حائط
زهرة يسري
واقفة خلف حائط
لا أستطيع
التحكم في فمي. لحسن الحظ يتماهى لعابي مع خطوط ورق الحائط
لماذا لحسن الحظ لماذا يسيل اللعاب ولماذا لا أستطيع التحكم في فمي؟
إعادة ترتيب الجمل لتبدو حيادية، يبدو مستحيلا كإعادة رص خطوط ورق
الحائط دون الإصابة بعماء الإستجماتزم..
واقفة خلف حائط، أتعفن بهدوء كرغيف خبز
أنتظر التحول الأخضر بيدي جندي ثقب رأسه بالراية البيضاء.
أجرى بخطوات ثابتة. لا يصيبنني الشعر الأبيض باليأس، لا الأسنان
الصفراء ولا انتفاخ العينين. مطمئنة مادام الحائط أمامي، السقف يلامس رأسي، أصابعي
في فمي أقرضها بدلا من الشعر.
القصيدة نائمة في بطن جارتي، أمد يدي فتخرج طفلة مبسترة تسميها زهرة،
أقول لها صباح الخير يا زهرة. أعطيها ثديي فتنام. مساء الخير يا زهرة. أعطيها ثديي
فتنام. أقبلها فتنام. زهرة لا تبكي. زهرة تضع إصبعها في فمها عندما لا أعطيها ثديي
تنام. أشترى أرنبا: هذا هو جدك يا زهرة. تبكي
فأقول لها لا تبكي! جدك الحقيقي هناك، غذى الصبار الواقف شامخا في مقبرة العائلة.
تضحك زهرة. تضع الأرنب في فمها وتنام.
جدي ليس هنا ليحكي
لزهرة أن الغابة تلد أشجارا والأرنب يأكل جزرا. يسألني الجزار إن كنت أريد رأسه أم
يطعمه لكلب حراسته. الحائط صلب أضع رأسي
عليه وأنام محدقة في الظلام، أصبحت بومة، لا أصبحت حرباء. أقول لزهرة إن الواقفين
خلف الحوائط يتحولون كل ليلة. الواقفون خلف الحوائط سريعو التحول. الواقفون خلف
الحوائط لا يتحولون. الواقفون خلف الحوائط يتحولون ببطء.. الواقفون خلف الحوائط يا
زهرة يظلون خلف الحوائط... يصبحون ظل الحائط.
ظل الحائط أفضل
أقول لزهرة فتنام.
أحكى لزهرة أن
الغابة ترى كل شيء أخضر وفي الليل تصبح عمياء، لذا يخدعها رداء الجندي فتعتقد أنه
حرباء بينما الحرباء الحقيقية مشغولة بتغيير لونها لتخدع الليل. الحائط لا يغير
لونه. الحائط صلب يا زهرة. أضع رأسي بالقرب من رأسكِ، أربعة عيون يحدقون في
الفراغ، عيني لا تلتقي بعينك، أشعر بإصبعكِ تجزين عليه، أحملكِ فوق كتفي نتسلق
الأشجار، أحملكِ بين أسناني، أخبئكِ في الأحراش البعيدة، أعلمكِ الطيران فتمنحينني
لذة السقوط، أعلمكِ الافتراس فتعلمينني لوعة الحداد، كنتِ يا زهرة شجرة روت جذورها
أرواح العائلة، نمرة التهم الضباع رضيعها، سحلية عطشى في صحراء لا أعرفها..
ماذا يمكن أن أكون سوى ذلك: حلقة في سلسلة التحولات ملقاة على حائط. أنا يا زهرة في طريقي للصدأ بينما أنتِ براقة،
يرن صوتك في الفراغ بينما صوتي ضائع.. ضائع لأنكِ لا تسمعينه، بأية لغة تتحدثين؟
تموئين فأقول لك نحن بشر، في صحراء الخوف سكنت أرواحنا قبل أن تتحول.. قبل أن نسقط
رملا في الصحراء الشاسعة. كنا أسودا لا نعرف أننا ملوك الغابة، فئرانا تحمل
الطاعون، كنا الطاعون، كنا كرات الدم البيضاء، بذرة معلقة في أرجل فراشة. تنطفئ
ألوانها خلال يومين.
أين تضيع؟
لماذا تنظرين إلي كأنني الفراغ؟
لست الفراغ يا زهرة، أحيانا أكون غير مرئية.. دائما غير مرئية، بل
ربما يا زهرة، ربما غير مرئية لكنني لم أكن حائطا، الحائط واثق في نفسه بينما
"ربما" تجعلني غير منفية وغير مؤكدة، "ربما" تستمد الحماية من
الحائط. أنت حرة إما أن تتبعيني أو أن تظلي مكانك تحدقين في الفراغ.
الصحراء خالية
من الحوائط، لأنها لا تعرف الألوان الصحراء لا تعرف الألوان لأنها خالية من
الحوائط.
في الصحراء نضيع بينما الحائط آمن، النوم فوقه لا يضاهيه شيء، الوضع العمودي
للرأس يجعل الجسد في حالة تأهب، الأقدام مستيقظة، الأيدي مقيدة إذا ثقلت العين
ينبها الألم.
الألم مهم لدرأ الخطر.. الألم خلف حائط مهم لدرأ الخطر، الخوف من
الألم خلف حائط مهم لدرأ الخطر الألم في الصحراء قاتل. لذا اتبعيني! المشي خلف
حائط يهدئ الأعصاب. الحائط مربع. المربع أفضل من الدائرة. الخطوط المستقيمة لها
بداية ونهاية. المربع آمن يا زهرة فلتحذري الدائرة! احذري الصحراء! فلن أكون هناك
لأضلل الكلاب عن رائحة خوفك، أنا لا أغادر الحائط يا زهرة فلتحذري مثلى كل ما هو
دون الحائط!
الحائط يطل على بحر، البحر من الجهة الأخرى يطل على حائط.
الحائط يطل على
حائط. الحوائط التي وراء البحار لا تختلف عن الحوائط التي أمام البحار
الحائط يطل على
سوق، باعة ومشترين، موسيقيين متسولين بعلب فارغة، رسامين يحاولون سد الفراغ بين
وطنيين يحسبون حبات التراب الملتصقة بأحذية متسللين يحلمون بأحضان أمهات ودعن
النوم على شواطئ تعود إليها أجساد محا ماء البحر معالمها.
الحائط يصد أمواج البحر، الحائط وحده له هويه: حجاب من الثلج يسقط بيني
وبين جارتي.. بينها وبين جارها.. حوائط لا نهائية تمتد حتى بيتي في الضاحية
البعيدة. هناك حائط كلاسيكي ينتظرني: أبيض مشقق ببقع المطر الداكنة. سوق، باعة
ومشترون وحالمون بما وراء البحار.
في كل البلاد تجدين السوق يا زهرة. تجدين رأس العجل على صينية الأرز
أو مسحوقة في حساء الخضروات. تجدين المصابين بالنوستالجيا يقضون العطلة في مطاعم
بلادهم ينفثون الكاري ولغة وحده الحائط يفهمها.
نحن لا نتكلم اللغة يا زهرة، اللغة تتكلمنا. نحن عبيد كلاسيكيون
للساننا. الحرية كانت تحلم بنا كل يوم وفى اليوم السابع عصيناها- رفضنا الدخول في
الحلم - فأطلقتنا نعيث في الأرض كلاما. أوهمتنا بقدرتنا على الحلم بينما الأحلام
هي التي تحلم بنا: غرف الإقامة المؤقتة، بلا حوائط.. بلا صحراء. أغمضي عينيك!
ستجدينني هناك في منتصف الحلم أمسح غبارنا الذي لم يختلط ببهارات البلاد الحارة.
لماذا أنتِ
بيضاء يا زهرة؟
بيضاء كشمعة..
بيضاء كحائط..
بيضاء كالثلج..
أقدامك الباردة تحفظ في ذاكرتها طريق الحرير، لم يخترق صدأ القيود
عظامك ولم تكنى يد الجلاد بل كنت وردة على الطريق، وردة في حلم طويل لا ينتهي.
الأحلام تحلم
بنا يا زهرة أغمضي عينيكِ ستجدينني هناك انتظر اشارة منك لأنهى الحلم عند الفصل الذي
تفضلينه: حواء تعطى آدم التفاحة وتقبله في فمه بينما يحاول الحلم اقناعك أن
الشيطان هو الذي أكل من الشجرة المحرمة.
الغابة أم الأشجار يا زهرة، فلتحذري الغابة! احذري الأشجار! احذري
الأكسجين! فهو يساعد على سرعة انتشار النيران.
اتركي وراءك
الأبواب مفتوحة..
ضيعني في فمك واقفزي الحائط..
