فتاة
وصبى فى المدافن
1999
كريم عبد السلام
الصيف
فى حر الظهيرة ، الصبى واقف أمام البيت
والفتاة بالداخل ترقب حركته
تندفع حواس فى طريقها متحسسة ما
يحمله
الهواء ،
ثم تخرج الفتاة مبتسمة وتسير
على جانب الشارع ،
وعلى الجانب الآخر يسير الصبى ،
فيما يتبادلان النظرات ،
الفتاة تتعثر خطواتها والصبى
يعبر إليها ،
بعد خمس عشرة خطوة تشتبك
أصابعها .
بنتُ الرابعة عشرة ، طوت صفحةً
وافتتحت واحدةً
جديدة
تتعلم مشية الأنثى دون أن
يرشدها معلم
تضغط القدم اليمنى على إسفلت
الشارع باهتزازة
رهيفة
يمكن تحديد مركزها فى الكعب
الذى يميل
إلى الجانب ، فترتد الاهتزازة
إلى الردف الأيمن
فيميل يمينا ،
ثم تضغط بالقدم اليسرى ، فيميل الكعب الأيسر
قليلا رادا الاهتزازة إلى الردف الأيسر
فى درسها الأول ، تضغط الفتاة
على الأرض
بمبالغة تساوى إفراز رائحة
لأنثى كاملة ، جاذبة
خلفها ذكورا شتى ، وموزعة
نظراتها على أعضائها
هى ، وعلى الأرض التى تطؤها ،
فيصعد الاهتزاز
إلى النهدين البازغين الحرين
فى غمرة الدرس تنسى الفتاة
وترتد إلى صفحة
الأمس
إلى الخطوة المستقيمة والالتفات
نحو عربة
مسرعة
لكنها تعود نادمة إلى اختراع
إيقاع لمشيتها ،
سوف تختزله ، بمرور الوقت ، إلى
حده الأدنى
الذى يكفل لها إفراز الرائحة
تلقائيا ً.
.......
ثلاث عشرة خطوة ،
أربع عشرة خطوة ،
خمس عشرة خطوة
ها قد اشتبكت أصابعهما
احمرت وجنتا الفتاة وانتصب
الصبى .
القططُ
الباكية
أبوابٌ مغلقةٌ وناسٌ صامتون خلف
الأبواب
على السلالم ، طفلٌ تُرك وحده
لم يتعلم الكلام ، لغته البكاء
يخفت ويعلو
ينادى ويشتكى
أية أمٍ تركت رضيعَها وذهبت
أية جريمة !
على السلالم قطٌ ينوح
يتذلل ويتفانى فى تمثيل الدور :
أنا رضيع لغتى البكاء
لا تتركى فراءك بعيدا عن أسنانى
.......
أين تخفى نواحها عندما تتمسح
بالأرجل
وتنعس تحت المنضدة ؟
نواحها الذى يجرنا إلى فتيات فى
أحلامنا
وإلى الحكايات
حيث الأشرار يتلذذون بتعذيب
ضحاياهم
جدران البيت لم تعد موجودة
النواح يحاصر ويلتهم
من عمق الذكر إلى عمق المحاصَرين
قذفناه بما وصلت إليه أيدينا
الماء بارد
يغطى الفراء ويقطع النحيب نصفين
،
لكن ما يفقده الصوت
يعود ليسترده بسطوة أشد
مع الشروق ، هبطتْ الرطوبةُ على
أسلاك الكهرباء ،
حيث تحط العصافير وتتسافد
بعصبية ،
فيما كانت قطةُ الفتاة فى
القصيدة السابقة تتسلل
مستجيبة لذكر سيتودد إليها
بالبكاء ،
بالقبل واللمس والامتطاء
والدوران والعدو
والتأوهات والخمش والالتصاق
والشم .
الذكر يعتلى الأنثى فى المركز
وخلفهما ذكور تنتظر أن يهبط بعد
نصف نهار من المثابرة
ومطاردة الأولاد وخجل البنات
والضحكات
الشاردة
إلى حياةٍ
مترامية
البوابةُ الحديديةُ التى ظلت
طويلاً لا لون لها
تُطلى بالأخضر الزاهى ،
العامل يصفر أغنية ويجول
بالفرشاة بين ثنايا
الحديد ، فتكتسب الزخارف التى
على شكل
نباتات حياة حقيقية .
إنه البنّاءُ يعمل طابقاً فوق
المدفن ،
صنع سلماً بالداخل ، والان أتى
دور الحجرات
الحجرُ فوق الآخر، فى آستقامة
يندهش لها الأبُ ،
الذى يراقب اليد وهى تعمل
البنّاءُ يصفّر أغنية
بينما الأخت التى تجلب الماء
على رأسها من حنفية الزاوية
تهتز فى مشيتها ، فيغمر الماء
ثدييها وعنقها ..
الأم جلست على حجر جوار شجرة
الخروع
تعمل شايا للعمال وتستقبل
الجارات
مع الغروب، سيأتى العريس من
العمل بلحية نابتة
فيما العمال يجمعون أدواتهم
ويجلسون فى حلقة
يحتسون الشاى
........
المدفن يتحول إلى بيت من طابقين
،
الشباك سيكون فى الوسط وسيُطلى
بالأخضر
الزاهى كالبوابة
السقف من الخرسانة ، وماسورة
المياة تمتد
من الزاوية تحت الأرض وترتفع
إلى الطابق الثانى ،
وستأتى العروس ، طالبةُ الثانوى
، النحيفةُ السمراء
سعيدة وخائفة ،
وسط الزغاريد وماكينة الكهرباء
التى تضىء ثلاثة صفوف من
اللمبات الملونة
وأغنيات تحكى عن رجال أقوياء
يذبحون قططا
أمام زوجاتهم
وزوجات ماكرات يتظاهرن بالخوف
من رجالهن ،
ثم يحتضنهم بقوة ويفاجئنهم
بقبلات وآهات
البوابة خضراء وجرس كهربائى يصل
إلى الطابق الثانى ، له شقشقة العصافير ،
والموتى فى الطابق الأول قد أُخذوا
بالمكيدة ،
محجوبون ، لمزيد من القمع ،
بستارة زاهية
تفصلهم عن الأخت والأم والأب .
******
مساراتُ الصوت فى الهواء
تلك التى احتلتها الأرواح
وملأتها بلغاتها الكثيفة واللزجة
ضربها الزلزال
ما لم يخطط له المحتلون
ما أظهرهم مساكين بحق
أن يسقط الأحياء مع المطر
الآن
الأرواح تستند بعزيمتها
المشحوذة
خلف الصخور واللغات التى وسدت
بها مسارات الهواء،
محاولة ضبط تقهقرها
بينما الأحياء يتصايحون فى
مواضع الهمس
ويحسبون كل سنتيمتر جديد
يحتلونه
الأرواح تنظر للأحياء مندهشة من
جرأتهم
بينما الأحياء يتجاهلونها
متقدمين إلى نقطة اللقاء العادل ،
لا يخجلون من خطواتهم على
العظام
ولا يقدسون عزل النهاية فى
كانتونات
وإلا لم وضعوا أيديهم عليها !
*****
رؤوسهم
إنهم شبان الأربعينيات
تجدهم جالسين أمام بوابات
أوكارهم على حجارة
كبيرة بيضاء
أو مصاطب صنعوها من كسر الطوب
مستعيدين بها ظلال البيوت فى
قراهم
قبل الغروب ، وقد تسلحوا
بتجاعيدهم يوجهونها
للمارة المسرعين ،
يسألون أنفسهم : إلام يسرع هؤلاء المغفلون ؟
أبدل أن يجلسوا أمام المكان
الذى سيوارون فيه !
ثم يتخيلون المارة مستسلمين
لأبناء يعولونهم على
مضض
أو لجنيهات الشؤون الاجتماعية
وفى إشراقة مفاجئة ، يستحسنون
سهولةَ انتقالهم
من الدنيا إلى الآخرة
لن يحملهم مشيعون على أكتافهم ،
ولن تنقلهم عرباتُ إسعاف ،
بدل أن يجلسوا على الصطبة كما
هم الآن
يضطجعون فى حفراتهم ،
آمنين من نظرات المارة
التى تكشف ما يجتهدون فى إخفائه
.
*****
المرأة التى تبيع السجائر
والحلوى أشعلت مصباح
الكيروسين ،
ثم حدقت جيدا إلى القروش حتى لا
يخدعها
أولاد الشياطين ،
الذين ينجحون فى توجيه زفرات قوية لشعلة المصباح
ثم يجرون
حين تخرج من الكشك لإخافتهم
يلمحون ظلها طويلاً مائلاً فى
ضوء القمر
مرات يشتد الهواء حول الكشك ،
محركا دوامات
من التراب
وينطفئ المصباح فيظهر ظل المرأة
،
وهى تبحث عن أولاد الشياطين
طويلا مائلا فى ضوء القمر
حين لا تجد أحداً،
تغلق نافذة الكشك وتذهب إلى
وكرها
بطيئةً، فى خطوات مهتزة
******
عيونُ العجائز تقول : ابتعد ،
أكثر من أى كلمة أخرى
يسألن : مما تهرب ؟
ويبتسمن فى تشجيع
حين لا يجدن الإجابة التى
ينتظرنها
يقلن بأعينهن : ابتعد
وبالتجاعيد حول أفواههن : ابتعد
وبأكواب الشاى : ابتعد ، إنك
رسول شؤم .
******
هنا أطفال يطوحون بأطواق من
الكاوتشوك
متخيلين المستقبل على هيئة
شاحنة
يتعثرون ثم ينهضون بحماسة ،
عارفين التراب الذى
يتمرغون فيه ،
لكنهم يصومون عن اللعب يوم
الخميس
يقسمون أنفسهم ويحتلون المواقع
المناسبة ،
بانتظار الغرباء..
الذين يتوافدون لساعة ثم يهربون
مقلدو المقرئين فى قصار السور
يدورون من وكر إلى آخر وراء الكعك والقروش ،
فيما الأمهات منشغلات بتمويه
الأسرة وأوانى الطهى والكرة الحمراء البلاستيكية .
الأمهات يجلسن على المصاطب،
خارج الأوكار
كأنما جئن للزيارة
والآباء أيضا جالسون على أحجار
متناثرة
كأنهم يقرؤون الفاتحة لأرواح
صديقة
سنضاجع زوجاتنا تحت أبصارك أيتها
الأرواح
حتى تخجلى من شهيقهن الملىء
بالحيوية
وسنسمح لأبنائنا بالتلصص من
وراء الستائر
فعليهم أن يتعلموا كيف تُصنع
الحياة
فيما نشرب الشاى،
نطوح بالعظام الخارجة من قبورها
بعيدا عن الطريق .
*****
الآن
انزاحت أربعة أحجار من الجدار
الخلفى
فاصبحت أمامنا كوة تكفى لعبور
الصبى والفتاة
مع الغبار الذى يعلق بشعرهما
وملابسهما
يدخل الصبى أولاً
الصبى المسؤول عن إزاحة الأحجار
بيدين لا ترتخيان
إن حدث وانجرحتْ كفُه
سينظر باستهانةٍ إلى الدم، ثم
يلعقه ليعرف أن طعمه
مالح
الفتاة التى تلحق بالصبى تبتسم ،فيما
تزداد
ارتعاشتها ،
إلى أن يجذبها الصبى لحضنه
ويتجه للنافورة المعطلة ، التى تتوسط الفناء
صفقة عادلة : الأحجار الأربعة
بالخارج
والصبى والفتاة بالداخل
يبدآن فى قبلات سريعة لها أصواتٌ
مكتومة
لكنّ الفتاة تعتقد أنها مسموعةٌ
لجيران على بعد
ثلاثة مدافن
وأنها مضيئةٌ لمتلصصين يعملون
لدى أصحاب المدافن
، الذين يخافون قدوم حقراء بأوانيهم ومواقد
كيروسينهم وحصائرهم وأطفالهم
ذوى المؤخرات العارية
ثمة متلصصون فعلا ً
يعلمون بأمر الوكر وينتظرون أن
تقع الفريسة
ليأخذوا نصيبهم
الصبى يوغل فى مداعباته وضحكاته
التى انفجرت
فى العتمة
لا يوقفه إلا بكاء الفتاة ،
فيقبلها دون صوت ،
لاعقاً دموعها
غافلا عن المتلصصين الذين ذهبوا
– بتدبير قدرى –
لتحريك أقدامهم فى جولة
******
المياة ...
الضجيج الذى احدثه تدفقها من
صنبور الزاوية ،
انتزاع الأولاد من لعبهم
عادت المياة
خطفت الفتاةُ وعاءها وانطلقت ،
وفى طريقها أخبرت جارتها التى
جلست منذ الصباح تنظر إلى الحصى
وتتأمل أصابعها تحت الشمس .
عادت المياة
الأوعية من الألمنيوم تعكس الضوء
القرويات يحملنها بيسر على
رؤوسهن فارغة
وملآنة
أما بنات المدينة فيبتسمن
للمويجات تلطم
وجوههن
عادت المياة
الفتاة تنازلت عن دورها للأم
التى يبكى صغيرها
بيديها اللتين لم يجهدهما
الزواج ، رفعت الوعاء
إلى رأس الأم
فيما القطرات تغمر الرأسين عند اقترابهما
.
المرأة الجميلة ، التى ضمت
ثوبها بين فخذيها ، ثم
بللت وجهها وشربت ، زجرتها
النسوةُ ، إلا أنهن
ضحكن عندما همست بشىء ،
أكان عليها أن تغتسل من جنابةٍ
ولم تفعل ؟
ها هى تضحك، ثم تسلم قدميها
البيضاوين للمياه ،
تحت سماء تحصى عليها خطواتها
المحملة
بالإثم .
*******
ركبتيه
ثم يرخى يديه كمن يستريح للحظة
والمرأة تنظر إليه
أطلبُ ماءً فيما أسند ظهرى إلى
حجر فى مواجهة
الجمال الغابر
مازال وجه المرأة يضئُ بالكحل
والحواجبِ المزججة والابتسامة
الشمس قاسية والأيام لا تطاق ،
ثم أتناول الماء
من يديها
عينا الرجل باتجاه نقطة ثابتة ،
يحكى حياته
مقابل إسناد ظهرى إلى الحجر فى
الظل ، والمرأة
تنظر لكلينا معا .
.....
دائما يضل السائرون فنسقيهم ،
وهذه المرأة زوجتى
تزوج ثلاث مرات وامتلك دكانا
كبيراً ومنزلاً تهدم
بعد أن باعه مباشرة
لجcوه إلى الوكر ليس استسلاما ً
هو يلتقط أنفاسه ليعود مرة أخرى
،
الأبناء لا خير فيهم ..
سيتذكر مكان ثروته التى خبأها
فى غفلة عن الجميع ،
العمل لم يتوقف ، هو يلتقط
أنفاسه ،
وهذا الوكر
يناسب عينيه المريضتين وصدره
*****
يحدث أن تمر من هنا نهاراتٌ
صافية ،
مع ذلك يعود أحدهم مبكراً ليجلس
أمام وكره ،
إنه الأب
لم يجد عملا ليومه ، فاستعدّ
للشجار مع أول مار
فى الطريق ، لا يلقى عليه
السلام ،
أو مع دجاجات الجارة
النهارُ الصافى ذهب بالإبنة إلى
عملها فى الثامنة
صباحا
بعد أن جم~لها بزينة رخيصة ووضع
فى قدميها
جورباً مثقوباً
وفى صدرها أملاً بالعثور على
زوج
لقد استيقظ الإبن
أيقظه النهار الصافى ، فيما
يفاضل بين سرقة بيت
أو سرقة دكان ..
مطواة وقطع الطريق ليلاً
ملابس سوداء وقناع به ثقبان
الملابس الملونة والسجائر
والابتسامات للنهار
والقسوة لليل .
الأم
التى استبشرت بهذا النهار الصافى ،
سكبت مياه الغسيل وانطلقت لشراء
الخبز ،
فى الطريق ،
جففت كفيها بجلبابها وعدلت من
طرحتها ،
ثم جمعت الأسرة فى خيالها
حول أكواب الشاى بعد الغداء
******
لذا لا يلتفت المحتمون داخل
أوكارهم الى ضجيج الليل
الأرواح تكرة المصابيح والكلاب
التى تنبح كأنها تصرخ ، وحركتها فى دوائر تتسع
هى تسد الممرات بين الأوكار
بأجسامها ،
التى على هيئة هواء ساخن ،
تمر على الحائط الذى يرسم عليه
الأولاد بالطباشير ، فتمحو ما عليه من خطوط ،
على الأحجار التى يستخدمونها
كعارضات ،
فتسحقها ،
على النباتات والفسائل التى
تعدها بائعة الورد ليوم
الخميس ، فتلتهمها ،
على وكر الخياط فتكسر مصباحه
المعلق .
بائع الخضروات عاد سكرانا فى
الليل ، وصادفته
الأرواح ، فدفعته لأن يعدو
بأقصى سرعة ، ثم
جعلت الأرض تتحرك تحت قدميه ،
وفى الصباح كان يلهث فى مكانه
مواصلا العدو
بينما الأرواح تقهقه فى مخابئها
تطوف الممرات كل يوم ، الأرواح
تمشطها بحثا عما يؤكل ، ما يمكن
صيده ،
تضرب الكلاب بأصابعها الطويلة
فتعوى
وتقطع المصابيح نصفين بأظافرها
فاكهتها البنات ،
إذا صادفت إحداهن
جرجرتها إلى زاوية وتعاقبت
عليها ، ثم سلبت
عقgها ومضت .
الأرواح تلوك النقود والساعات
والأحذية
قد ترتدى الملابس أحيانا
أصواتها عالية .. مزيج من
الضحكات والهمهمة
والنداءات
******
لو أن يدا تمنحنا نافذة
لما ضربْنا الكلابَ ليتحرك شىء
يقول الجد لحفيده، وهو يقص عليه
الحكاية
هنا أشجار ، لكن ما من يد تهز
الهواء
نريد صراخا يا كلابُ ، فانبحى
من أجلنا
بينما نؤجج النار فى قصعتها
يقول الجد أيضا .
تنبح الكلاب وراء ذئاب الحكاية
، التى أول
ما تهبط مدينة ، تلصق أخطامها
بالأرض حتى
تصل إلى مدافنها ثم تنبش ..
سراديب فى الأرض وسراديب فى
الهواء
تتحرك الذئاب وراء الفريسة ،
وإذا صادفتها نائمة
تطلق عواءها فى سراديب الهواء
ثم تبدأ من قدمها ، تنهش الكعب
وتنتظر حتى تصحو
لكنها لا تفرط فيها ، لا ترحمها
انبحى يا كلاب لتنامَ قليلاً
لننام آمنين
******
يدٌ قويةٌ تضرب على الطبل
ها هى تواصل :
بوم بوم بوم بوم
الصوت قريب وغليظ لكنه مرح
مما يجعلنا نضحك متذكرين أشخاصا
مهندمين
اختل توازنهم على الأرض
بوم بوم بوم بوم
صوت الطبل كان سلاح الصبى فى
الحكاية
قهر به الذئاب ودفعها للفرار
اليد الصغيرة تضرب على الطبل
فينكسر الصمت نصفين
يمتلئ الهواء بالبهجة
ويتحسس رجل فخذ امرأته
ثم ينسلان إلى الداخل
ويتعطل للحظات ، اللون الأصفر
الزاحف على الغصن
عند رأس الميت
بوم بوم بوم بوم
يد قوية تضرب على الطبل
وذئاب تهرب خارج الحكاية
******
دون رفاقه من الشحاذين يعتقد فى
الصمت
يعرف عجزه، فيعرف موضع قوته ،
لذلك يبدو متألما فى العمق
للحظات يقف شاهرا ذراعه الغائبة
كعلامة ،
لا تلبث أن تعود لاحتلال فراغها
بعنف زائد ،
مما يدفعك للنظر إلى ذراعيك ...
هل تبدوان كسولتين باكتمالهما ؟
جلبابه الممزق ،
لحيته، والوسخ حول أذنيه ،
لحظات مديدة ، هى لحظات للتحدى
يقول : أنا أحمل عنك الألم وانت
تعرف ذلك
فعليك أن تدفع لى لأستمر فى
مهمتى
هذه هى الصورة التى تحب عكسها ،
عليك ان تبعدنى عن عينيك
وان تشعر بأدائك للواجب
أن الحياة وظائف وأدوار
امسح يدك الملطخة فى جلدى
وامسح أفكارك عن نفسك وعن
غاياتك
امسح الجَمال نفسَه
كلما سقط منك على التراب
وفى مياه المطر ،
التى تصنع بحيرات داكنة ، جوار
الأرصفة ،
ثم أعطنى أجرى
وأنا سأتألم عنكَ
إذا رغبتَ ، ساترك لك خيطاً
رفيعاً من العذاب
ما هو ضرورى وكاف لتندفع إلى
الأمام
باتجاه لحيتك الحليقة
باتجاه الجمال الخالص
الذى لا ينغصه شىء
*****
بالطباشير الملون والحجر الجيرى
بالطوب والفحم ،
رسم الأولاد وجوه من أحبوا على
الجدران
صنعوا المراكب التى ستبحر بهم
يوماً
والعربات الكبيرة التى
سيركبونها ،
والطائرات التى ستنقلهم إلى
سحابة
رسموا الأيدى طويلة ، أطول من
الأجساد
والأكفَّ مبسوطة
باتجاه ملابس جديدة
رسموا ابتسامات واسعة
وشعورا اجتهدوا فى تمشيطها
ورسموا هواء يداعب الشعور
الممشطة
لكن لا أثر للغبار أو ذرات
الرمل
العيون مفتوحة وباسمة
والأيدى لا تواجه شراً غير مرئى
الهواء أبيضُ ومسالم فى
المساحات الخالية على
الجدران
أقصى استطاعته، مداعبة الشعور
الممشطة بعناية
*****
أخطأت ثلاث مرات فى نطق اسمه :
"سمبو" ،
وكان يصححه ، فيما يذكرنى بمعنى
أن أكون صاحب تاريخ
من بين الكلمات التى رددها ، لا
أذكر سوى
"الهواء الذى تحرك فى
دوائر "
إلا أنى لا أنسى النظرة الغامرة
لعينيه ،
بين الانسحاب الكامل والوداعة
التى تجذب اليد إلى فراء القطط
"سمبو" الذى نجا من
الرسل المهووسين بسكب
المطهرات فى الشوارع ، بعد أن
شرح لهم قلة حيلته ،
نجا كذلك من العساكر وعرباتهم
المصفحة
وعندما صادف كتابا عن تاريخ
أجداده
توجه إلى الأحياء الشعبية بحثا
عنهم
إلا أن بائعى الخضراوات أشاحوا
بوجوههم عنه
كما نهره السائقون وعمال
المقاهى ومدرسو
المدارس الابتدائية وطلاب
الجامعة
انتهى إلى هنا ،
يجدل الأغصان فى أكاليل
كى تسبّح عند رؤوس الموتى
وتخفف من عذابهم
لكن الأرواح ظهرت له فى الظهيرة
على غير عادتها ،
هى التى تتسلم المكان بعد صلاة
العشاء
وفيما يشبه اللهو ، واظبت على
حرق الأكاليل التى
يجدلها
ثم جعلته يسير ورأسه إلى الخلف
،
كلما قطع مسافة فى اتجاه ،
قطع مثلها فى الاتجاه المقابل
إلى أن يئس من كفها عنه ومن
خوفه منها
فاستدار وطاردها بالحجارة ،
سارداً آلاف الأعوام
من المعابد والآجداد
******
الوقت قبل الشروق بقليل
كل شىء فى مكانه :
النباتات التى يرجى لها أن تصير
أشجارا بعد عشر
سنوات
والتراب الوثير
الكلاب التى تلهث دائماً
والحجر الكبير المشروخ فى
منتصفه
أمام الوكر الملون
الصنبور الذى يقطر فى الزاوية
مازال صوت
قطراته مسموعا فى الإناء الصفيح
،
والغربان تركت آثار قفزاتها على
التراب
أحدٌ ما يتنفس
من الضخامة، بحيث تغطى أنفاسه
المكان
المدافن نائمةٌ
إلا فتاةً وصبياً يتعاهدان :
إذا مات هو أولا ستدفن نفسها
معه
وإذا ماتت قبله سيسبقها ويختبىء
فى قبرها .
من أجل
أن تنساهما
الصبى والفتاة يخططان ،كيف يتجنبان المفرمة
التى تنتج مواطنين لهم ملامح
متطابقة ،
خططا لإقناع المفرمة أنهما لا
شىء
من أجل أن تنساهما
عادمُ الأتوبيس يملأ صدريهما
فيعتذران لعادم الأتوبيس
الفخ يقبض على أقدامهما
يعتذران للفخ ولكل الفخاخ
المقبلة .
انظرى أيتها المفرمة المبجلة
كيف نعتذر للسلم عن تعثرنا
وللقطة عن مرورنا جوارها
يعتذران للخبز عن جوعهما
للعطش
للكهرباء عن انقطاعها
يعتذران للدقائق التى يقبضان
عليها بأسنانهما
فتفلت واحدة بعد الأخرى
يعتذران للنملة عن مكوثهما معها
فى حجرة
واحدة
يعتذران ويعتذران .
المفرمة قوية والصبى كان يراهن
على وقوع العالم
فى السهو
المفرمة قوية والفتاة كانت تحلم
!
أنا هنا
يا حبيبتى
احتلوا شارعاً جديداً
كنت هنا منذ أيام ولم تكن
الدعامات والأنوار
نزلوا الميدان أولا
ومنه إلى الشوارع الجانبية
مصادرين الحديقة فى طريقهم .
الشيطان وحده القادر على فعل
ذلك ،
الحديقة التى يلجأ إليها مفلسون
وعجائز ،
صادروها
وأجلسوا فيها من يقومون بأدوار
مفلسين وعجائز
هذا الشارع لا يغرى أحداً
من أجل أن تصلى إليه، يُختبر
إخلاصُكِ أولا
تأخذك شوارعُ ضيقةٌ إلى شوارع
أضيق
تضلّين الطريقَ إذا لم ترِى معنى
الرطوبة داخل
الحجر الجيرى
معنى أن يحتفظ الخشبُ بالملاط
انسحبت البيوتُ والأفاريز إلى
شوارع مجهولة
الأفاريز أولاً
البيوت اختفت غرفةً غرفة
جداراً تلو جدار
وحلت محلها بيوتٌ وأفاريزُ من
الفِبر
بها تلك الثنيات والزخارف
بها أجزاء مهترئة ومغبرة
تعطى إحساساً بمرور الأيام
******
مع كل خطوة، تعتقدين أنك كسبتِ معركة
فيما الدقائق تتموه والأرض
تتحرك فى اتجاهات
متباعدة .
هنا تقف عربة الأمن المركزى
لها ستُّ عجلات كبيرة وباب خلفِى
ومزلاجان
وأربع سلالم حديدية
لمّعتها أقدام لا تحصى
لها ثمانى كوى مغطاةٌ بالسلك،
تتعلق بها الأصابع
الكلام يخرج من الكوى مقطعا ..
إبلاغ الأهل بلا عناوين ، شتائم
وأدعية
حرفان من كلمة وحرفٌ من كلمة
أخرى
جزءٌ من شعار وجزء من لعنة
راحة يدٍ مبسوطة على الأسلاك
استنشقى الهواء يا أصابع
واختزنى الوجوه
اختزنى المشاهد
******
أتكلم عن الصراخ
يحدث أن تكون الشفاه مزمومة
وفجأة يطلق أحدهم آهةً ممدودة
كأنها إشارة
فيجاوبها ثان
كأنه ينتظرها
تدريجا يتصاعد الصراخ بنغمات
متفاوتة ،
فى الشارع
فى الأتوبيس .
الأطفال لا يملكون غير البكاء
والتشبث بذويهم
أما العجائز فيحركون أفواههم
التى فقدت أسنانها
ويطلقون هواء دافئاً
......
أصبح منظرا مألوفا أن يصرخ
جماعةٌ من الناس فى
وقت واحد
فتتعطل العربات ويتوقف الآكلون
عن مضغ طعامهم
ولا تستطيعين الوقوف ساكنةً
مع الخوف من العواقب
إذا لم تساهمى بصرخات واضحة
كلما أجدتِ، ازدادت فرصتكِ فى
الاختباء
فربما التفتوا ووجهوا أفواهَهم
إليكِ
لكن ما من أحد يفتقد دافعاً أو
أكثر ليعلو صوته
......
يأتى الصراخ من بعيد
فيشبه هدير البحر أو طنين سحابة
من البعوض ، ويكون من الأفضل تجنبه بالعودة
أو بالبحث عن وجهة أخرى
فى بعض الأحيان، يأتى الهدير من
الجهات الأربع
ويكون تجنبه مستحيلا ، وعليكِ
أن تتخيرى
لقدميك نقطة ،
فى المنتصف تماما بين الجهات الأربع
كلمات انحرفت جهةٌ، عدلت موضع
قدميك ليكون
فى المنتصف
إلى أن تنفتح زاوية فتسرعين الخطى باتجاهها
*******
هل كنتِ يوما برصاء ؟
البَرصُ يعلمكِ كيف تضعين ذراعك
على كتف
نفسك
لكنه يجعل الأحلامَ حادةً
وجاهزةً للاستخدام
أعرف أحدهم يحلم ببلدة للبُرصِ
حيث الشوارع واسعة ،
البيوت ذات حدائق ونافورات
والسماء صافية طوال العام
كما يحلم بضحيته صاحب البشرة
الصحيحة ،
الذى يضل طريقه ويصل إلى بلدتهم
هناك ، فى بلدة البُرص ،
ستهرب العين كلما نظرت باتجاه
الضحية
وبشرته الصحيحة
سيسخر منه أطفالُ المدارس
يحدق قبل تحريك قدمه وإلا :
" ابتعد أيها المطلى
"
ومع الوقت يتحول قلبه إلى كتلة
من الجرانيت ،
لابد من ذلك
الصراخ الذى يقابل به
والمحاولات التى تبُذل لتجنب
مصافحته
يحولانه رمزا للشؤم
وقد يصبح لعنة تسوقها امرأة
لجارتها الحبلى ،
فى النهاية ،
لا يبقى أمام الضحية إلا أن
يحلم
ببلدة لذوى البشرات الصحيحة
هناك ،
الشوارع واسعة
البيوت ذات حدائق ونافورات
والسماء صافية طوال العام
والضحية البرصاء تضل طريقها
******
تسأليننى كيف نطير ؟
ليست الأجنحة التى نغزل ريشها
سنوات ثم
يذوب شمعها
فور أن نرفرف مرتين أو ثلاثا
بعضهم هنا يستيقظون فى الصباح
الباكر ،
ويلفون أقدامهم بشرائط من
القماش ، ثم يرتدون جوارب سميكة ، فوق بعضها ، حتى لا تؤلمهم الحقائق
المسنونة فى كل مكان
يظنون أنهم اقتربوا من أولياء
الله عندما يرتفعون
عن الأرض بضعة مليمترات ،
فيما يراهم الناس ملتصقين
بالتراب .
قدمُ العبد
بلا شرائط قماش أو جوارب
بلا حذاء وتصطدم أنى جالت
تقول للشلل :
تعال انهشنى ، فينسحب بفم ملآن
شوكا
ترى المزبلة منجما ، لا تستنكف
وترى التراب يعادل الإسفلت
قدمُ العبد، التى تزيح وتطمس
وتعبّد
لا تسقط الخطوات خلفها
وتطير بدورها يا حبيبتى .
*****
نكتسب أعداء جديدين كل يوم ،
فى الشارع،
فى العمل،
وعلى سلالم البيت
بعضهم يدوم معنا ،وآخرون يظهرون
أنيابهم لبرهة
ويختفون
أعداء حقيقيون ، يضمون قبضاتهم
ويكزون على
الأسنان
سنحطم رؤوسكم
سنحطمها
ينتظرون أن نزفر أو نصطدم
بالهواء الذى يحيط بهم
ولا نملك تفسيرا
فنرد الأمر للطقس أو لمياه
الشرب
عندما يصافحك أحدهم ، فليس لأن
الصداقة
موجودة
وتعمل كالعداء ، بل لأنه يحتاج
هدنة ليبدأ عداء
فى مكان آخر
أثناء الهدنة ، نتجول ضاحكين
نتنفس بكل طاقاتنا وننسى
الأحلام التى سمحت
لأيديهم بإلقائنا من النوافذ ،
وسمحت للقطارات بالعبور على
أرجلنا
عندما أشاروا ناحيتنا
أثناء الهدنة،
نتخيل أعداءنا وقد شاخوا فجأة
نأخذ بأيديهم التى رقطتها
الشيخوخة ونصعد
الأتوبيس
نهون عليهم أمراضَهم الخطيرة
ونثنى على حياة الشيوخ الغنية
بالسكينة
******
هل يشفينا العناق ؟
تتدفأ أقدامنا ونحن نسرق
القبلات فى ظلام
السينما ،
أو نسرق اللمسات فى الشارع
البرد فى الخارج يعجز عن الوصول
إلى أصابعنا
المتشابكة
سنرتب ثلاثة أيام قادمة
وسنعرف كيف نقضيها خطوة خطوة
وجبة ساخنة وقبلة
رسالة وعلاج للأنفلونزا
البرد فى الخارج هل يعجز عن
الوصول إلى أكتافنا
المتلامسة ؟
مكالمة تعيننا على التماسك ،
ومساعدة العجوز فى
عبور الشارع
حق الآخرين فى الخطأ وزيارة
الأهل
البرد فى الخارج يعوى ويدور حول
نفسه
أنا هنا يا حبيبتى ،
سنرتب ثلاثة أيام أخرى
وسنعرف كيف نقضيها بعيداً عن
النوم
أنت دافئةٌ والعناق سيشفينا
تُراب
الدوامات متتابعةٌ وتقصد الوجه مباشرة
لا يجدى معها أن تغمض عينيك
أو أن تدير ظهرك لاتجاه الهواء
..
وقد خرجتَ
لا يعود ضروريا أن تجرى إلى الداخل
كل خطوة تغرى بخطوة تالية ،
مع الظن بأن الطقس يتحسن
.....
أيها التراب ، يا من لا تنام
إذا صادفت أحداً فى طريقك
لا تغمر ملامحَه وشعره
لا تفسد عينيه وقدرته على
الكلام
طارده حتى مخبئه
طارده وكفى
حتى يغلق الباب ويستند بظهره
إليه
ثم دعه يعتقد أنه نجا
فى الشتاء
مدافن جديدة
يبنيها عمالٌ غرباء
ثم يضع أصحابها أقفالا على
بواباتها وينتظرون
إلا أن الترابَ يسبق ويفسد
ألوانها
أيدى البنائين تمتلئ بجروح
خضراء
يسمونها "قبلات الأسمنت "
يحكونها بالرمل والماء
ويرطبونها بالزيت ،
لكنها تظل مهترئة ،
أهلّةٌ من الجبس تحيط أظافرهم
ماذا يفعلون بأيديهم التى لا
تتوقف عن الطنين ؟
لعقوها ثم بالوا عليها
لكنّ قبلات الأسمنت ظلت تحت
الأظافر ،
بين الأصابع وفى راحة اليد ،
متعرجة كزهرة ، بأشواك إضافية
ونحلٍ ذاتى ورماد سجائر يكممها
دون جدوى !
تتأجج فى البرد
يمر الهواء على حوافها، فيمنحها
مزيداً من الألم
لا يكفى أن تتدفأ الأيدى تحت
الآباط
أو فى جيوب السترات
الأيدى الموبوءة بقبلات الأسمنت
هم القادمون من قرى بعيدة
يفرغون من مدفن ليبدءوا إقامة
سواه
تاركين داخله حكايات عن الأهل
وعن قراهم البعيدة
من سيجمع الخشب ؟
من سيصنع الشاى ؟
ثم يتشاجرون حول الغد
هل يكون أطول من اليوم ؟
