(3) جورج حنين .. المتمردُ الأبدى
كريم عبد السلام
- جورج حنين ظل ملهما بشعره وأفكاره لجميع
التيارات التجريبية فى مصر منذ الثلاثينيات
- الأسس التى قامت عليها قصيدة النثر
المصرية سبقنا إليها جورج حنين قبل سبعين عاما
- الهامش الذى كان يمثله جورج حنين
ورفاقه أثبت أنه أقوى واشد تأثيرا من المتن العالى الصوت
- جورج حنين اكتشف الطريق إلى ابن عربى
والكتابات الصوفية قبل أدونيس بثلاثين عاما
جورج حنين ..
المتمرد الأبدى ، العابر للثقافات ، عدو الرداءة ، العدمى الملهم ، فارس الحرية ،
المتجدد ضد نفسه ، السوريالى الكونى ، صاحب الأحلام التى تغطى العالم ، المقاطع
المحترف لكل عمل جماعى ، الفوضوى الساخر ، قناص التقليد والإتباع ، عدو الأدب
الملتزم ، الباصق على الكليشيه، حامل لواء الأدب المنحط فى مواجهة كل استبداد أو
فاشية أو تعميم ..
دائما ما نتخيل
نحن الشعراء الأصغر سنا جورج حنين على صورة الشاعر النحيل نصف الملاك ، بجناحين فى
ظهره تمكنه من الطواف حول العالم ،ونظارات سميكة تنفذ إلى ماوراء الأشياء لتدرك
طبيعة العدم الكامن فيها ، وسيجارة مشتعلة دائما فى زاوية فمه للتذكير بالرماد
الذى تتركه الكلمات فى رحلتها القصيرة إلى المنبع من جديد
لو ظللنا ننحت
الأوصاف التى يمكن أن تقترب من جورج حنين أو تضاهيه لن ننتهى منها فى الحيز
المسموح لنا به هنا ، لكننا سنسعى للاقتراب من أحلامه التى بدأها باتساع العالم
وانتهى بها وحيدا فى قطيعة مع الأممية السوريالية ومع كل الحركات التى أسهم فى
تدشينها ، قبل أن يقرر الاعتزال فى منفاه الداخلى بحى الزمالك حتى العام 1960، ثم
القفزة الأخيرة أثينا - روما باتجاه المنفى الكامل والموت فى باريس 1973
الأب الروحى
على مدى سبعة عقود
كان جورج حنين (1914-1973) الشاعر المصرى الذى يكتب بالفرنسية ، ملهما لكل الحركات
الشعرية التجريبية التى أتت من بعده فى مصر، كيف وهو الذى آثر فى سياق حرصه على
الحضور العالمى أن يكتب وينخرط فى الثقافة الفرنسية ، الفرانكفونية إذا صح التعبير،
والتى تشمل دوائر التأثير والقراءة فى كل البلدان الناطقة بالفرنسية وليس الوسط
الثقافى الفرنسى فقط؟
ربما لأن إجادته
للعربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية مكنه من الاتصال بسهولة مع مختلف الفئات
والتيارات المثقفة فى مصر خلال الثلاثينيات وما بعدها ، وربما لأن صداقاته الأولى
مع رفقاء التكوين والأحلام الأولى وأعضاء أول حركة سوريالية مصرية ، مع إجادته
للعربية ومتابعته للشأن الثقافى والسياسى المصرى ، هو ما مكنه من أن يكون أشبه
بالشاعر المجنّح ، كما شبهه أندريه بريتون ، جناحه الأول فى الشرق (مصر) وجناحه
الثانى فى الغرب (فرنسا والبلاد الناطقة بالفرنسية) ، ومن هنا جاء تأسيسه للحركة
السوريالية المصرية "جماعة الفن والحرية"، فى عام 1939 استجابة للشاعر
أندريه بروتون ودعوته " من أجل فن ثورى حر"، بمشاركة رمسيس يونان وكامل
التلمسانى و فؤاد كامل وأدمون
جابي، وإيميل سيمون، وأنجلو دي ريز.
وقبل ذلك بخمس سنوات كان جورج حنين شديد
الفاعلية فى الثقافة المصرية ودوائر النخبة من خلال المحاضرات الملهمة للشباب حول حركات
التجديد فى الأدب الفرنسى والتيارات الحديثة فى الشعر والفن التشكيلى والإبداع
عموما ، وفى مواجهة الرداءة والتقليد والإتباع وفى ضرورة الثورة على ما هو راكد
وتقليدى فى الثقافة ، لمسايرة التيارات التجديدية فى العالم الحديث
فى تلك الأثناء كتب جورج حنين
داعيا لاعتماد مفاهيم السوريالية قائلا :"لو
أننا نظرنا عن قرب لوجدنا أن السوريالية هى التجربة الأكثر طموحا في عصرنا ، فهى
تواجه كل أشكال الإنغلاق و الظلامية، وتعرض الأصوات الجديدة والأصيلة التى تعيد
الاعتبار إلى ما وراء الذاكرة وما وراء الوعى ، كما أنها لا تكتفى باعتماد حرية
الفكر وإنما تحرض عليها باستمرار "
مبررات الوجود
كان جورج حنين ملهما لزملائه فى
الحركة السوريالية المصرية ، كما كان ملهما لأقرانه فى الحركة السوريالية الأممية
، فإذا كان أندريه بروتون يعتبره الأذكى بين رفقائه من الكتاب والمبدعين
السورياليين والأكثر تحملا للمسئولية ، فإن الزملاء من مؤسسى الحركة فى مصر استلهموا
قصائده فى أعمالهم الفنية كما أخذوا على عاتقهم ترجمتها ونشرها لتصدر بين الفرنسية
والعربية بالتزامن ، ونرى فى لوحات رمسيس يونان وكامل التلمسانى محاولة جادة
للتعبير عن المعانى التى يمسك بها جورج حنين ، كما نجد تلك النصوص حاضرة بقوة وسط
النخبة المصرية فى الثلاثينيات والأربعينيات
نشر جورج حنين ديوانه "لامبررات
الوجود" فى العام 1938، الذى حقق انتشارا ونجاحا بين باريس والقاهرة ، و تعاون مع مجلة "دون
كيشوت" بين عامى 1939 -1940، وأصدر مع مجموعة السورياليين المصريين نشرة الفن
والحرية ، وتعاون مع مجلة التطور لسان حال جماعة الفن والحرية التى رأس تحريرها
أنور كامل ، كما تعاون مع مجلة " المجلة الجديدة" التى رأس تحريرها
رمسيس يونان بين عامى 1942-1944، قبل أن يصدر ديوانه " المتنافر" فى
العام 1949 بعد عام واحد من قطيعته الشهيرة مع الحركة السوريالية الأم ومع جميع
فروعها فى بلدان العالم.
كان جورج حنين أشبه بالنهر الذى يشق الصحراء وحيدا بعيدا عن الدلتا ، لكنه كان يحمل إغراء بالقدوم إليه والنهل من مائه ، كان الهامش المؤثر فى المتن، أكثر من التيارات الظاهرة فى ذلك المتن ، وظل كذلك لعقود طويلة متتابعة ، فقد كان توهجه واضحا للجميع كما كان تأثيره مؤكدا على جميع الحالمين بأدب جديد من منتصف الثلاثينيات، عندما بدأ يدعو إلى رفض الواقع فى الأدب باعتباره غير حقيقي وغير منطقى ، وعلى العكس من ذلك اعتبر اللاواقعية والأحلام وتأثيرات اللاوعى أكثر صدقا واقترابا من الحالة الإبداعية ، أما العنصر الأكثر جاذبية لدى جورج حنين ، فهو التحريض على العنف فى الأدب بالدعوة إلى إزالة كل أشكال التقليد والإتباع وخوض المعارك مع أصنام التقليد المكرسين وتحطيمهم ، كما فعل هو فى معركته مع سارتر وما يسمى بالسارترية ، وتأسيس أشكال جديدة للقول والخيال والكتابة تقوم على أسس جديدة لا تنتمى لأى شكل من أشكال الاستبداد
يحيا الأدب المنحط
عبارة "يحيا الفن المنحط" شعار تاريخي
شهير أطلقته جماعة "الفن والحرية" السوريالية في مصر عام 1938، وكان
الهدف منه تحدي النازية وأبواقها الذين وصفوا التيارات الجديدة مثل السوريالية
والتعبيرية بأنها نوع من الأدب المنحط ، مع إعلاء الأدب الملتزم الذى يعبر عن
شعارات الأنظمة النازية والفاشية وكذلك الأنظمة المنضوية تحت لواء الماركسية
الستالينينية ، فقد كان العالم المستقطب فى تلك السنوات قبيل الحرب العالمية
الثانية ، ينقسم على مستوى الثقافة والتعبير إلى معسكرين كبيرين ، معسكر التعبير
عن القيم الشمولية الزائفة والسطحية والتى انهارت معظمها بعد الحرب العالمية
الثانية ، أو بدا للعالم زيفها رغم استمرارها لعقود بعد ذلك مثل الشعارات الأممية
السوفيتية ، والمعسكر الثانى الذى كان يموج بدعاة التمرد والفوضوية وأشكال التعبير
المنتفضة ضد أهوال الحرب العالمية الأولى والتى كان المصير الإنسانى فيها واضحا من
خلال ملايين القتلى والجرحى والعاطلين والمرضى النفسيين والراغبين فى الانتحار
والكافرين بالمجتمع
الكتابة الآلية
الكتابة الآلية والكتابة تحت
تأثير بعض العقاقير المخدرة ، ضمن آليات استحدثتها السوريالية لإطلاق العنان
للاوعى فى الكتابة وإزالة الكوابح وأشكال الرقابة الذاتية التى تتحكم فى الكاتب ،
وكان جورج حنين من الشعراء الأوائل أصحاب التمارين فى الكتابة الآلية مع الشاعر
الفرنسى الشهير هنرى ميشو، ونشر فى ذلك رواية تجريبية بعنوان " النومين
الهارب والمنبعث حيا" ، والتى تمثل تنويعا على الفكرة الفلسفية لإيمانويل
كانط حول مفهوم النومين (Noumenon) أو الشئ فى ذاته، ما يمثل الحد الفاصل بين ما يمكن لعقولنا
إدراكه وما يتجاوز حدود تجربتنا الحسية.
كان الاعتقاد السائد قبل كانط
أن العقل يمكنه إدراك حقيقة الأشياء كما هى فى الواقع ، ليأتى كانط ليقلب الطاولة
ويقول بأننا لا ندرك الأشياء على حقيقتها أو فى ذاتها ، وإنما ندركها كما تظهر لنا
، مفرقا بين أمرين : الظاهرة " Phenomenon" وهى الشئ الذى ندركه بحواسنا وننظمه بعقولنا فى الزمان
والمكان ، والأمر الثانى هو النومين "Noumenon" أو حقيقة الشيء وجوهره المستقل عن
تجربتنا وحواسنا
ويرى كانظ أننا لا نعرف حقيقة
الأشياء لأن عقولنا تعمل كمصفاة تسمح لنا برؤية العالم من خلال مقولات مسبقة أو
أطر سابقة التجهيز مثل الزمان والمكان والتجربة ، أما النومين "Noumenon" الذى كان يسعى وراءه جورج حنين فهو
العالم الذى يجاوز التجربة ، الواقع الموجود فى ذاته ولا يمكن البرهنة عليه علميا
، وهو يمثل الحائط الأول أمام العقل البشرى الذى لا يستطيع تجاوز التفكير فى
الظواهر ، ومن ثم فقد سعى جورج حنين إلى تحييد الأطر والمقولات الجاهزة التى نرى
من خلالها العالم والوصول إلى الواقع المستقل ما وراء العقل وذلك من خلال الدعوة
إلى تحرير الخيال السجين واستخدام العنف مع كل الأشكال التقليدية فى الكتابة
بتحطيمها ومحوها للبدء من جديد بدون أثقالها
الكتابة الآلية إذن ، كانت إحدى
محاولات تحرير العقل من الظواهر التى تسجنه وتؤطره وإطلاق قطار الإبداع بدون فرامل
ولا محطات ولا زمن قيام ووصول ، لحظة ديمومة من الكتابة الحرة المتواصلة ، وعندما
تعتاد الحواس على تلك الآلية فى الكتابة ولو للحظات قليلة تنقلب العواكمل المتحكمة
فى الت\داعى والخيال ويصبح اللاوعى هو المسيطر على الوعى ، تماما كما يحدث فى
الأحلام والمنامات ولكن هنا الأمر يحدث مع اليقظة التى قد تفضى إلى المستحيل أن
ترى الإرادة الخلاقة نفسها وهى تعمل على موضوع الخلق أو يتحرك الإنسان فى بعد ثالث
غير الزمان والمكان
الاستقلال الروحى
فى الثلاثينيات من القرن الماضى
، كانت مدهشة التفاتات جورج حنين إلى عيون الأدب الصوفى المكتوب بالعربية وخصوصا
مؤلفات الشيخ الأكبر ابن عربى ، بحثا عما أسماه " الاستقلال الروحى"،
يأتى ذلك قبل أكثر من عشرين عاما على ظهور التأثيرات الصوفية فى قصيدة التفعيلة
المصرية (صلاح عبد الصبور الأكثر عمقا وتجربة وخيالا) ، وقبل أن يؤمم أدونيس
التجربة ويربط بين الصوفية والسوريالية ويعلن متأخرا عن اكتشاف "المواقف
والمخاطبات" للنفرى ، من خلال نشر كتاب المستشرق
البريطاني آرثر جون آربري عن "المواقف والمخاطبات" الصادر في العام 1934،
من خلال مجلته "مواقف"
التفاتات جورج حنين لنصوص ابن عربى لافتة ومدهشة ومبصرة ، ولنا أن نعرف أنه
لولا إشارات ابن عربى عن النفرى والمواقف والمخاطبات لما تم توجيه أنظار الباحثين
إليه والعثور على مؤلفه النفيس ، يرى جورج حنين أن الخارج مكشوف تماما ولايحمل أية
حقيقة ، وأن على المبدع حتى يعثر على الحقيقة أو بعض من آثارها أن يعكف على كنوز
الداخل ، وهنا الجسر الذى يربط بين جورج حنين والشيخ الأكبر ابن عربى ، فمن خلال
تعليقات جورج حنين فى الثلاثينيات والأربعينيات ، نجد اهتماما كبيرا بكل ما يترجم
فى الفرنسية من أعمال ابن عربى ، كما نلمس اهتماما بكتاب المفكر هنرى كوربان "الخيال
الإبداعي في تصوف ابن عربي" وما يفيض منه من نور غير عادى وحكمة مقطرة .
يقول جورج حنين: " إن تأملات ابن عربي الفلسفية ليست نظرية يحاكمها
المرء باستسهال. إننا معتادون على حركية الأفكار وليس ذلك هو ما سوف يربكنا. لكن
الأمر، عند ابن عربي، إنما يتعلق بشكل من أشكال الأسطورة المجسدة، هو شكل أسطورة
إنسانية تنزاح، وبانزياحها المتواصل، تستولي على الروح وتجرها إلى اكتشاف ذلك الذي
قد لا يُعطى لها أبداً. إن ابن عربي لا يتجاوز الفكرة. إنه يدفعها إلى الارتداد
باتجاه الحياة التي هي عبارة عن تناقض، وحيث يملك الإنسان أيضاً حق اختيار الخطأ"
– ترجمة بشير السباعى
لقد وجد جورج حنين فى كتابات ابن عربى تلك الحقيقة التى ظل يبحث عنها وراء
الظواهر ووراء الأطر والمقولات التى تسوق العقل فى طرق معبدة ومسارات سابقة التجهيز،
هذه الحكمة المقطرة المعطاة لا يمكن أن يتوصل إليها العقل التقليدى أو العقل
المدجن أو العقل الغارق فى القشور، ويحيا تحت القصف الزائف طوال الوقت
لكأن جورج حنين ، الأب الروحى ، المتمرد الأبدى ، عدو الرداءة ، يدعونا نحن
الشعراء إلى اعتماد التمرد الدائم على كل كليشيه والبحث عن الجديد دائما وعدم
الاستسلام إلى التعميمات أو التأميمات للثقافة والفكر والإبداع ، لكأنه يدعونا
دائما إلى الحياة على الهامش ، بشرط أن يكون الهامش أعلى من أى بناء تقليدى ،
وأرسخ أساسا من كل العشوائيات المتهالكة فى دوائر الكلمات من حولنا .. أيها الشاعرالجوال عبر الأزمنة ، لنا أن
نهديك التحيات وأن نقدم لك كلمات أصلية تليق بمقامك
