ميت يحرس المدينة / محمد بنميلود

 ميت يحرس المدينة

محمد بنميلود


ميت يحرس المدينة - محمد بنميلود - بيت النص


ليس لي طاقة على كتابة الشعر الجاد، ولا على رفقة الشعراء الجادين، ولا على النظر طويلا إلى عبوس كلماتهم دون أن أشيح برأسي بعيدا، لأنتمي إلى ابتسامة الخيال الشاسعة.
*
لا أبكي، ولا أحب الشعراء البكائين، والشعراء الضحايا، والشعراء الندّابين.
أفضل الشعراء العابثين المستهترين
الساخرين.
*
لا أبكي، ليس لأني بلا دموع، بل لأن دموعي أكبر من عيني.
*
شِعر الحب ليس هو أن تكتب عن المرأة باستمرار. شعر الحب هو أن ترى الكون كله امرأة، وأن تكتب عن كل شيء بحب.
*
أسكن قرب نهر، أطل عليه من هضبة الدوم مساء، وأكتب أشعارا باسمه.
لكن،
الماء هو الماء،
لا اسم له، ولا بلاد، ولا هوية، ولا عمر، تماما كالشعر.
لو ولدت بصدفة أخرى في مكان آخر، سأحب نهرا آخر، إلا أني
سأكتب
الشعر
نفسه.
*
أحب المعاطف السوداء الطويلة، الكاشكولات الصوفية، الشَّعر الطويل الممشوط بالعاصفة، القبعات تطير لتتحول إلى بومات، الأحذية السميكة فوق سكة مهجورة في الصقيع يضيئها البرق، السعال في الأقبية، المطريات، والرعشات، رغم أن الجو هنا مشمس باستمرار، دافئ حتى في الشتاء، ولم أر في حياتي، أبدا، الثلج ينثال.
*
السكون والاطمئنان يؤديان إلى الجديةِ والوثوقِ في الكلمات، أما السخرية فيؤدي إليها قلق عظيم.
*
اكتب وامسح ما كتبته، وأَعِدْ كتابته بطريقة أخرى، ثم بأخرى، ثم بأخرى، إلى ما لا نهاية، كلعبة نرد تُلعب بمتعة، ملايين المرات، بنفس النرد، ونفس الطاولة.
الله أيضا يفعل ذلك، يشكل السحاب في السماء كل يوم في ملايير اللوحات، ثم يسأم فيمسح كل ذلك بممسحة الليل، دون أن يندم، ثم في الغد يبدأ اللعب من جديد.
*
الكتابة الجيدة مجرد لعب، إلا أنه لعب بالسكاكين في الغالب.
*
الكتابة الجيدة مجرد لعب، هذا لا يعني أن اللعب أسهل من الجد.
إننا هنا لا نلعب بنرد وطاولة. بل حياتنا هي النرد، وجراحنا البليغة هي الطاولة.
*
تعال لتشرب معي شايا في مقهى صغيرة، قرب مرسى سلا، تكون فارغة في الصباح الباكر، أنا أدعوك على حسابي. سأريك الطيور وهي تطير من النهر في أسراب على شكل مثلثات، ثم تعبر القلعة باستدارة موكب ملكي، دون أن تكسر دقة المثلثات. لا يمكنني وصف احترام الطيور للرياضيات في قصيدة نثر، ولا حتى في قصيدة مقفاة، تعال لترى بنفسك.
*
بعض الشعراء يستفيدون من الحرب، أكثر مما يستفيد منها باعة السلاح. تشعر بالموت والتشظي والتلاشي والتعفن داخل قصائدهم، أكثر مما تشعر به تحت الغارات. عوض أن تنقذ الكلمة جريحا أو مغمورا تحت الأنقاض أو تدغدغه ليضحك، تصبح لغما يفجر حتى عين قارئ ليست في بلاده حرب.
للأسف: الغزاة لا يقرءون ذلك النوع من الشعر.
*
لكن، لا يمكن للشعر أن يقدم لك ورودا فقط، تقدمها لحبيبتك. إنه يقدم لك أيضا نعشا جميلا إن احتجته، نعشا لحياتك وأنت حي، كي تختبر الموت وتجربه وتستعد له وتتدرب عليه قبل أن يحضر.
نعش مصنوع من شجرة عرعار فتيّة، والخشب الذي يفضل من صناعة النعش، يصنع منه الله الكمانات.
لا نستطيع أبدا أن نحدد للشعر مهمة واحدة يقوم بها، بل إنه يتطوع كل مرة، مجانا، كالله، للقيام بكل المهمات.
*
لا يمكنك أبدا أن تعتمد على الواقع فقط إن أردت لعبا مسليا بالكلمات، عليك الاعتماد أكثر على الخيال.
الواقع للاستعمال اليومي كسكاكين المطبخ،
أما الخيال فللاستعمال الأبدي:
كالموت.
*
لا أعرف لماذا علي أن أنهض كل مرة إلى المرحاض لأبول. كان بالإمكان أن يكون الإنسان شيئا آخر، لائقا أكثر لكتابة الشعر والفلسفة وتأليف الموسيقى.
لا يبدو من اللائق بتاتا أن تفكر في أشياء عظيمة وأن تقطع أفكارك رغبة ملحة في الذهاب إلى المرحاض. لا أعرف خطأ من هذا؟ رغم أن بعض الناس يقولون إن الأفكار العظيمة العبقرية والنبوءات لا تنزل عليهم إلا في مرحاض. أصدقهم، إلا أن ذلك لم يحدث معي أبدا في مرحاض ولا في أي مكان آخر.
*
يكفي أن أفكر أن الإنسان يمشي على قدمين فقط، مستقيما كالرمح، حتى أشعر بالرعب. أتخيل نفسي أرنبا، والإنسان قادم في اتجاهي بشكل طولي رهيب دون أن يسقط، سواء كان صيادا، أم لصا، أم قديسا، لا يمكنني دون شك، إلا، أن:
أهرب.
*
لكن،
رغم كل شيء،
حتى العصفور مستعد أن يثق فيك،
أن يقترب منك،
أن يأكل من كفك،
أن ينقر شاماتك،
وحتى أن يقبّلك،
عليك فقط أن تثبت له أنك لست إنسانا،
بل عصفورا.
*
هناك من يتأفف من كلمات في الأدب، يجدها نابية، خادشة للحياء، مدمرة لطبلة الأذن وللذوق. هذا الشخص يشبه من يريد بيتا جميلا دون مرحاض ودون مرآة.
بالنسبة إلى مهندس جيد ونزيه، لا يمكن أبدا أن يخدعك ببيت دون مرحاض، ودون مرآة.
*
لا تُطهر ظاهرك فقط، -أقول هذا لنفسي-، طهر أيضا أعماقك، واعلم منذ الآن أن ذلك مستحيل.
إنك للأسف مرحاض متنقل.
هذه ليست شتيمة، إنها حقيقة لا يرها إلا من بدا له ذات مرة جسم الإنسان شفافا.
عليك أن تعتاد على نفسك، إنه تمرين شاق، لكنه مسل، وباعث على حب الأزهار.
*
يكتشف الإنسان أخيرا بدهشة كبيرة، أنه الوحيد القادر على الاعتياد على رائحة ضراطه، عكس الآخرين مهما حاولوا. بل أكثر من ذلك، يحدث أن تستنشق رائحة ضراطك بعمق ومتعة، خصوصا حين تكون رائحته أكثر سوءا.
*
بعد ذلك مباشرة يأتي الشعر،
تتحول الدمعة في عين طفل يتيم إلى لؤلؤة،
والوردة الجميلة المتفتحة في حديقة الربيع،
تنعكس،
في سكين.
*
نعيش حربا صامتة طويلة مرعبة هنا، دون قنابل، دون طائرات، دون مدافع.
السماء صافية في الغالب، والصباحات جميلة كل يوم،
لكن،
ما عليك إلا أن تمر جنب مقبرة، تتسلق السور بشجاعة وتطل، حتى ترى النتيجة.
*
إنك تحلم بالجنة لسبب واحد، أن حياتك كلها تمر هنا في الجحيم.
*
لقد تغيرت نظرتي كثيرا إلى الشعر، عشت سنوات طويلة على ما يبدو، ربما أكثر من اللازم. أصبح الشعر لا يعني لي أي شيء تقريبا. أقف على هضبة جبل الرّايْسي الخضراء بالدوم والحشائش كل مساء وأتأمل نهر أبي رقراق الأزرق الصافي تحت سحابات بيضاء ناصعة.
كل شيء يبدو حيا وبالألوان منذ الأزل،
بينما الكلمات في يدي،
تظل دائما:
سوداء.
*
أخيرا يصل الزورق، ينزل منه صياد عجوز بدين وأخرس، يصعد ببطءٍ وصعوبةٍ الطريق الطينية البيضاء القديمة، طريق "تَادُقّة" المجمرية، على كتفه اليمنى شباك، في يده اليسرى سلة مليئة بالبوري، وفي فمه سيجارة منطفئة منذ قرون.
ثم: يخفق قلبه آخر خفقة، فيسقط ويموت.
يتشتت البوري وهناك واحدة ما تزال حية.
إنه المساء، النسائم النهرية الجافة تعبث بياقة قميصي الصيفي، والأضواء خلف ظهري تشتعل بالتدريج في الحي.
حدث هذا سنة 1994، أتذكر جيدا حركة السمكة الحية على الأرض ولمعانها، وارتجاف الزورق على النهر، في عرض موفق للموت، دون دراما كبيرة.
*
ليال كثيرة آنست وحدتي ذبابة فقط (أو بعوضة أو فراشة عث وحيدة)، لا أعرف من أين جاءت، ولا لماذا جاءت، تحاول الدخول في عيني، تحاول الدخول في الشاشة، تحاول الدخول في قصيدة.
أخيرا تنجح.
*
في يد حارس السيارات العجوز -الذي مات جالسا على الكرسي مرتديا ثلاثة معاطف- مصباح مشتعل.
مات وبات يحرس حتى الصباح، والكلاب باتت تعوي في المطر الغزير، وضوء المصباح مبلل ينعكس في عيونها.
ميت يحرس المدينة،
عرض جيد آخر للموت.
تلك الليلة لم أكتب سطرا واحدا،
شربت قنينة كاملة من النبيذ الأحمر الرخيص،
ولعنت الكلاب كالعادة.
*
قبل أن أنام، لا أغلق النافذة أبدا.
أتركها مشرعة،
يدخل منها القمر ويجلس على كنبتي الفارغة.

تعليقات