نصوص / نجاة علي

 نصوص 

نجاة علي


نصوص  - نجاة علي - بيت النص


هذا العدم لا يثير رهبتي

لن أنشغلَ بطيفك الذي مرَّ
سريعًا من هنا
رغم أنني فعلتُ ما يكفي
لتنظيف البيت من الأشباح
لذا سأنتشي بالقسوة
وأنا أمحو اسمك
من كل الأساطير التي
سأرويها عني
وربما أتسلّى بتمزيق
القصائد التي كتبتُها لأجلك
وسأبتهج حين أدهن حوائط
البيت باللون الأبيض
وأنا أردّدُ في نفسي
عبارةً قديمة:
"إن الأيقونات الكاذبة
لا تصمدُ طويلًا أمام الزمن".
فهل تدرك أن هذا العدم
لا يثير رهبتي حقا؟

القدم التي خدشْتها عيونكم

ماذا فعلتمْ بهذه القدم
الصغيرة
التي خَدشتْها عيونكم
الزجاجية
كفوا مشارطكم عنها
قليلًا
لماذا تواطأتم ضدها
بكل هذه القسوة
وغرزتم على جانبيها
المسامير؟!
كأنكم تستعدون لصلبها
كي تُكفّر عن كل الخطايا
التي خططتُ لارتكابها
طَوالَ عمري
لكنكم لم تمهلوني
كي أطلعكم على سرِّها!!
ألا تعرفون أنها
القدم التي بكى حبيبي
تحتها
ذات مرة
مستظلًا بدفئها
وقال إنها شمسه
التي لا تغيب
فلماذا لمْ أخبره بأنني
منذ عام
وأنا غاضبة من الله
لأنه تركني وحدي
في أرض غريبة!!
أخفي تعاستي تحت
جلدي
وأهرب من أشباح القصائد
التي تعبر بخفة
قرب قدمي الصغيرة.

بصيرة

صرتَ تتحدث كثيرًا
عن معنى البصيرة
ولم تعدْ تشعرُ بوخزات
الزمنِ المتلاحقة
ولا بالشقوق التي التهمتْ
الحوائط
فهل مُنيتَ بفقد الذاكرة
في حياة سابقة
أو أصابك مرضُ السُكر يومًا
فأتلف ما تبقى لديك
من خلايا المخ؟!
وإلا لماذا –إذن- تتعثّرُ
في الطريق
إلى مقابر العائلة
حتى إنك ضللتَ الحفرةَ
التي دفنتْ فيها أباك.
والقصائد التي سقطت سهوًا
في غفلة منك.
عشرون عامًا مرتْ
كانت كافيةً
لينطفئَ صوتُك
وأن تعرفَ معنى الخيبة
وأنت تتلصّصَ على حياةٍ
أصابها العطبُ.

البحارة

قاطعوا البحارة
فقتلاهم هنا كثيرون
ثم إنني كلما رفعتُ عيني
لأنظر إليهم
أبصرتُ آثار دمائي
على أطراف
أصابعهم.
لا تخبروهم بأنني هنا
وأنني عبرتُ المحيط
لأجلهم فقط.
وها قد صرتُ لا أفعل شيئًا
سوى أنني أكتب
أسماءهم على حائطي
ثم أمحوها.
لا أريدهم أن يعبثوا بروحي
يكفيني قلبي المتعب جدًا
وأيامي التي صارت أثقل
من أحلامي.

البعيد

يقولون إنك لا تشبه أبي
في شيء
حتى أُفتنَ بك
لكنني بك فُتنتُ
فلا تصوبْ عينيك
هكذا باتجاهي
كمدفعين يخترقان صدري
فلستُ نجاة الصغيرة
حتى ترسمني بشفتين
مثيرتين
وتعلق صورتي على
حائطك المتهاوي.
غرفُتك ضيقة فعلًا
لن تتسع لظلي حين
أمده بالليل.
وحدي هنا أجمّع ما تبقى
من آثارك قرب نافذتي
التي أطلُ منها
على قلبي المهزوم أمامك.
كيف تجرؤ على النوم
وبيننا محيط مشتعل
بشوقي إليك
وحدي هنا أكلمُ
صورتَك
علها تخبرك بمتاهتي.
وبأن الكأس الخامس
هو من أوهمني سهولة
الوصول إلى جسرك!!
لكن "بروكلين" هذا بعيد
جدًّا
أريدك - فقط -أن تراني
حين ألوّح
لك من فوقه
بيدي المرتعشة
لتعرف أيها المجنون
كم أحبك.

الخِذلان

المدينةُ التي لم تتسعْ
لأحلامك
وظلتْ تطاردك في كل
مكان هاجرتَ إليه
قد أطفأتْ أنوارها الليلة
مبكرًا
-على غير عادتها-
كي تسمحَ لك
بالهروب سريعًا
سوف تعبر- إذن- الجسر
وحدك
هذه المرة
ويدك ملطخةٌ
ببقايا حناني معك
في آخر مرة التقيتكَ
فيها
حيث جلسنا لساعات
-غير عابئين بالزمن-
في مطعم الحيّ الذي
تتوه فيه عمدًا
كنتُ أتأمل خطوطَ كفِك
التي تؤلمك
وتوهج العينين اللتين
لا يفهم سرهما
أحد
لكنهما تقولان كل شيء
تخفيه
حين تُردد اسمي بخذلان.
لذا سأقنعُ نفسي
بأنكَ لستَ سوى
بحارٍ بائس
لا وطن له يُحن إليه.
ربما لا تجيدُ
قراءة الحكايات
ولا الوجوه المنكسرة
ولا القصائد التي مزجتُها
بيأس يقبعُ بروحي.
لعلك لن تفهم أبدًا
أن الكراهيةَ بدايةُ الشفاء
من الجرحِ.

في سن السادسة والستين

في سن السادسة والستين
ستلهو بما تبقى لديك
من الزمن
وستسمي أيامكَ القادمة
بـ"الوقت الضائع"
وستتسلى بالفرجة على
خسارة العائدين من البحر
وتسخر من الحب
الذي ضيعكَ سنينًا
فجعلك تستيقظُ خائفًا
في منتصف الحلمِ
لكن هذا لن يمنعك أبدًا
من التنزه بين بقايا
الجثث التي تهذي
في الغرف المجاورة
كي تقاوم أشباح الوحدة
وستفخر دوما بأنك
قد صنعتَ ما يكفيك
من الأساطير.
في سن السادسة والستين
ستؤلمك أيضا حال المدينة
التي شاختْ دون أن تنتبه لها
و ستتندر على مشهد البنت
التي أوقدتْ لك شمعة
كي تبدد تلك الغفلة
التي طالتْ
وظلتْ تؤمن بأنك
لم تمتْ بعدُ.
تلك الموسيقى التي تتسلل كالضوء
سأجمّع خساراتي من
فَقد الأحبة
وأكتبُ عن أسراب اليأس
التي تتوافد إليَّ
من كل صوب وحدب
ثم أحدثكم عن وحدتي
التي طالتْ .
ثم أشير بيدي إلى الجدار
المشقوق
الذي نقشتُ عليه
جزءًا من وجهي المنكسر
وحكايات الماضي الأليم
سأفرح -الآن- فقط
لأني أستمع إلى هذه
الموسيقى
التي أشرقت كالشمس
في روحي
وبدتْ كالضوء المسموع
الذي يتخلل جسدي.
فبعثت فيه الحياة ثانية
وأشاعتْ السلام
في الكون كله.
الغريمة
لم تكن تلعنُها
أبدًا.
على العكس تمامًا
تراها بائسةً،
غريمتَها الجميلةَ
التى تتأملُها
على بعد سنتيمتراتٍ
بنظراتٍ حادةٍ
وتتهيأ لجولة جديدة
لاستعادة الصيد الثمين.
كانت تشبهها فى
كل شىءٍ :
العينين العميقتين,
الحواسِّ التى خرَّبها
الحبُّ،
الجسدِ الذى أدركه
العمى.
لكن على أيَّة حال
غريمتها
كانت أكثر براءة
منها
ولا تكتبُ الشعرَ.

تعليقات