليمان
يحف به أربعون،
كلٌّ حاملٌ سيفه على فخذه
من هول الليل
رقرقات جدول نضير
تنهدل بين يدى جبل
الشيخ
المكلل الهام
غفوت من الغفوة،
استيقظت من الصحوة
صعدت بين الناس
ورددت الخمار
عن العين الغافية،
ومددت بصرى وسمعى
وراء الوراء، خلف
الخلف ، إلى أفق الأفق
حيث انتشرت أوراق
اللوتس
ونشر الألباتروس
جناحيه الكليلين
فوق السارية
الكسيرة
عندما صلب النهار
فلمحت الأعين
البارقة من خلال الشجر
وسمعت وقع الأقدام
الصغيرة على الحصى
وهمس متكسر بأسرار
وعبير عطر آت من
بعيد
فما أن اندفعت
أستجيب للنداء
آخذ أختى العروس
فى جوانحى
حتى أحاطت بى
تهاويل اللبلاب
وتعثرت رجلاى
بالحصى وأدمى الحسك يدى
ووجهها الباكى
يختفى عند المنحنى
يختفى بين أمواج
البحر
فى درب الظلام
أفكلما سقط شعاع
من السماء سنى
أو تفتح فى الندى
وجهك الفضى
مسنى الضر وأصابنى
-ربى – البلاء
موقفُ البحر
أشجار الزيتون
واللوز الفضىّ تمتد حتى الشاطئ
ودونها قوارب ذات
شراعات مسدلة
طافية كسجحات
الخيال وأطياف الليل
وغمود أيار الذهبى
تلف قيلولتنا
بأحلام العشب
وقواقع البحر
مثل أوراق الشجر ،
مثل الحصى ، تمضى الأعوام
أذكر النوتية وهم
يغنون للآفاق الأربعة
ورياح الشمال
موشومة على صدورهم
كنت أتطلع بعيدا
حينما رأيتهم
مقبلين فى لون
الفجر
وعمر البحر فى
عيونهم
وفتوة الشمس فى
أجسادهم
عما كنت أبحث
فى بطون كهوف
البحر
فى هذه الرؤى ذات
الألف بهو
حيث يضرب الريح
بزبده الفوار
حيث مارد أزرق حفر
اسمه على صدرى
وذر الرمل على
رأسى
وهمس فى أذنى
"لا تهب
البحر فتموت
ولا تلقى بنفسك
فيه فتموت"
أحسست انسدالة
الأسى
ومددت ذراعى
لأضم جسدك من
الطين والإثم
مثل يوم الخليقة
الأول
وكان عيد تموز
والحصاد
فرأيت ندبة على
شفتيك
وآثار أظافر فى
وجنتيك
صنعها الزمن
وفتيان البحر
فهجرتك
اندلاع الريح يغمر
البيوت البيضاء
يبدد المشاعر
البيضاء المنتشرة
على صفحة السماء
ويطفئ الابتسامة
المتألقة على شفاه الأطفال
جلست على الرمل
أنظر البحر
وأصرخ لحرية الريح
الهوجاء
وأحلم بخصرك الذى
هصره الحب
وقواقعك التى تردد
أصداء الموج
مرثيةٌ للمساء
سأغلق الباب
إذا اشتدت الريح
سأطفئ النور
إذا تسارعت
أرجل العساكر
على الدرج
الناس فى شوارع
المدينة
يحملون قطع الليل
الممزقة
الصمت يهبط ثقيلا
على آخر عابرى
الليل
الأحلام تتدحرج
على نواصى الأرصفة
الساعات تنتهى
كل شئ يلفه
النسيان
إلا الخوف
الشراع الغارقة
تود لو تمسك
بالنجوم
القلوب المكبلة
تحلم برفرفة
الأجنحة
فإذا انفجرت خيوط
الفجر
استيقظ السمان
من أحضان الغصون
يفتدى الزمن
تلملم أجنحته
قطرات الندى
يحلم بالشواطئ
القصية
تناديه
أورفيوس
أهذه أغنيتك
الأخيرة يا أورفيوس
مهترئة الحواشى
مرهقة الأنفاس
ضائعة وسط سعال
الرجال
وسط تهتكات كاهنات
باخوس
واقفات ينقنقن فى
الأركان
ينقلن أرجلهن فى
قلق
وقد وخط الشيب
باروكاتهن
هذا طير السمان
تملأ جحافله صفحة السماء
لا يصغى للحنك بل
يمضى وراء أسوار البحر
ما بال قطعان
البيادر لا تجلس عند قدميك
والأشجار لا ترقص
أين الصبية التى
كانت تلعب بدميتها فى التراب
الغجرية مثقوبة
الشفة تقرأ الغيب فى الودع
أين تغامز الصبايا
عندما جلحلت
زغرودة لابسة
الملس
أين السحاب يطارده
القمر؟
يا نواطير الدرب
حفاة القلب
الكلاب تنبح عند
مداخل الكفر
عتريس ورجاله
متربصون فى عيدان القصب
الطير هارب مكسور
الجناح
بعد أن تحطمت
أعشاشه
صمت السموات انفطر
من ولولة النسوة
فى الدوار
الشمس تلعق نوافذ
البيت
تحرق الحناجر من
الظمأ
ترمقنا بحدقة لا
ترف
مثل جوارح الطير
"كيف يعيش
الإنسان
الذى ولد فى لحظة
عبث
ليجد نفسه فجأة
وقد شاخ؟
من هذا المقبل من
بعيد؟
أهو أورفيوس
الجميل
الذى كنا ننتظر
عودته
هذا الوجه الكسيف
المغطى بالبثور
هذه القامة
الحزينة
لابسة ثوب السجن
ما باله لا يحمل
غير ظله وعصاه
وطاقية الهوان؟
لماذا يخرج من
زحمة الناس
ليقف صامتا وسط
الميدان
ويسقط على الأرض
من رصاصة الغدر
ناسيا أن يشهق
بصرخة الموت؟
النهار يفرغ جيوبه
يعد دنانير يومه
ويغمض عينيه من
غشاوة الشمس.
حوار
-أنا بخير ، شكراً
قوارضى تلوك
وبرأسى بقية من
شعر
قد لا أبدو مثل
إنسان مقبل على الحياة
ولكن الحياة
صاحبتنى قليلا
رقصت مرة وارتفع
صوتى بالغناء مرات
ولكنى الآن إنسان
رزين
ألبس حلة قاتمة
وأمسك بيدى عصا
أتمشى قليلا على
الكورنيش
وأرشف فى وقار
عصير الليمون
فى شرفة النادى
المسماة بالبيثون
-طفولتى؟
لم أعذب الطيور
لم أنزع البيض من
أعشاشه
لم تطأ رجلاى
العشب الغرير
أحببت الزهور
والأرض السوداء المحروثة
ومياه النيل
الصاعدة من أغوار الدنيا
وفى الأحلام كنت
أرانى أسير
فى خضم الناس
عريانا
-أسلافى
؟
حين كانو يبنون
طيبة
قفزت التماسيح
الساكنة فى النيل
وعششت فى رؤوسهم
وأفرخت جباة
الضرائب
وحاملى سيتط
لم يداوهم كاهن
آمون
فقد كان غارقا فى
مشاغل التحنيط والطقوس
ابتلعت الرمال
طيبة
وأنزل فرعون
التابوت
ولكن الجباة لا
يزالون
فيا لأيام المجد
الغابر
يا لأبطال الزمان
-سأحدثك عن هذا
أيضا
قادنى قواد إلى
فراش بغى
ملطخ ببقع البق
الحمراء
أردت أن أسألها
عن سنين بكارتها
ولكنها فتحت
فخذيها
وتثاءبت قائلة:
كان القطار يجلجل
على القضبان
يحاور مجرى النيل
يعدو بجانب
الغيطان
ثم اخترق منامى
وانتهك جسدى
-بلى ، هناك نساء
أخريات:
عذارى أنقذتهن من
التنين
فاغتصبهن العبيد
وامرأة أركبتها
فرسى
فدفعتنى من على
ظهره
وواحدة أحبتنى
فقتلتها عند حافة
البئر
أوثر من الطعام
القثاء والثريد
مطهوين بندى الفجر
بصلصة من عبير
الربيع
ثمت سبع وخمسون
نوعا من السرطان
مفهرسة، مرصوفة
إلى جانب بعضها
تغزو الخلايا
فتختبل بلوثة النمو
وثمت أيضا
استشعارات عن بعد
وأجنحة تفوق سرعة
الصوت
وأنظمة تحتية
للجنس
ومراكز شبقية
وطرقات علوية
وقواعد عسكرية
وقروض ائتمانية
أضحك؟
بلى ، ولكنها
ضحكات مغمضة من التراكوما
مغطاة بالبثور
وبلل التبول فى
الفراش
أعيش؟
فى العروق الخضراء
لإعلانات النيون
فى البحار
المتلاطمة للماضى
الزمن نفد صبره من
طول انتظارى
يصهل ويضرب
بحوافره
ويجزّ على اللجام
