هل أولاد أحمد شاعر "كبير" أم ظاهرة؟ / فتحي النصري

 هل أولاد أحمد شاعر "كبير" أم ظاهرة؟

أو كيف نقرأ أولاد أحمد؟

فتحي النصري


هل أولاد أحمد شاعر "كبير" أم ظاهرة؟  - بيت النص


عندما يذكر اسم أولاد أحمد لا يُقْتَصَر غالبا، ولا سيّما بعد وفاته، على صفة "الشاعر" بل تضاف إليها غالبا وبصورة تلقائيّة صفة " الكبير". ولكن إطلاق هذه الصفة أيسر بكثير من تعليلها. فما الذي يبرّرها؟ لا شكّ أنّ من يطلقها يريد أن يشير إلى أنّ لأولاد أحمد "فائض قيمة" يميزّه من سائر الشعراء التونسيّين أو من معظمهم. فهل يعود هذا الفائض إلى شعره أم إلى شهرته أم إلى شخصه أم إلى هذه العناصر مجتمعة؟ هل هو شاعر كبير بالمعنى الذي نصف به، مقتصرين على البعض من رموز الشعر الحرّ الذي كان يزاوله أولاد أحمد دون أن يقتصر عليه، السيّاب أو خليل حاوي أو أدونيس أو درويش ؟ أم إنّ الأمر يتجاوز شعره إلى شيء آخر؟
إنّ المفارقة تكمن في أنّ شخص أولاد أحمد لقي من الصدى عند الجمهور ما لم يلقه شعره عند الدارسين. فلم يعطف على مدوّنته بالتأمّل غير قلة من الباحثين منهم الهادي إسماعلي الذي خصّه بمؤلف نقديّ بعنوان لافت "أولاد أحمد شاعر البلد" (تونس، 2017) مع عنوان فرعيّ يظهر في الصفحة الداخليّة "محاولات تقييم". وهو أيضا عنوان دالّ يشي بالوعي بالحاجة إلى تدقيق القول في شعريّة أولاد أحمد. ولا يخفي الناقد أنّ شهرة أولاد أحمد كانت من دواعي اهتمامه بشعره ولعلّها الداعي الأساسي. فهو يقول عنه:"من أشهر شعراء تونس في العصر الحديث ومن أكثرهم انتشارا محلّيّا وعربيّا. إذ من النادر أن تصادف شاعرا لقي شعره رواجا في الأوساط "العالمة" بصناعة الشعر والأوساط "غير العالمة" على قدر السواء، مثلما حقّقه شعر أولاد أحمد من رواج وشيوع. بل إنّه الشاعر الوحيد الذي وحّد التونسيّين في محراب عشقه بشكل ملفت وأدخلهم عالم الشعر(...) من طريق بديع نظمه وسلسال كلماته.." (ص. 17). ولا يخلو هذا القول من مبالغة إذ يعسر في تقديري على من لا يشارك أولاد أحمد فهمه للشعر والشعرية وعلى من لا يقاسمه الخلفيّة الإيديولوجيّة أن يستسيغ شعره بَلْهَ أن يتبتّل إليه تبتيلا. وبغضّ النظر عمّا قد يكون في هذا القول من مبالغة قد تفسر بملابسات التأليف إذ وضعه إسماعلي، وهذا لا ينفي الإعجاب بالشعر في حدّ ذاته، وأولاد أحمد على فراش المرض الخبيث الذي أودى به، فإنّ الناقد يردّ مكانة أولاد أحمد إلى الشهرة واتساع دائرة متلقّي شعره وإلى شعره في ذاته.
إنّ تعيير شعر أولاد أحمد يقتضي أن نجد المدخل الملائم إلى قراءته. وعندما نطرح السؤال :"كيف نقرأ أولاد أحمد؟" ندرك بالبداهة أنّ المقصود إنّما هو شعره أي كيف نقرأ شعر أولاد أحمد؟. غير أنّ الحذف المألوف في مثل هذه العنوان بدا لي ذا مغزى عندما يتعلّق الأمر بهذا الشاعر، إذ إنّ قراءة شعر أولاد أحمد هي بمعنى ما قراءة في أولاد أحمد الذات التاريخيّة. إذ ليس أولاد أحمد مجرّد شاعر وإنّما هو ظاهرة بما تعنيه كلمة ظاهرة من حضور مادّيّ في المكان والزمان وبما تعنيه أيضا، إذا استأنسنا بما ورد في المعاجم عن الكلمة الأجنبيّة (Phénomène) ، من دلالات أخرى تتّصل بالحدث الخارق للعادة أو الشخص النادر والفرد الشاذّ عن المألوف المنتبذ عن المركز والإنسان الطريف المبتكر.
وأولاد أحمد له نصيب من هذه الصفات. فمنذ أن استقرّ بتونس العاصمة قادما من سيدي بوزيد اتّخذ له منذ بداية الثمانينيّات مقرّا ثابتا في مقاهي شارع الحبيب بورقيبة والشوارع المجاورة وحاناتها. وما من مثقف تونسي أو متعلّم أو أديب أو سياسيّ أو نقابي أو طالب جامعيّ لا يعوج على هذا الشارع الرمز ولو مرة واحدة في السنة. في مقاهي هذا الشارع وفي حاناته وما جاوره (مقهى الروتندة، مقهى الكون، مقهى عند الزنوج وغيرها..) كانت تنعقد مجالس عفويّة مركزها أولاد أحمد ومدارها على الشعر وغيره من شواغل النخب التونسيّة. وفي هذه المجالس كان يقرأ شعره الذي بدأ يقرضه في سنّ متأخرة نسبيّا. فقد صرح أنّه بدأ يقول الشعر في الخامسة والعشرين.
كانت البلاد التونسيّة في بداية الثمانينيّات تحت وطأة أزمة سياسيّة (الصراع على خلافة بورقيبة) ونقابيّة (ما بعد أزمة جانفي 1978) واجتماعيّة واقتصاديّة. ونما الحراك في صفوف المعارضة السياسيّة والحركة النقابيّة والأوساط الطلاّبيّة. وقد وجد هذا الحراك في شعر أولاد أحمد إلى جانب شعراء آخرين نخص بالذكر منهم منصف المزغنّي وآدم فتحي سندا يعكس رؤاه ويعبّر عن تطلّعاته. وسرعان ما تبنّت هذه الأوساط هؤلاء الشعراء وهيّأت لهم أطرا لإيصال أصواتهم في صحافتها وعبر الأمسيات الشعريّة. وممّا يسّر ذلك أنّ هؤلاء الشعراء ينتمون إلى الفكر التقدّمي واليساري بشكل عام وليس لهم انتماء حزبيّ. وهو ما يجعل جميع الأطراف تتبناهم على قدم المساواة دون خشية أن يذهب رصيدهم الرمزي إلى طرف بعينه. وقد استمرّ أولاد أحمد في هذا الدور بعد 7 نوفمبر 1987 في حين غيّر منصف المزغنّي قلمه ليعدل شيئا فشيئا عن شعر الالتزام والثورة في "عيّاش" و"عناقيد الفرح الخاوي" وينخرط في شعريّة النكتة والمفارقة الساخرة. أمّا آدم فتحي فسيتّجه إلى كتابة الأغنية وإعداد البرامج الثقافية في التلفزة والإذاعة وهو ما سيفرض عليه شيئا من التحفّظ. وهكذا غدا الفضاء الشعري الناجم على هامش المعارضة بمختلف أصنافها ومشاربها على ذمّة أولاد أحمد الذي لم يقصر كتابته على الشعر ولكن كان لمقالاته الصحفيّة المتسمة بالسخرية اللاذعة صداها الواسع في هذه الأوساط، لاسيّما وأنّه كان ذكيّا في اختيار الموضوع والمعركة والتوقيت وكان ذكيّا في محاورة الجميع وملاعبتهم، ينطبق ذلك على منافسيه من الشعراء والكتاب مثلما ينطبق على السلطة.
كل هذه العوامل جعلت من أولاد أحمد ظاهرة اجتماعيّة وظاهرة شعريّة في الآن نفسه، بحيث لا يجدر بنا مقاربة منجزه الشعريّ خارج هذا التداخل والترابط بين البعدين الاجتماعيّ والشعريّ. وهو ما يقتضي التنكّب عن كلّ شعريّة شكلانيّة قد تختزل البحث في الشعر في تأمّل نصوص تنبثق في عزلة رائعة لتشهد على جوهر شعريّ ما. فمقاربة شعر أولاد أحمد تحتاج فهما للشعر غير ذلك الذي يرى فيه نوعا من اللغة أو يختزله في الكلمات باعتبارها أشكالا لها قيمتها في ذاتها، بل ينبغي أن ينظر إليه من زاوية كونه إنشاء لعلاقة خاصّة بين الذات والعالم باللغة. وهو بذلك يذكّر بأنّ الشعر قيمة في العالم على حدّ تعبير هنري ميشونيك. وتحتوي هذه القيمة على عناصر تنتمي إلى مجالات مختلفة مثل الأدب والواقع والتاريخ والسياسة والسيرة.
إنّ أهمّيّة هذا التصوّر تكمن في التنبيه إلى عدم ملاءمة نصّ أولاد أحمد لمفاهيم جاهزة حدّدت تصوّرات الشعريّة الحديثة من قبيل "الشعر الخالص" وما يفترضه من استبعاد لكل ما له صلة بمقولات الواقع والمجتمع والالتزام والإيديولوجيا من مجال الشعر، أو لرؤية نقديّة تختزل الشعريّة في مجرّد وظيفة للغة.
إنّ الإيفاء بحقيقة شعر أولاد أحمد يقتضي أن ننطلق من منجزه الشعريّ لتبيّن ما تحقّق فيه من قيم جماليّة لا نراها منفصلة عن مقصد الشعر المتمثّل في إنشاء علاقة خاصّة بين اللغة والعالم. ومن ثمّ فإنّ الإمساك بخصائص شعريّة أولاد أحمد يقتضي استدعاء مقولات مثل المحاكاة والواقع والتاريخ والسياسة والمرجع والسيرة والشفاهيّة والإنشاد والتلقّي للوقوف على العلاقة المحتمل انعقادها بينها وبين الشعر. ولا يعني ذلك أن نرتدّ إلى مفهوم الانعكاس، فمثلما رفضنا أن تكون الشعريّة مجرّد وظيفة للملفوظ نأبى أن نرى في القصيدة وثيقة تاريخيّة. إنّ التصوّر الذي نرتضيه يفترض تقبّل نصّ أولاد أحمد الشعريّ بكافّة مكوّناته للبحث في وجوه تفاعلها ومظاهر وحدتها وانسجامها.
لقد كان أولاد أحمد في بداياته واقعا تحت تأثير بعض الشعراء الذائعي الصيت، وهو ما يتضح من ديوانه البكر"نشيد الأيّام الستّة" (دار ديمتير بتونس سنة 1984). وتهيمن الواقعيّة على قصائد الديوان ولكن قد تطفو في بعض قصائده نزعات ذاتيّة. فمدارقصيدة "محمّد" الطافحة بالشعريّة على بناء هويّة الذات الغنائيّة على أنقاض الهويّة الموروثة من الأب، ولكنّ الغالب على هذه المجموعة الشعريّة النزوع الواقعيّ والشواغل السياسيّة والاجتماعيّة. ولقد ترتّب على ذلك استخدامه لغة مشدودة إلى التواصل والإبلاغ. وهي تنزع في مواضع إلى الخطابة والتبشير:
وصاح الحاكمُ:"احتضروا،
ألمْ نغْفر لمن صبروا"
أقولُ: الليلةَ اجتمعوا
حِيالَ الفجر...
وانتظروا
فشمس الشرق طالعة
وعندي
عندها
خبَرُ (ص. 22)
وترشح لغته في مواضع أخرى سخرية على غرار قوله في قصيدة "إلى أمل دنقل" (ص. 14):
من عَرَبٍ إلى بعَرٍ،
ومن تيه لتيهْ
كان الحمام عدوّهم
ونهارهم ليلا..
وليلك ما يليهْ
وممّا يلفت النظر في مجموعة "نشيد الأيّام الستّة" هذه النبرة التي تعلي من صورة الشاعر، وهو لم يزل في طور البدايات، إلى درجة تبلغ الاعتداد بالذات. يقول في قصيدة بعنوان:"نشيد الشاعر" (ص. 26) :
أنا العلامة والمنارْ
أنا النهارْ
أنا الفاروق والفيروزُ والحُلُمُ
للشعر أصنام سأهدمها
ربّا
فربّا
ثمّ أنْهَدِمُ
ولعلّ هذه السمة التي ستلازم أعماله الشعريّة التالية ستسهم في تشكيل صوت الشاعر الخاصّ. غير أنّ أولاد أحمد لم يتخلّص في "نشيد الأيّام الستّة" من أثر أصوات شعريّة عربيّة رائجة. ففي شعره صدى لهجائيّات مظفّر النوّاب ولبعض قصائد عبد الوهاب البيّاتي على غرار هذا المقطع من قصيدة "دستور الفقراء" (ص. 56):
في زمن المفرد
في لا - زمن الثورة...والطغيانْ
أقطع كل علاقاتي معكم
آخذ في سفني أحلام البدو منارا
وأسمّي نفسي: طوفانْ
غير أنّ حضور بعض خصائص شعريّة محمود درويش في المرحلة البيروتيّة بما يميّزها من نفس دراميّ ونبرة عالية واحتفاء بالإيقاع يحوّل القصيد إلى نشيد يظلّ الأوضح في عدد من قصائد أولاد أحمد في هذه المجموعة ولا سيّما في مطوّلته "نشيد الأيّام الستّة".
إنّ النزوع الواقعيّ سيظلّ ثابتا في شعر أولاد أحمد. غير أنّ أسلوبه الشعريّ سينفرد شيئا فشيئا بخصائص تميّزه. ولا يجد الناظر في مدوّنته صعوبة لتبيّن أهمّيّة المرجعيّ أو السياسيّ أو السيريّ في شعره. ولكنّ الصعوبة تكمن في تبيّن صيرورة هذه الموادّ في القصيدة وكيفيّة صهرها في بنيتها وتحويلها تحويلا به تُنْتَج الشعريّة وبه يميَّز شعر أولاد أحمد. ويمكن أن نرى في أزواج الشعريّ والسياسيّ والشعريّ والمرجعيّ والشعريّ والسيريّ مداخل ملائمة لمباشرة شعره. غير أنّ هذه المواضيع تحتاج مفاهيم صالحة نقترح في ما يلي شيئا منها.
لقد ميّز اللسانيّون في اللغة ستّ وظائف توافق العناصر الستّة التي تساهم في عمليّة التواصل. هذه الوظائف هي الوظيفة الانفعاليّة والإفهاميّة والمرجعيّة والتنبيهيّة والشعريّة والميتالغويّة. وهي توافق على التوالي الباثّ والمتقبّل والسياق وقناة الاتصال والرسالة والسَّنن. وتتحدّد الأدبيّة وفق جاكبسون بهيمنة الوظيفة الشعريّة التي تفترض استخدام الكلمات لقيمتها الجماليّة لا باعتبارها علامات تحيل على مراجع. إنّ هيمنة الوظيفة الشعريّة لا تعني تلاشي الوظائف الأخرى، ولكن تعني انحسارها وخضوعها لهيمنتها.
إنّ ما يميّز شعرأولاد أحمد في تقديرنا الأهمّيّة التي تكتسيها وظائف اللغة الأحرى دون أن ينفي ذلك بالطبع هيمنة الوظيفة الشعريّة. وهذا يعود إلى أنّه لا يمكن تصوّر شعر أولاد أحمد منفصلا عن وظيفة التواصل. إنّ أهمّ ما يميّز شعره أنّه ينهض على الحوار سواء كان حوارا مع الذات أو الآخر أو العالم أو مع اللغة. وتقودنا كلمة حوار إلى مصطلح هام في النقد المعاصر وهو الحواريّة. ورغم أنّ هذا المصطلح يعود إلى باختين في علاقة بالرواية إلاّ أنّنا نراه صالحا لاستجلاء أبرز خصائص شعريّة أولاد أحمد.
لقد أشار كل من أحمد السماوي ومحمّد القاضي (معجم السرديّات، مجموعة من المؤلفين بإشراف محمد القاضي، الرابطة الدوليّة للناشرين المستقلّين، 2010، مدخل حواريّة) إلى أنّ باختين اهتدى إلى مفهوم الحواريّة " عندما درس الرواية باعتبارها ملافيظ لغويّة وأركانا قصصيّة (...) فالرواية باعتبارها ظاهرة لغويّة تقتضي دراسةُ خطابها مجاوزة الجملة إلى الملفوظ أي مجاوزة ما هو كيان لغويّ مجرّد إلى ما هو كيان يتنزّل في مقام (...) وتتّخذ الحواريّة بعدين اثنين مختلفين هما الحواريّة التناصيّة والحواريّة التفاعليّة. وتحيل الأولى على ما ينطوي عليه خطاب المتكلم من خطابات غيره وتحيل الثانية على التجلّيات المتعدّدة للتبادل القوليّ".
إنّ الحواريّة مدخل صالح لإدراك خصوصيّة نصّ أولاد أحمد، إذ نحن معه بانتظام في مقام تخاطبيّ يفترض متكلّما ومخاطَبا وتبادلا قوليّا وردود فعل واستباقا لردود الفعل. والشواهد على ذلك كثيرة. فقصيدة "محمّد" (نشيد الأيّام الستة، ص. 20) قصيدة نثريّة مدارها على بناء هويّة الذات الشاعرة على أنقاض الهويّة الموروثة:
كان والدي محتاجا إلى نبيّ
فسمّاني: محمّدْ
وكان الله تحتنا في السماء
يقفز من كوكب إلى آخرْ
والكوسمونوتُ البيضْ
(المعلّقون كالفوانيس في الفضاء)
يطاردونه،
ويسألون: ما العمل؟
والعمل يا أبي، أنّ ولدك يلزمه اسم آخر
وليكن
ستعرفه جيّدا
عندما تنساني،
هناك
تحت الشاهدة.
غير أنّ أولاد أحمد قد ينكر هذه الهويّة الشعريّة في نصّ آخر:
لَمْ أَعُدْ شاعرًا
لمْ أُعَدَّ لذاك
وما خالي الجنّ
أو جدّي الشنفرى
غير أنّ البلاد الصغيرة لا بدّ من شاعر في رباها (حرفة الطير، الوصيّة، تونس، 2002، ص. 101).
وقد تتجلّى الحواريّة في محاورة الذات والانتقاض عليها في ضرب من النقد الذاتيّ:
"كنّا نجيب - في بداياتنا – على أسئلة الناس وننسى أسئلتنا الذاتيّة التي لا خصوصيّة للشعر خارج الإجابة عليها بشروط الشعر.
فكان الشعر تعلّة لإعادة إنتاج السائد والمنتظر، وراحت أصواتنا تنوّع على قشرة القول السياسيّ معارضة إيّاه أو ساخطة عليه، دون أن تجد لها طريقا لتقويض بناه من أسسها"(بغاية رفع المعنويات، الوصيّة ص. 19)
وكأنّ هذه النصوص الميتاشعريّة التي تشي برغبة في التخفّف من وطأة الالتزام بالسياسيّ في الشعر تمهّد للقسم الثاني من مجموعة "الوصيّة" "قصائد". فقد ضمّ نصوصا من الشعر الحرّ عدل أولاد أحمد في معظمها عن الهواجس السياسيّة والاجتماعيّة التي كثيرا ما تطفو في شعره إلى رؤى ذاتيّة مكثّفة عن القصيدة والمرأة وبعض ما يعرض من أشياء العالم كأنْ يكتب عن "الخلاخل":
ثأرُ الذكورة
من أسْرها
في مياه النساءْ ص. 42
أو يكتب عن "السلاحف":
حقُّ الصبور من الشعر
لا أدّعيهِ
يكرّمها بحروف تحاول معنى وأجنحة
بحروف تسير تسير
ولكنّها لا تسير إلى...ص. 43
وحين نطمئنّ إلى أنّ أولاد أحمد في هذا "النقد الذاتي" قد سلّم لبعض خصومه بما يرونه في الشعر يفاجئنا في نصّ آخر بما ينقض هذا "النقد الذاتيّ" أو هكذا يبدو الأمر في ظاهره على الأقلّ:
ما الشعر في النهاية؟
لنقلْ ...
إنّه تخمين لغويّ
هدفه..
إعانة السلطة على السقوط (بغاية رفع المعنويّات، الوصيّة، ص. 20)
والمخاتلة دأب أولاد أحمد في محاورة المتلقّي ومعابثته كأن يثير توقّعا ويخيّبه:
أمّا من ناحية أخرى،
(والحقّ يقال أحيانا)
فليس هناك ناحية أخرى (الوصيّة، الوصيّة، ص. 114)
وهي مخاتلة تستدعي مقام المشافهة وتدعو إلى استحضار طريقة الشاعر في الإلقاء، وتفترض جمهورا لأنّ "ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب" (الجاحظ، البخلاء).
وقد تتجلّى الحواريّة في التناصّ ومحاورة المرجعيّ المتجسّد في لغة الخطاب اليوميّ:
كتبتُ
كتبتُ
فلم يبق حرفُ
وصفتُ
وصفتُ
فلم يكْفِ وَصْفُ
أقول إذًا
باختصار وأمضي
نساء بلادي
نساء
ونصفُ (نساء، الوصيّة، ص. 130)
فكل القصيدة بُنيت ليمتلك الشعر عبر المحاورة والاستعادة العبارة الدارجة (مرا ونص). وفي محاورة الخطاب اليوميّ يكمن سرّ من أسرار رواج شعر أولاد أحمد.
وقد تتّخذ المحاورة شكل الباروديا مثلما هو الشأن في قصيدة "زهور" الموجّهة إلى زوجته. (الوصيّة، ص. 131). فالقصيدة قائمة على نظام الشطرين وعلى بحر المجتث الذي لا يستعمله أولاد أحمد. وقد جعل الشاعر من هدا النظام موضوعا للمحاكاة الساخرة وذلك بكسره والخروج في بيت واحد عن القافية الموحّدة:
يحتاج حبّك دوما
كمنجة وقصيدهْ
وواشيا ومذيعا
ومُخْبرا وجريدهْ
(...)
يحتاج حبك ماذا
نسيت يحتاج ماذا
يحتاج حبك حربا
على الأغاني البليدهْ..
إنّ منجز أولاد أحمد في معظمه منخرط في الشعر الواقعيّ الاجتماعي الملتزم. وهو بهذا يمت بصلة لمنحى شعريّ له أعلامه في البلاد العربيّة، وتمثله في تونس قائمة من الشعراء منهم منوّر صمادح في بعض شعره والميداني بن صالح والطاهر الهمامي والمختار اللغماني فضلا عن منصف المزغني وآدم فتحي وغيرهم. غير أنّ جملة من العوامل تضافرت لتجعل من أولاد أحمد ظاهرة شعريّة. ولكن مكانته لا تعود إلى حضوره الشخصيّ وحضور شعره في المشهد الشعريّ التونسيّ فحسب. ففي منجزه من الخصائص الفنيّة ما يميّزه. وفي هذا يكمن تفرّده، إذ الشعريّة في نهاية المطاف تتحدّد ببصمة الشاعر وأسلوبه المخصوص في الكتابة. ألم يقل عن نفسه بلغة لا نميّز فيها الجدّ من الهزل:
أملك بلدا وأسلوبا
وهذا يكفي...لهذه المرحلة الانتقاليّة (حالات الطريق، تونس، 2013، ص. 70)
إنّ شعريّة مختلفة تفترض مراجعة لمفاهيم الشعريّة وتفرض على الناقد تحمّل عبء البحث عن المداخل والمفاهيم المناسبة. فإن لم يفعل ذلك أخطأ هدفه. وقد قدّرنا أنّ مفهوم "الحواريّة" من المفاتيح الصالحة لمباشرة شعر أولاد أحمد. غير أنّ هذا المفهوم يقترن أصلا بالرواية التي تتّسع لتعدّد اللهجات وتعدد العوالم الإيديولوجيّة. فهل يتحمّل الشعر هذا التعدّد؟ ألا يمثّل خطرا عليه قد يحطّمه ويحوّله إلى نثر؟ ألا يفترض أن تكون لغة الشعر لغة فرديّة تذيب كل اللهجات والأصوات في لغة الشاعر؟ تلك بعض التساؤلات التي قد تثيرها هذه المقاربة.
تعليقات