تلك الحرب
مختارات حسن العبدالله
إعداد: محمد ناصر الدين
أتى الربيع..
أتى الربيع..
الهواء أخضر
الحجارة خضراء
الثور أخضر
إلّا قلبي...
لن أرحل عن هذا المكان المنكود
لست فراشة
ولا زهرة تفاح بيضاء
كي أذهب وأجيء
مع الفصول التي تذهب وتجيء أيها الأصدقاء
أتى الربيع،
لم يأت كما جرت العادة في عربة تجرها عشر سنونوات
بل جاء في سيارة «فولفو» صفراء اللون وغير مجمركة.
فتح الربيع حقائبه، فاندلق الماء العذب الصافي.. برزت أغصان اللوز الأخضر..
ضحكت الشمس.. زقزقت العصافير..
وتطايرت الفراشات تلو الفراشات..
لم ينتبه أحد لذلك.
والجميع سألوا: بكم هذه السيارة
الصفراء؟!
2- شوك
نحن لا نبحث عن الورود في هذه الحقول الجميلة
نحن نبحث عن الشوك
الشوك الجاف القاسي
الشوك الذي يدمي لا لنضعه في المزهريات
بل لنخز به
المؤخرات والضمائر البليدة.
3- في السوق
بليرة واحدة.. اشتريت لحبيبتي
قرنفلة بيضاء
بليرة ونصف.. اشتريت لها قنينة ماء عذب
بخمس عشرة ليرة.. اشتريت لها أوقية لوز أخضر
مئة ليرة.. اشتريت لها قفصًا فيه
عصفور يغرد
اشتريت لها أيضاً صورة لمنظر طبيعي
يتحدث عن الحقول، والحَراذين،
والضفادع الخضراء.
المجموع: 317 ليرة ونصف
هذا كل ما أملك
وبقيت حبيبتي عاصية
بقيت كئيبة ومتجهمة كالوحل
4- حصاد
زرعت ياسمينة
وحصدت جدار
زرعت شجرة تفاح
وحصدت ثعباناً أسود
ما هذا؟ يا قمر الليل
ما هذا؟ يا شمس النهار
5- نزهة
إنه الربيع..
غادرت المدينة في الثلاثين من عمري
وعدت إلى بلدتي.. وصلت إليها في السادسة والثلاثين.
لا توجد شمس.. لا توجد سواقي.. لا عصافير تغرد.. ولا بقرة تجتر..
لا صعقتني الدهشة!! الأرض مستوية
وملساء كالخشب المصقول
هل أنا في حلم؟!
مشيت.. مشيت.. مشيت.. لا فائدة..
خشب.. خشب.. خشب..
أخيرا،ً عدت إلى المدينة وسألت كيف تفسرون ما حدث لي؟!
أجاب أحدهم:
- هذا بسيط.. هل بلدتك محتلة؟!
* نصوص منشورة في جريدة «النداء» ــ آذار/ مارس 1981.
6- تلك الحرب
في تلك الحرب التي ستُسمَّى
(إن لم تكُن قد سُمِّيتْ بعد)
«حرب الليطاني»
لم أكتف هذه المرّة بمُشاهَدة النَّهر
بل انحَنَيْت، ولمسْت ماءه
تَجْرِبَة فَذَّة
فللمرَّة الأولى، أتحسَّسُ الحرِّية في صُورة سائل!
على الشَّوْكَةِ
التي كانتْ زهرةً ليلكيّة منذ شهرين
يقفُ عصفورٌ من عصافيرِ النَّهر القديمة
ويُغرِّد
ويُواصل التَّغريد
كأنه يعلمُ هو الآخر
أنه لن يعود من جديد
إلى قفص الاحتلال
في عيد التحرير
الحَشَرة الذَّهبية الطائرة
عندما انقضَّ عليها العصفورُ الطائر في تلك الظهيرة الباهرة
من يوم 2000/5/25
بَدَتْ سعيدة... بأن تُلْتَهَم!
جِيْم جِيْم
الجَنوب أو جَبل عامِل
الجنَّة أو الجحيم
الجنَّة، عندما يكون لي
والجحيم، عندما يكون لعدُوِّي
غَرْب العالم مُتوحِّش
والشَّرق كذلك
ومع ذلك، فلا يزال هناك مَنْ يقول
بأنك لا تحتاج إلى السلاح في قَبْو بيتك
من أجل الدفاع عن البيت
وأنَّ النشيد الوطني كاف!
الحرب هي في نهاية المطاف
خلاف بين طَرَفين
حول أفْضَلِيَّة المُرور
هناك بيتٌ لا يزال مُقفلاً
بينما دبَّتْ الحياة في جميع البيوت من حوله
تعاظمتْ شجرةُ الحَوْر عند مدخل البيت
واسْتَنْقَعَتِ الأرضُ حول البِرْكة
ومن الفَجَواتِ التي أحدثَتْها القذائفُ في الجدران
أطلَّتْ النباتات المُتوحشة
هرَّة سوداء وبيضاء
تأتي من البرّية المجاورة
وتدورُ حول البيت، وتتشمَّم مَداخِله
ثمّ تعودُ بخُطىً بطيئة، لا تلبثُ أن تتسارع
عندما يظهرُ صاحبُ البيت،
وهو يهبطُ السلّم
عائداً عن السَّطح
مثلما كان يفعل... قبل مَوْته!
في اليوم التَّالي للمعركة
النّسرُ يُحلَق
فارِداً جناحَيْه في الأعالي
فإذا انقَضّ
فليس، هذه المرة، على جُثّة
كما كان يحدثُ في الأزمنةِ القديمةِ القاسية
بل على زاد المزارع
يختطفُهُ بمنقاره
ويتوارى من جديد في أعماق الفضاء
في هذا العالم
الخَيْر سائح
صحيحٌ أننا نتقدَّم
لكننا، ونحنُ نفعلُ ذلك
إنما نهربُ من شيءٍ يزداد هَوْلاً
كلما طوَّرنا أدوات مُواجَهَتِه
هل تظنُّون الأسلحة
البندقية والقنبلة والصاروخ
مجرَّدَ أدوات صمَّاء
لا تميلُ للتعبير عما تَخْتَزنهُ في داخلها؟
إذا كانت آلةُ العُوْد في بَيْتِك
تُثيرُ في نفسِك الرَّغبةَ في العَزْف فلم لا يفعلُ ذلك المدفع؟
(من مجموعة «ظل الوردة»، «دار الساقي »، 2012).
7- حب
بعد تحرير تلك النواحي
استقلَّيتُ سيارتي وانطلقتُ جنوباً
وصلتُ إلى النبطية عند الصباح
وكان ربيعٌ عجوزٌ يغادرُ حقلاً من القمح
والصيفُ ينقضّ من جندبٍ صاخب.
أو ليس جنوناً؟!
بقيتم هنا طيلة «الاجتياح»؟!
إذاً كيف حالكِ؟
بل كيف أمُّك؟ هل لا تزال تعاني من الرَّبو؟ والدُك؟
الإخوة؟
الأقربون؟
وهل تقرئين؟
أجْلَسَتني على شرفةِ البيت في مقعدٍ يتأرجحُ
وانصرفت تطبخُ الشاي
ما أبدع هذا النهار!
أَلكُم هذه الأرض؟ هذي الحديقة؟ هذا النسيم العليل؟ الضياءُ القويُّ على الصخر؟ تلك العصافير؟
8- ذلك الزمن
ذلك الزمن
الذي كنا ننام فيه مع الشمس
ونستيقظ عندما تستيقظ
ذلك الزمن
الذي كانت تظللنا فيه الشجرة
ويحط على كتفنا العصفور
إنه الزمن الذي كنا نشرب فيه القمح
وهو لا يزال حليباً في السنابل
ذلك الزمن الذي كنا نسبح في ماء الينبوع
المتدفق لتوّه من باطن الأرض
ذلك الزمن الذي بَدَلَ أن نذهب فيه إلى البساتين والحقول
نذهب إلى البقال
ذلك الزمن الذي للأسف لم ننتبه إليه
إلا عندما لم يعد موجوداً.
بعشرات الأوراق التي تشبه الأكفّ
لوّحت لي شجرة التين
القائمة على كتف النبع
وأنا أغادر الخيام في ذلك اليوم الكئيب من عام 1961
وظلّت تلوح حتى غبتُ وراء الأفق الغربيّ
كأنها كانت تعلم بأنني لن أعود
إلا بعد أن تكون قد اندثرت وجفّ النبع
وأنني مهما بحثت عند عودتي إلى المكان
لن أعثر
على أثر ليوم واحد من طفولتي
في هذا المكان الذي كان ملعبًا
كأنها كانت تعلم بأني عندما أعود
سأكون قد بددتُ ذاكرتي.
لقد قضينا سنوات طويلة ونحن نرى
منابع الدم هنا وهناك
وستمرّ سنوات أخرى طويلة
حتى نعرف أين كانت تصبّ هذه الدماء.
(من مجموعة «ظل الظل»، «دار الرافدين»، 2024)
9- أجمل الأمهات التي انتظرت
(1976، إلى أم شهيد)
أجملُ الأمهات التي انتظرت ابنها
أجمل الأمهات التي انتظرتهُ،
وعادْ
عاد مستشهداً
فَبَكَتْ دمعتين ووردة
ولم تنزوِ في ثياب الحداد
عاد أسعد مستشهداً... أيقظتْ روحه نسمةٌ من حنينِ بعيدٍ،
فشد على موتِهِ ومشى ماخراً غبش الفجرِ
منفرداً
ويجرُّ انكساراً ثقيلاً
نراه...
نرى الصمتَ والشجر الأصفر من حولِه
والرصاصات جاريةً
ودويَّ انهدامِ قريب
دماً هادئاً يترقرقُ فوق التراب السماوي
لم تنتهِ الحرب
لكنّهُ عاد
ذابلةٌ بندقيتُهُ
ويداهُ محايدتان..
هذه لحظةُ النومِ للعاشقِ المُجهدِ الروح
ها إنه الآن يهوي كطيرٍ
وفي قلبِهِ تصفرُ الريح
لم تنته الحرب
لكنَّ وجه الحبيبة يهوي إلى وهدة الرعب.
المكان فسيحٌ لتنسى
النوافذ مُشْرَعَةٌ للنسيم الرماديّ
للذكريات الدخان
وأسعدُ حرُّ بأشواقه الآن
أسعدُ كان...
عاشقاً
عاد أسعدُ مستشهداً
عاد بالفجر والنهر والوردة الجبلية عادتْ إلى شرفة البيت أقمارُها
والرفاق مضوا ثم عادوا.
افتحوا باب أحزانكم وادخلوا في بشاشته القمرية
واقطفوا عن يديه العصافير والقمح والعوسج السكريّ.
عاد أسعدُ مستشهداً
أيها الوطنُ المترنِّحُ تحت الرصاص اتكئ قبره وانتظرنا...
نحن نعدو على زمن جارحٍ آه حدَّدْ لنا موعداً للَّقاء
وحدّد فضاءً لأرواحنا الغاضبة
وانتظرنا نعد من بنادقنا وانتصاراتنا الموجعاتِ ومن جمرةٍ
في رماد مقابرنا الشاحبة
إن أسعد يخرج من موتِهِ ويتابعُ في خندق يتقدَّمُ نحو النهايةِ ممتشقاً عشقه للصنوبرِ والشمسِ
أسعدُ ماءٌ على السهل
رعدٌ على القمّة الصاخبة
أجمل الأمهات التي انتظرته
وعاد..
أجمل الأمهات التي... عينها لا تنام
تظلُّ تراقبُ نجماً يحوم على جثة في الظلام.
أجمل الأمهات اللواتي انتظرن... التي انتظرت...
تدجّجْن فولاذ أحزانهنَّ، حفرنَ الخنادق في الأفئدة
وقاومن من في عتمةِ الموتِ بين النوافذِ والأنجم الخامدة
بِكنّ
بأشواقكنَّ
بأحزانكن
سنضربُ في كلّ وقتٍ وأرضٍ
أشداء
تمحو الظلام ونكتب وجه النهار
بكنَّ سنزرعُ فوق الصقيع - الذي هو وحشتكنّ - حدائق عالية من غناء ونار..
ولأسعد أن يطمئن، فلن نتراجع عن دمه المتقدم في الأرض
لن نتراجع عن حُبّنا للجبال التي شربت روحه فاكتست شجراً جارياً نحو صيف الحقول.
صامدون هنا، قرب هذا الدمار العظيم، وفي يدنا يلمعُ الرعب، في القلب غصنُ الوفاء النضير.
صامدون هنا... باتجاه الجدار الأخير
ولن نتراجع
لن يمنعوا دمنا أن يمرَّ
وساعاتِنا أن تدور
بين نخل الجزيرةِ والبحر يُحفر قبرٌ لوأدِ الأغاني الجديدة،
نردُمُهُ بالقبور!
يا جماهير أُمتنا العربية لا تقلقي
نحن نرتعُ في دمنا هانئين
وصحتُنا وبنادقنا... جيدة.
وفلسطين محروسةٌ بالخطابةِ والذكريات.
مزيداً من الصمت والصلوات
يا جماهير أمتنا العربية شكراً
مزيداً
من الصمت
والصلوات.
10- أغنية لرلى على ضوء الشمعة الأولى
فوق الغصن العاري
تحت الشمسِ المدفونةِ تحتَ الغيمِ الأغبر
تحت الريش الأغبر
عصفورٌ عارٍ يشدو أغنيةً عاريةً.
لرلى الوردة
لرلى، تدَّثرُ الضوءَ العاري والنّسماتِ الحاملة الغابات.
لرلى، قطعت آخر متر في السنة الأولى
وأتت
لتخلِّصنا من شيخوختنا بين الدبابات!
نام الليلُ الشتويُّ على الأرصفة الغبراء، ونامت خطواتُ الحرس الليلي، الليلة: شعر.
ستتمُّ الأرضُ الليلة دورتها وتؤرِّخُ أغنيتي العصر الثاني
من عهد أميرتنا الوردة
وأميرتنا، عَبَرتْ أزمنة الحرب وأزمنة السلم على جسد الوطن المسحوق
بأظلاف الحرب وأظلاف السلمِ
أميرتُنا أسرعُ منافي النسيانِ التقطتْ عصفوراً من مزرعة الألعابِ
فحطَّ عليه الفجر!
ما أبعدها عنّا
ما أبعدنا عنها
قطفتْ تفاحتَها الألف وما زلنا ننهشُ من أعوام في تفاحتنا الصفر!
نام الليل الشتويُّ على الأرصفة الغبراء الليلة: وقتٌ أزرق.
الليلة نمشي خلف أميرتنا الخضراء إلى الساعة: بطّة.
وإلى الساعة: ساقية تجري بين الأعشاب الخضراء على جلدِ
كتاب الإنشاء.
الليلة ندخل في أسرار الوقت: رلى.
لرلى تلهو
تبني وطناً من أعقاب الوطن المهدوم وتهدم أسوار الصمت
لرلى تضحكُ ضدَّ العتمةِ والموتْ
سنغنّي الليلة فوق صقيع الوطن - المنفى
للوطن - البيت
الليلة نمشي خلف أميرتنا الخضراء إلى الساعة: لن ننسى.
لن ننسى أحداً
لن ننسى أبداً
الليلة ننسى أنّا لن ننسى
ننسى... أي نتذكّر
أنّ النهرَ هو النهر.
الليلة ننسى وجه الوطن الأغبر
ننسى... أيْ نتذكر
أن الأغبر حالٌ من أحوال الأخضر
الليلة تمشي خلف أميرتنا تكبر
وتصير بلاداً حرّة.
أجملُ من نجم يعملُ قبل الفجرِ
وأصفى من نسمةٍ حُبٌّ في قلب مكسوٍّ بالعشق
وعيناها الفرحُ المغسولُ بأتعاب الشعراء
هي الوردة.
نقطفُ عن خديها بركاتِ الشمسِ ونهديها البلبل
والسيف الموروث
نمشي عبر حدائقها الخضراء ونتبعها عبر حدائقها الخضراء
إلى البيت الغارق في الزرقة والنسيان.
وتكون الحرب خرافة
تكون الحرب خرافة
تكون الحرب خرافة.
(من مجموعة «أذكر أنني أحببت»، «دار العودة»، 1972)
11- عـودة
أريدُ مدفعاً كبيراً
أجرّه خلفي وأمشي،
تحت أغلظ الشموسِ
نحو ذلك السهلِ
الذي يحدّ إسرائيل - أحياناً - من الشمالْ.
فقط هناك أستطيع أن أكون ذلك الذي أنا هو:
الغزالْ
شارداً في الضوء
والنهارُ خطٌٌّ يصل البحيرة الزرقاء بالجبال
هناك فقط أستطيع أن أمدّ رجليَّ إلى نهاية الأرض وأغفو
فوق فخذ تينة صديقة.
تحت العصافير التي تطير من غصنٍ إلى غصنٍ
ومن دقيقة إلى دقيقة...
في ذلك اليوم السعيد من حياتنا. أنا وجَدّي.
ولا أريد أن يتبعني أحد.
في ذلك اليوم السعيد من حياتنا أنا وجدّي...
في ذلك اليوم السعيد كانت السماءْ
زرقاء، والمساءُ هادئاً، وكانت الفتاةُ قد أَتتْ
ثم اختفينا في عباب الذُّرة الخضراءْ
كان كثير النوم... عندما أفاق
ولم يجدني… نام من جديدْ
ولم يعد من نَومهِ السّعيدْ
وإنني أرى الحصان راكضاً والورقَ الكثيف
والفتاة تستحمُّ خلفَ الورق الكثيف
وإنني أرى انهدام الجسد النظيف
لكنْ
أَينَ؟... أَينَ ذَهَبَ الجبل؟؟!
وكان في المكان: ماءْ
يجري من الشتاء نحو التينْ
وكان في المكان: أربعاءْ
مملوءةً شمساً وفلاحينْ.
أريدُ أن أراكِ
أريدُ أن أرى يدي عليكِ
أريدُ أن أرى يدي على الغصونْ
قبل انطفاء التين والزيتونْ
قبل انطفاء قلبي الهزيلْ
أريدُ مدفعاً شديداً عالياً طويلْ.
ولا أريدُ أن أعود كي أطاردَ الفراشة
من أوّل النهار حتى كتف الفتاة في حديقة الذُّرة
فَكّتُ ذراعيها ولم تعُدْ
وفكَّتِ الأشجارُ ظلّهَا الظّليل
فكَّ الساحرُ الكبيرُ سحْرهُ عن الأميرْ
بشدّة تضيء شمس الأحد الماضي على الخرافة
بشدّة على المسافة
بيني وبين وجهها الأخيرْ
ويأخذ الحنينُ شكل بلدةٍ طافحةٍ سياسة.
وإنني أريد أن أعودَ، لا لكي أطارد السنابل الزرقاءَ تحت القش
والقمرَ الصغير تحت القمر الكبير...
فقط يريد أن ينام الوحش
في بيتهِ
على سرير موتهِ
فقط يريد أن ينامْ
في ليلةٍ واقفة على أعالي السرو والأيامْ...
وانتظروني انتظروني أيّها العشرةُ العشرونْ شيئاً من
جداول يابسة هي:
حياتي...
انتظروني أيها العشرة العشرونْ
تحت التّينْ.
واقفة على أعالي التينِ تنتظرْ
واقفة على أعالي السرْو والأيامْ
حجارة على حجارةٍ على شجرْ
حجارة: ركامْ
حجارة: سلامْ
حجارة هادئة هي: الخيامْ
مكان نومي عندما تغيبُ الشمسْ.
وبلّغوها أنني سأستقلُ أوَّل المدافعِ المسافراتِ نحو ليلها
الصيفي
وبلّغوها أنني أصبحتُ عسكريّاً
وأنني سمّيتُ نفسي فرقة الدفاع عن ضريح جدّي.
ولا أريدُ أن يتبعني أحَدْ.
وشاهدوه في نهاية الطريق واقفاً أمام خارطة.
وروحُهُ الشقراء تستعد للغروبْ.
وبدأ القصف...
من التلّ إلى الوادي من الوادي إلى التلّ. عنيفاً ضارياً،
أنا الذي قرَّرت:
لا هوادة!
وعندما أموت
وعندما أكون قد نسيت وانتسيت
تجيء تينةٌ
تجرُّ ظلّها عليّ... أمّحي
وتينةٌ أخرى تجرّ ظلّها على البيوت
كمية هائلة من البياض تسحقُ المدى المدوّر
الزرقة التي رأيتم منذ ساعتين لم تكن سوى طلاء الشّرك المميت
وبلّغوها أنّي أتيت..
كمية هائلةٌ من الجنون فوق راحة الفتى الذي أتى...
ووجد الفتاة في مكان فارغ من المحبة
ووجد المكان صالحاً للحرب.
أريدُ مدفعاً كبيراً
أشهره أمام قلبي نحو من أحبّ
أريد أيضاً غصن زيتون كبيرٍ لليد الأخرى.
