مهندس العالم
عماد أبو صالح
كتاب أشعاري الرابع اسمه "أنا خائف". أخاف فيه من أصدقائي و أعدائي و المرض و الماضي و صباح غد و نفسي أنا نفسي و من كل العالم. لي خمسة كتب و أخاف، لا أزال، من الكتابة. لا أعرف كيف استطعت أن أضم الحرف للحرف، و الكلمة إلى الكلمة، ثم الجملة إلى الجملة، و القصيدة إلى القصيدة حتى أنشئ كتابًا؟ كيف أمكنني ضم الكتاب للكتاب، حتى أصبح لي خمسة كتب؟ خمسة كتب و لا أزال مثل تلميذ يتعثر في تهجي الكلمات.
أنظر للذين يتكلمون عن متعة الكتابة و أضحك. جارسيا ماركيز يقول: أكتب ليحبني أصدقائي أكثر". لورانس داريل يقول: "لكي أحقق ذاتي". آلان جوفروا يقول: "لندافع عن أنفسنا على هذه الأرض البيضاء". و يقول الحكيم الفرعوني: "ليبقى اسمك في فم الناس".
لا.
أنا لا أكتب لأشياء من هذه. الكتابة عندي الم. كأني أستفرغ أمعائي. نزيف متواصل. قلمي في الحبر، إصبعي في دمي. لم أختر الكتابة ابدًا برغبتي. شأن كل شيء في عمري. عمري الذي ضاع نصفه دون أن أختار أي شيء برغبة مني.
من الذي يمسك كرباجًا، كلما اقف، يلسعني به على ظهري؟ من الذي يدفعني، غصبًا عني، لأكتب؟
الله؟
الشيطان؟
ما أحببته، و أنا طفل، هو أن أكون نجارًا. كنت مبهورًا بالنجارين. برائحة الخشب. بالعاشق و المعشوق يحضنان بعضهما إلى الأبد. كنت أطاردهم من بيت إلى بيت، حتى يسمحوا لي أن أكشط سطح خشبة خشنة، و أترك ملمسها ناعمًا رائع البياض. كثيرة هي الايدي التي أعادتني بالصفعات، لأذاكر دروسي. إلى حفلات التعذيب بالقراءة و.. الكتابة. يد أبي. يد أمي. يد المدرس. يد النجار هو نفسه.
لا أعرف لماذا أخاف الكتابة؟ ألأنها تتغذى على أعز ما فيّ؟ ألأنها تمص عصيري؟
هل لارتباطها بالمدرسين غلاظ الأكباد، و لجان الامتحانات، و المراقبين بعيونهم البوليسية، و رعب السقوط آخر العام؟
هل لارتباطها بالأفندي؟ بسلطة قميصه و بنطلونه على أعمامي أصحاب الجلابيب؟
أي مسخرة في أن أكون كاتبًا، و أمي في البلد هناك، تخطئ كل مساء في عد إوزاتها، و أبي يضع للفاء نقطتين و للقاف نقطة واحدة؟
سأسكت. حين أكتب أفضح نفسي.
ما أجمل الصمت.
ما أجمل البياض، قبل أن يتوسخ بحبر الكتابة.
أنا أكره الكتابة.
شيء سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف
إلى النقاد
كنت أمشي في شارع سليمان باشا شاردًا و وحيدًا. أمشي هناك أحيانًا إلى أن تكلّ قدماي، حين أكون مرعوبًا من أن أبقى وحدي في غرفتي في الليل.
فجأة حطت يد، من الخلف، على كتفي. ثقيلة و خبيرة و باردة، كأنها يد مخبر.
استدرت، و أنا أرتجف، لأراه فزعق فيّ: "أنت تستثمر في كتابك الثالث ما فعلته في كتابك الثاني". كان يشير بإصبعه في عيني و لعابه يغطي وجهي. رجعت، آخر الليل، محبطًا و مهزوزًا. كلمة "تستثمر" هذه كانت فظة و جارحة. أشعرتني بأنني تاجر أو سمسار.
وحده الرجل ماشادو دي أسيس خفف عني. سحبت روايته "دون كازمورو" لأقرأ منها، بعد أن فشلت في أن أجبر نفسي على النوم. هي رواية رائعة و مهملة. لا أحد هنا، و ذلك من الأفضل، يتكلم عنها تقريبًا.
وقفت فجأة، عند فقرة كأنه كتبها لأجلي. ليس معقولاً أنه كان يعرف، في الماضي، و هو يكتب روايته، ما سيحدث لي، في هذه الليلة، في المستقبل.
دققت نظري فإذ بالكلمات، في هذه الصفحة تحديدًا، صغيرة و مضغوطة عن الكلمات في الصفحات الأخرى!
شكرًا له. شكرًا لروحه الكبيرة التي رفرفت في غرفتي و دسّت هذه الفقرة، بين السطور، لئلا أنام حزينًا.
"سيدي، قالت دودة طويلة سمينة، نحن لا نفهم شيئًا على الاطلاق بين النصوص التي نقضمها، كما إننا لا نختار النصوص التي نقضمها، كما إننا لا نحب أو نكره ما نقضم. نحن نقضم".
إلى الشعراء
الشاعر مهندس العالم. حارم القبح من أن يهزم الجمال، و مانع الشر من أن يتسلل إلى الخير، و مانح المعنى في زمن بلا أي معنى (نعم. هكذا. أنا كلاسيكي). ليس نبيًا. دوره اصعب من النبي. النبي محروس بالله، و الشاعر مفتوح على الشيطان. قصائده مرافعات دائمة ضد الخطأ. الخراب يطول روحه هنا، ما دام ينال من أي روح، في الطرف الآخر، على الأرض. يخطف النار بيد عارية ليضيء للناس. يحشر لحمه بين التروس ليمنع انحدار عجلة البشرية إلى الهاوية. بندقيته الحلم.
سذاجة؟ تهور؟ صراع بلا تكافؤ؟
تمام. الشاعر يلعب هنا. في المنطقة التي بلا ضمان. وحده، رجل الأعمال، يحسب الربح و الخسارة.
سيموت؟
يموت. الموت هو يوم ميلاده الحقيقي. الولادة من الرحم ولادة مشاع. الاستثنائي و الخارق هو الميلاد من الموت. هل حقًا قتل فرانكو لوركا؟ من الذي ينفي أن رامبو أكثر حضورًا في الموت مما كان في الحياة؟
أمي كاتبة قصة
شائعة انتشرت في قريتنا عن أرملة صغيرة تحب جارها. (شمال الدلتا. الخوف هناك دين الناس. الكراهية. الناموس يمص دم الكلاب و البهائم و يفرغه في أجسامهم. يأخذون السرطان و هم ماشون على أرجلهم، كأنه دور انفلونزا). حبسها إخوتها لتعترف. لم تقل لهم "نعم" و لم تقل "لا"، فهي لم تكن نعرف ما هو الحب أصلاً.
عصر يوم، في الصيف، مزقوها بالسكاكين. لم تصرخ و لم تفر. كأنه ليس جسدها، و كأنه ليس دمها. أخوها الكبير خلع شاله و غطى ثدييها الملطخين بالدم، ثم وقف جوار جثتها، ينهج و يدخن سيجارة.
لم يتدخل أحد، رغم أن الناس كانوا كثيرين، لينقذها. حتى بنتيها الصغيرتين، بشعريهما الملبد و ملابسهما الممزقة، لم تكونا تبكيان. عيونهما كانت تفتش، برعب، في قلب أمهما، كأنما لترى هذا الشيء الذي يقتلون الناس لأجله.
أخفوا جثتها في حقل مغمور بالماء و شتلوا فوقها شتلات الأرز، حسب ما قصته عليّ أمي. كانت تقص ببراعة، حتى أنها أشعرتني بأنني شريك في القتل انا أيضًا.
لا يبرؤني أنني كنت، و هم يقتلونها، في مدينة بعيدة. يكفي أنني كنت حيًا في الحياة، في مكان آخر.
فنان كبير
لأنه كان قد بلغ 70 عامًا، و لأن قدميه ما عادتا تستطيعان حمله، و لأنه لم يكن يقدر أن يعيش دون أن يلعب بالألوان، فإن هنري ماتيس ثبّت قلم فحم في عصا طويلة، و راح و هو نائم في سريره يرسم، بكل تهور الأطفال، على حيطان الغرفة.
و لأنه لم يعد له أب أو أم أو أخ كبير، فلم يقل له أحد: "ولد يا هنري، سنقص لك أصابعك، كفاية، أنت وسخت الحيطان".
أبي، هو الآخر، فنان كبير
أكره قوس قزح.
أخاف منه. أخبئ عينيّ في المرات النادرة التي يلون فيها وجه السماء. أحمر. أزرق. أخضر. أصفر. برتقالي. بنفسجي.
كنت الطفل الوحيد في العالم الذي يكره قوس قزح.
ما السبب؟
أبي كان يمسك دائمًا خيزرانة. لم أره ابدًا من دون خيزرانة. كأنها إصبع طويل نابت في يده. وسيلة التفاهم مع الكلاب، و البهائم، و..... أمي.
تفك ملابسها لتستحم. تقف، بجسمها السمين، في الطشت، و تريني آثار الضربات. أحمر. أزرق. أخضر. أصفر. برتقالي. بنفسجي.
أقواس قزح صغيرة تملأ ظهرها و كتفيها.
أبي، هو الآخر، فنان كبير. يرسم، بعصاه، رسومًا ملونة على لحم أمي.
أكره قوس قزح.
أكره الأحمر. الأزرق. الأخضر. الأصفر. البرتقالي. البنفسجي.
أحب السواد.
إحذر، أيها الشاعر،
أن تكون شاعرًا
أحب إدواردو جاليانو.
أعتب على ماركيز، حين يقول: "هذا قدرنا و ليس لنا خلاص. نحن قارة خلقت من نفايات العالم أجمع بلا لحظة حب. أبناء الاختطاف و الاغتصاب و التعذيب و الخداع. قارة الأعداء ضد الأعداء".
أضحك، كذلك، من جاليانو. يقول في رسالة لروائي انجليزي اسمه سدريك بلفريج: "أشعر بالفخر لأنني ولدت في أمريكا اللاتينية. في هذا البراز". أقول له: "اسكت يا إدواردو. أنت لاتعرف قيمتها و لا قيمة نفسك. يكفي انها ولدت ولدًا مثلك لتكون أمًا رائعة".
ما يكتبه جاليانو عصي على التصنيف، بنص تعبيره، حسب ضباط جمارك الأدب. له كتاب جميل هو "قرن الريح" عن الديكتاتوريات و المقاومة، يحكي ضمنه عن ديكتاتور كان يعالج الصداع بقطع الرؤوس. يحكي، كذلك، عن دييجو ريبيرا. رسم ريبيرا الناس على جدران المكسيك بدل الآلهة و الملائكة و الأباطرة و القساوسة و العسكريين الكبار. كان يضع مسدسًا في حزامه، من أجل وضع حد للنقاد.
هذه كلمات كتبها عن روكي دالتون، هي قصيدة لشاعر رائع، صاحبها ما كان مهمومًا بأن يكون شاعرًا في الأساس.
أشعل النار و أناديه
كان روكي حماقة حية لا تتوقف قط. هو الآن يجري في ذاكرتي. ماذا فعل الموت حتى قبضه؟ كانوا سيعدمونه، و قبل أربعة أيام سقطت الحكومة. مرة أخرى كان سيعدم، و شق زلزال جدار السجن فهرب. ديكتاتوريات السلفادور، البلد الصغير الذي هو بلده، و الذي كان يحمله موشومًا على جسمه كله، لم تتمكن منه أبدًا. الموت انتقم من هذا الإنسان الغريب الذي استهزأ به استهزاء. في النهاية ثقبه بالرصاص غدرًا. أرسل إليه الرصاص من المكان ذاته الذي لم يكن ينتظر أن يجيء منه. من أعز أصدقائه. ظل الأمر خلال شهور مشكوكًا فيه أو غير معروف. أمات أم لم يمت؟.. مات.
و اكره أمك
إكره أمك أيها الشاعر.
نعم. أمك.
صعب؟
حاول.
في واحدة من نوبات جنونها المدمرة، قال الطبيب لسيلفيا بلاث (شاعرة. تزوجت تيد هيوز. نصف مجنونة. نصف عاهرة. و ضعت رأسها في فرن الغاز): "يا سيلفيا، أنا أعطيك تصريحًا بأن تكرهي أمك". تقول سيلفيا: "آاااااااااه. شكرًا. أكرهها يا دكتور. أكرهها، و لكم أحس بالراحة".
واحدة من عماتي (أرملة. لها ولد و بنت. لا تقرأ و لا تكتب) فاقت سيلفيا بلاث براعة في كراهيتها لأمها. سيلفيا تكلمت، و عمتي نفذت. أشعلت النار في نفسها، و راحت تفتش عن أمها في غرف البيت، و هي والعة مثل شمعة من لحم. احتضنتها بعنف، بحنان حميم، بنار حية، و سقطتا، هما الاثنتان، كتلة من فحم.
الكلاسيكي، المشاع، السهل، هو أن تكره الأب. أي ولد في أي حارة يعمله. بتحرر بسيط، يمكن أن تقتله، أو على الأقل تضربه. زمنه راح. أساليب قمعه انفضحت. أصبح جثة. ولد نحيل جدًا رأيته، و أنا طفل، يكوّر قبضته و يلكم اباه في فمه. باسم كل المقهورين في العالم من آبائهم. باسمي أنا نفسي، إذ كنت واقفًا، بالقرب منه، أبث فيه من روحي. كسر أسنانه بكلمة واحدة. سقط الأب على الارض، بجسده الضخم، لا مثل ثور، بل ككلب ذليل. أغمضت عينيّ، لحظتها، لئلا أحب منظر الدم.
المنسي، الصعب، الحتمي، هو أن تكره الأم. حبل الحنان الذي يلتف، كحيّة، حول رقابنا. القاتلة المحترفة بسلاح الحب. الكيان الهش الذي يسحقنا بضعفه و نرتعب، طول الوقت، من أن نرد أذاه فنكسره.
قلب الأم؟
كلام رخيص. تافه. يوسخ الفم لو نطق به.
ماذا عن قلب الكلبة التي لا تفرق، في محبة ابنائها، بين كلب و كلب؟
حب مجاني، غريزة. لا خصوصية، و لا مكابدة، و لا اختيار حر.
آرثور رامبو (شاعر أذل الشعر. جعله يلحس جزمته بلسانه مثل كلب) حاول، طول عمره، أن يكره امه (فم الظلام التي كان يكافح لئلا يسقط في عتمتها). هذا الشاعر الذي نفض العالم من أذنيه كأنه خرقة الأواني في المطبخ، فشل. أرسل من عدن إلى فرنسا، و هو يخرف من الحمى، يستأذنها في بيع جوربين ما عاد لهما لزوم بعد أن رموا ساقه للسرطان ليأكل منها على راحته.
إكره أمك.
أنا لا أحرضك، أنا أحررك.
عن أمي، الكراهية لا تكفي. أدرب نفسي لأكتب، بدمها، قصيدة عمري.
و عش على الهامش
القلب مركز الجسم، و اليد هامش أو طرف. هو مركز، نعم، لكن مربوط بالأوردة، و سجين داخل قفص في صدر. و هي هامش، لكنها تتحرك بحرية في الهواء و النور. تلمس و تحضن. تعزف و ترسم. تهدي وردة، و تزرع شجرة، و تمسح دمعة، و تبادر الناس بالسلام. هو يشتغل، مثل موتور، ليل نهار، و هي تضم اصابعها، حين تتعب، و تنام على راحتها، كعصفور. تسقى الماء، و ترش العطر، و هو مشغول، طول الوقت، بتوزيع الدم.
أناني و مستبد، مثل كل مركز، و إصابته قاتلة، و هي يمكن أن نبترها، كأي هامش، دون أن تحرم صاحبها من الحياة.
أنت خدّام الحرية
كان نيكوس كازنتزاكس (الروح العظيمة. صاحب زوربا) يقول: "لم أعد أطمع في شيء. لم أعد آمل في شيء. أنا حر". و شاعر تركي (دخل الموت في الثلاثين) اسمه أورهان ولي يقول: "الحرية تكلفك الحياة، و العبودية مجانية". و شاعرة بولندية (تخطت السبعين و اسمها صعب) هي فيسوافا شيمبورسكا تقول: "أفضّل الاصفار الحرة، على الواقفة في طابور من أجل أرقام". أنطونيو ماتشادو (مات من المشي على الحدود، هاربًا من عساكر فرانكو) يقول: "ما أسهل الطيران، ما أسهله، ما على الناس إلا أن يحرصوا على ألا تمس الأرض الأقدام".
أما أمل دنقل (الوحيد هنا، الذي أسمح لروحه أن تحضر في كتابي) فيرى أن "سكينة الذبح" هي مصير الطيور التي حطت (يعني انحطت) من السماء إلى الأرض.
و استهزئ بالخلود
في القرن السادس قبل الميلاد، فر لاوتسو، مع حماره، يائسًا من رداءة الناس. استمر، طول عمره، يرفض تدوين تعاليمه. كان يقول: "المشاء الجيد لا يترك وراءه اثرًا". حرس الحدود قبضوا عليه و أجبروه على تسجيل حكمته.
خلّدوه بالأمر.
أتصور المنظر هزليًا على هذا الشكل:
لاوتسو مقيد بالسلاسل و محاط بالحراس. كلما نطق حكمة يكتبونها على ورقة بردي، و كلما سكت يزغدونه بسن حربة في جنبه. فرّغوا منه 81 حكمة، ثم رموه، ضائعًا و مفتوحًا مثل قشرة موز.
الحكيم العظيم الذي يفوق كونفوشيوس براعة، في اعتباري (كونفوشيوس فِقي، لاوتسو فقيه) كشف خرافة الخلود، فدفع ثمن جريمته أبشع انتقام. يعرضه الزمن، إلى الآن، سلعة مطلوبة و متوفرة للشعراء، و الأكاديميين، و هواة المطالعة العامة في الأوقات الفارغة، و ربات البيوت اللاتي يقتلن به الوقت إلى أن تستوي الفاصوليا، و سماسرة التجارة في المعابد بين الله و البشر، و الباحثين عن سلام فلكلوري مع النفس. صار "الطاو" أكثر الكتب مبيعًا، في كل العالم، بعد الإنجيل.
هذه حالة أخرى أكثر مهزلة:
يحكي ميلان كونديرا عن شونبرج في رواية "الجهل" (أول رواية أحبها لكونديرا. مرثية لنفسه و قصيدة هجاء لفرنسا، هو الذي لم يعد تشيكيًا و لا فرنسيًا، و لا وطن له في باريس أو في بوهيميا. أوديسيوس الذي ضاعت منه إيثاكا إلى الأبد. بدا حنونًا و واضحًا و أخلاقيًا حد الوعظ. إنسانيًا و ضائعًا بعد أن كان يتحكم في مصائر شخصيات رواياته كإله. تريد و أنت تقرأ أن تضع رأسه الضخم على كتفك و تقول: إبكِ براحتك يا ميلان. لن افتن لأحد، ماركيز خصوصًا).
في العام 1921 يعلن أرنولد شونبرج، أن الموسيقى الألمانية ستستمر، بفضله، سيدة العالم في السنين المئة القادمة. يأخذ على إيجور سترافنسكي تفكيره الزائد بمعاصريه و إهماله لإملاءات المستقبل، و يعتبر الأجيال التالية حليفه الأوثق. كتب رسالة لاذعة إلى توماس مان يعلق فيها آماله على المرحلة التي بعد مئتي أو ثلاثمئة سنة. عندئذ سيتحدد من هو الأعظم: مان أم هو؟
آااه.
من الذي يعزف أعمال شونبرج الآن؟ من يذكره في زمن أصبحت فيه الموسيقى مجرد ضوضاء بين ضوضاءات أخرى؟
لا أحد.
هل بالغ شونبرج في تقديره لنفسه؟
لا. "لا ألف مرة"، يقول كونديرا. كان يبالغ في تقديره للمستقبل. صارع في الأعالي، كبار الموسيقيين في المانيا، باخ، برامز، ماهلر، لكنه اصبح صريع ما يجري في الأسفل بلا سبب و لا منطق. إذ يستطيع جيشان كبيران أن يتصارعا، حتى الموت، من أجل قضايا مقدسة، لكن بكتيريا صغيرة و نتنة (أهم جندي في كتيبة الزمن) يمكن أن تقضي على الاثنين معًا.
تحللت الموسيقى إلى ماء قذر. تعوي اليوم في آلات تنبيه السيارات. في المطاعم، في المصاعد، في الشوارع، في قاعات الانتظار، في التليفونات، و في الآذان المسدودة بالووكمان. تحول المستقبل إلى نهر هائل. طوفان من النغمات، تطفو فيه جثث الموسيقيين بين الاوراق الميتة و الأغصان المقتلعة.
ذات يوم اصطدمت جثة شونبرج بجثة سترافنسكي، فتابعا رحلتهما، في مصالحة متأخرة إلى.......................................................................... العدم.
شاعر في قلبه دولار
شاعر أمريكي رديء، اسمه آلان جينسبرج، يقول في جملة في قصيدة:
"... أعطيتكِ كل شيء
حتى أصبحتُ لا شيء"
رديء فعلاً.
هو أساسًا شخص فج، مناضل بحنجرته، و لوطي دون عضة من ضمير.
بتعديل صغير، يمكن أن نحوله إلى شاعر كبير.
كان يجب أن يقول:
"... أعطيتك كل شيء
فملكتُ كل شيء"
يمكن، كذلك، بتعديل آخر صغير، أن نحوله لشاعر عظيم:
"... أعطيتك كل شيء
فتحررتُ من كل شيء".
شاعر يغازل العدم
أحب قسطنطين كفافيس.
لا.
هذا كذب.
أغار من قسطنطين كفافيس.
شبع موتًا و لا يزال حاضرًا و حيًا، أكثر من هذه الأرواح التي تسمم الهواء يوميًا، بأنفاسها، مع شكمانات العربات.
ماذا فعل هذا العجوز الداهية لئلا يمسخه الزمن؟ ليكون، على الأقل، لبانة مُرة بين فكيه؟
خططه الاستراتيجية تركزت في الاشتغال، بعنف، ضد مجده. ضد وجوده الشخصي. ضد النور. باختصار، ضد ما يسمونه الخلود. نجح في أن يوهمنا، في شعره، بأنه لم يكن حيًّا منذ سنوات قريبة. كأنه عاش في عصور موغلة في القدم. أكاد اراه جالسًا على مقهى قرب بيته في شارع ليبسيوس، متمتعًا بمرور كل هذه القرون عليه و لا يزال حيًا أيضًا. يعني إذا كان قد تمكن، و هو في الحاضر، من اختراق قرون عديدة إلى الماضي، فإنه، بمنتهى السهولة، سيخترق قرونًا مثلها في المستقبل.
كان يؤثر على زائريه بطرق ذكية، أو على الأصح خبيثة. يستقبلهم في إضاءة خافتة (شمعة واحدة) و يكلمهم كلمات قليلة بصوت خفيض.
"إنه حلم، كأنه ليس موجودًا".. هكذا كانوا يصرخون، في عجب، بعد ان ينتهوا من زيارته.
قاوم، طول عمره، نشر شعره في كتاب. يرى ان الصانع الماهر يجب ان "يبيع" البضاعة "الفالصو" ليستهلكها الناس، و يخفي الجواهر النادرة التي سهر، ببراعة، على صناعتها. كان يقوم بتوزيع اشعاره في نشرات مطوية بلغت عشرًا في 1933، عام رحيله بجسده. كلما طبع قصيدة، يقوم بإضافتها إلى النشرة، و يكتب العنوان الجديد، بخط يده، في الفهرس. بهذه الطريقة أمكنه عدم تثبيت شعره في طبعة نهائية.
لماذا؟
حتى لا يمكن للناس أن يؤرشفوه. لئلا يقرأوه، ثم يهضموه، ثم النتيجة الطبيعية (انا آسف) يتبرزوه.
إنه لشيء مريع أن يتخيل الواحد، خلاصة هذه الروح السامية هائمة على وجهها، مع الصراصير، في مواسير المجاري.
أغار من قسطنطين كفافيس.
أعزي نفسي بأنني لا ازال صغيرًا، و أنه لا بد، في السنين القادمة، سأسوي روحي في نفس النار التي سوّى فيها روحه. أصبّرها بأنه كان يولول، في شعره، على الهللينية. حسه استعماري. ولعه بالإسكندرية، هو ولع بمجد بلاده الضائع. ما قسطنطين بيتروس كفافيس إلا شاعر البلاط في قصور الإسكندر.
لا.
هذا كذب كله.
أنا أغار منه.
آااه يا قسطنطين كفافيس، كيف أتسلل إلى حصونك!
كيف يمكن أن أهزمك
أيها اللوطي!
أيها العظيم!
حكاية عن المجد
في سنة 1964 غيبت مارلين ديتريتش نفسها عن الأضواء. لا حوارات، لا تصريحات، لا أخبار، و لا صورة فوتوغرافية. آخر قطرة من شمعة عمرها الطويل سقطت سنة 1990، دون أن تسمح لأحد أبدًا أن يتشفى أو يتأسى لأثر السنين على وجهها.
مخرج اسمه ماكسيمليان شيل، كافح سنة 1982 لأجل جرح عزلتها. دوّخته حتى وافقت. ظهرت في فيلمه التسجيلي، لكن فقط.. بصوتها.
"لماذا ترفضين أن تؤخذ لكِ صورة؟!".. يسألها. "صوروني حتى مللت. شكرًا".. تجيبه.. "كنتِ رائعة".. يقول لها. "الماضي لا يهمني. صنعت أفلامًا و انتهى الأمر".. ترد عليه.
في الفيلم، وافقت بعد إلحاح طويل، أن ترى افلامها على الفيديو. "هراء"، "تافه"، "رديء".. هكذا كانت تعلق على أشهر مشاهد افلامها. "الملاك الأزرق" بداية انطلاقها و باني أسطورتها، تقول عنه: "لم أعد أحتمله. إنه سخيف". في أحد المشاهد تغني بساقين عاريتين، و واحد من الممثلين ينظر بشهوة إليهما.. يصرخ صوتها: "ابتذال"، "ابتذال".
نجمة الإغراء الألمانية التي جننت العالم بساقيها، و التي كانت الكاميرا تبدأ تصويرها من جزمتها، هكذا تتكلم عن الجنس: "عندما يبدأ الناس ممارسة الجنس مع بعضهم ينهار كل شيء". تقول كذلك: "أحببت هيمنجواي حبًا فوق الجنس. عندي رسالاته في خرينة في بنك".
إن كان الكذب سيساهم في تشويه صورتها، فها هي تكذب، متعمدة، أكاذيب مكشوفة. تقول: "الملاك الأزرق فيلمي الأول" مع أن لها قبله 18 فيلمًا. تدعي كذلك أنها الطفلة الوحيدة لأبويها، مع أن صورة إليزابيث أختها تظهر على الشاشة و تفضحها.
مانحة الحلم لملايين الأرواح في الظلام، تقتل الحلم: "لا أحلم، لا وقت للأحلام". تضيف كذلك من دون أن نحس أي رعشة في الصوت: "أنا عملية. إذا سقطت حجارة مقبرة أبي و أمي، عليهما أن يعيداها بنفسيهما".
جميلة مارلين ديتريتش. تدمر مجدها بيديها قبل أن يفر من يديها. تنسحب إلى الظل من الضوء، قبل أن يأتي يوم و تولول، و هي وحيدة في الظل، على الضوء. تهجر العالم قوية، قبل أن يهجرها ضحية. بنفيها لروعتها، تكرسها. بتحطيمها للماضي، تحيا خفيفة في المستقبل. تتخلى، لتتجلى.
جميلة جدًا مارلين ديتريتش. سممت، طول الوقت، كؤوس دمها في أيدي عصابة الاسترزاق بالنجوم. مررت طعم لحمها في حلوقهم. ضيعت عليهم فرصة أن يذوبوها، كفراشة، في النور. بدوا بائسين تمامًا، و مرتبكين، و عاجزين عن استيعابها. ناقد اسمه فريدريش لوفت كتب يقول: "أفلامها أفضل منها. من الرحمة أن نتركها في حالها".
شكرًا لكم كلكم أيها السادة، هذا هو بالضبط ما كانت تريده مارلين.
حكاية عن الزمن
مكان شغلي كان قصرًا لباشا قديم، بناه مهندس إيطالي اسمه جيرالديني في سنتي 32 – 1933. بارد و لا أحبه. لا أهتم، حتى و العمال يدقون مسامير بشعة في حيطانه، أو و هم يغسلون الباركيه بالماء. غرفه الواسعة تضيعني فيها، و سلالمه الكثيرة ترهق قدميّ، و في بهوه قبة زجاج ملونة تهيّج أعصابي من كثرة النور.
أدخل يوميًا من بوابة حادة الأسنان، فأجده جالسًا وسط الأشجار. ينظر للنافورة المعطلة. شائخ و نحيل و ببدلة كاملة وسخة و مهترئة. هو الذي يقوم، نصف قومة، لكل من يمر عليه و يقول: "صباح الخير". أقول لنفسي: "لا بد أنه موظف على المعاش يسكن قريبًا، و يأتي هنا ليقتل ما تبقى له، في الحياة، من وقت". أضحك، في سري، و أنا أفكر أنه يمكن أن يحصل بسهولة على عمل. ما عليه سوى أن يجلس في مستشفى و يرج للمرضى، بيديه اللتين ترتعشان باستمرار، زجاجات الدواء.
أخرج، في نهاية اليوم، فأجده نائمًا على كرسيه في مكانه. رأسه ساقط على صدره، و قدماه مغروستان في بركة بوله، و اللعاب ينساب من فمه كأنه صنبور مفتوح.
الموظفون عند بوابة المبنى يلعبون به في الأوقات التي ينتهون فيها من العمل. يلتفون حوله و يفكون أزرار بنطلونه و يقولون: "فرّجنا يا برنس، فرّجنا يا برنس". يقطّعون الكلمات على صوت تصفيقهم، و هو يزحف على الأرض، يحاول أن يجد فتحة، بين أرجلهم، يفر منها.
حارس البوابة يعامله بقسوة أيضًا. رأيته مرة يدفعه بعنف و يقول له كأنه فعلاً أحد موظفي المبنى: "قف عندك يا برنس لا تتحرك خطوة، صدر قرار رسمي بمنعك من الدخول". وقف مرعوبًا يترجاه، إلى أن توسط له الموظفون فجرى، بخطوات مضحكة، إلى الداخل.
Nous somme des etrangers dans la vie.
(يعني نحن غرباء في الحياة).
سمعته ينطق هذه الكلمات بطلاقة، و أنا أدخل يومًا، فوقفت مندهشًا أنظر إليه. كان جالسًا مع عجوز يونانية تسكن قريبًا في فندق رخيص. يتكلمان بالفرنسية و يدخنان، كرجل و امرأته يتناولان الفطور في حديقة قصرهما، و الموظفون، من بعيد، يراقبونهما و يكتمون ضحكاتهم.
"من أنت يا برنس؟!" فأعرف منه أنه ابن أمير قديم نفي هنا في الماضي. أطلب له كوب شاي، لا يتبقى له منه، بسبب ارتعاش يديه، سوى جرعتين أو ثلاث جرعات. يكلمني عن تاريخ أجداده، و القصر الذي كان يلعب في حديقته. تسيل دموعه و هو يريني صورة ابنته التي هاجرت و تركته وحيدًا. أنا الذي أريها له، في الحقيقة، لأن يديه تحرمانه، حتى، من أن يفتح محفظته و يرى صورتها.
"لكن، قل لي يل برنس، أنت لك في النسوان؟". أحاول أن أداعبه ليكف عن البكاء، إذ إن جسده سيجف لكثرة ما يرشح من بول و لعاب و دموع. يقول لي: "أنا رجل عجوز"، لكن و ابتسامة خفيفة تشوه ملامح وجهه.
أقول له: "إرجع و مت في بلدك يا برنس" لكنه نام فجأة، كعادته، و كان الذباب ينزل، واحدة واحدة، من بين الأشجار، لينام هو أيضًا في فمه.
صرخة من الصين
"إنهالوا لكمًا و ركلاً على الجزء السفلي من جسمه و خاصة اعضاءه التناسلية. صبوا ماء في فمه و أنفه عنوة ثم داسوا على معدته، فخرج منه بول و دم و براز".
هذا بعض ما تحكيه يونج تشانج عن أبيها في رواية "بجعات برية".
(كاتبة متواضعة. تطهرية. متباهية بأرستقراطيتها و مولعة، بسذاجة، بالغرب أيضًا).
أنا خجلان من أن أقول: "إن الإنسان لا يقدر أن يعيش دون خوف"!
فلو أن هذه الملايين كانت تكره ماو حقًا، لو كانوا يرغبون في إقالته، لو أرادوا إبادة جيشه، لكانوا تنهدوا فقط، في نفس الوقت، تنهيدة أسى، حتى، لا زفرة غضب.
عندئذ كان الهواء سيلصق الدبابات كنجوم متسخة في السماء. أو يطيرها كحمامات رمادية على الأقل.
صرخة من أفريقيا
أفراد من "الهوتو" هجموا على مخيم للاجئي "التوتسي" و تسلوا بقتل ثمانية آلاف، بالخناجر، في ليلة واحدة.
بتروا اثداء النساء و بنوا بها ثديًا ضخمًا، راحوا يرقصون حوله، و الأطفال يرضعون منه الدم.
الذين نجحوا في الهرب، كأنهم كانوا لا يريدون للنمور أن تنام دون عشاء.
"أين الله؟
إن ما رأيته ميراث هائل من العار".
هكذا صرخ موظف إغاثة اسمه نيك كوينج، في عراء الصحراء، و نقلت صرخاته شاشات التلفزيونات في أوروبا.
لكن أفرادًا من "الهوتو" قتلوا أفرادًا من "الهوتو" في هذه الليلة أيضًا. إذ كان يتعذر عليهم، نظرًا للتشابه الشديد بين القبيلتين، أن يعرفوا إخوانهم من أعدائهم.
في أفريقيا
التي هي على الخريطة كمثل دمعة.
أفريقيا
هذه البقعة السوداء في ضمير العالم.
أفريقيا التي ليس لها حل.
ستقترب الصين
و تحضن إفريقيا
أودن شاعري المفضل في انجلترا. أحبه أكثر من إليوت الذي، بفضل الأكاديميين، أصبح مرًّا في حلوقنا. أحترمه أكثر من جينسبرج و من كفافيس. لماذا آلان جينسبرج و قسطنطين كفافيس؟ لأنه كاذ شاذًا مثلهما. اقصد شاذًا، لكن ليس مثلهما.
كان دائمًا يعتذر. لم يتخلص أبدًا من عقدة الذنب. "شيء بذيء".. هكذا كان يشتم العلاقات الجنسية الشاذة. حاول أن يهاجم الدين، هو الذي كان في طفولته شماسًا يخدم على مذبحة في كنيسة. أن يكفر ليبرر نفسه، لكن لم يستطع. حاول أن يتزوج و ينجب أطفالاً، لكن لم يستطع. حاول الامتناع عن هذه العادة، لم يستطع.
ضاجعه طوب الأرض في دول العالم. أسكتلندا. أيسلندا. اسكندنافيا. البرتغال. إسبانيا. الصين. طوكيو. بروكسل. المكسيك. أمريكا. إيطاليا. النمسا. بدأ رحلاته بالحج إلى برلين، مباءة الشذوذ الجنسي في الثلاثينات.
إنه لشيء مخجل و محزن معًا، أن نتخيل هذا الشاعر الحاد، العقلاني، خريج صرامة أكسفورد، يتهتك، تحت حثالة البشر، مثل مومسة في السرير.
في الأربعينات من عمره رجع بقوة إلى الدين، عبدًا ورعًا لا يتخلف أبدًا عن حضور قداس الأحد. يتعارك مع أصدقائه إذا شتموا الله، و يرهق ركبتيه في الكنائس، من كثرة الركوع. كل ذلك، جنبًا إلى جنب، مع ممارسة الشذوذ.
في أوقات متباعدة، كان يمارس الجنس مع النساء، لئلا يضيع داخله حلم الركوب مع ركب البشرية السوي، في نهاية المطاف.
جينسبرج جند كتيبة من جيل البتنيك، يلوط فيهم و يلوطون فيه، صارخًا في العالم، كما يليق بداعر أصيل، ليتبعه.
كفافيس استمر، لآخر عمره، يصطاد الشباب من على المقاهي (و كتب التاريخ. أنا واثق أنه مات و في نفسه لوعة، لأنه لم ينل قيصرون بن كليوباترا). أقمع خيالي لئلا اتخيل هذا الشيخ الذي بركت الحكمة عند قدميه، يبرك هو نفسه في أواخر أيامه، بمنتهى الذلة، عند قدمي شاب تافه، ليوافق أن ينام معه.
كان يقول: "لم أمنع نفسي. استسلمت و مضيت". و: "لا تتحدث عن الذنب. لا تتحدث عن المسئولية".
في قصيدة "نزهة في السماء" يكتب أودن مقطع عشق لامرأته القادمة. عاشق محموم. حار و حر. حقيقي و صانع للمعجزات. جسده مخنث، لكن روحه كاملة الرجولة.
سأحبك يا عزيزتي
سأحبك
إلى أن تقترب الصين و تحضن أفريقيا
و يقفز النهر على الجبل
و يغني سمك السلمون في الشوارع
سأحبك
إلى أن ينطوي المحيط
و ينشروه كي يجف
و تكاكي النجوم مثل إوزات
في السماء
إن السنين ستجري كالأرانب
و أنا أضم بين ذراعيّ
وردة الزمن
و أول حب في العالم.
ما يجب أن يقوله شاعر لناقد
يقول له: "أنت متأثر"
أنا متأثر؟
لا.
أنا ناقل.
أنا، على الأصح، سارق.
لا كلمة لي. لا صوت يخصني، لو فرزت صوتي نغمة نغمة. أتفرج و أسكت. لي عبرة في الذين تكلموا، فصارت كلماتهم تفاهة أو مثار سخرية أو أكاذيب. الذين تكلموا فصاروا، بكلماتهم الخالدة، مصلوبين على صليب الزمن. الذين حرموا أرواحهم من سكينة النسيان.
أحب نسمة الهواء التي تمنح الحياة و تضيع دون أن يلحظها أحد. العصافير التي تغني دون أن نفرق، في صوتها، بين عصفور و عصفور. الماء الذي إذا انفصلت منه نقطة، لا تكفي لتروي وردة أو غسل يد.
كل كلمة ورطة. فضيحة. شهادة زور توالس العالم.
أسكت لأربي كلمتي.
لا أنطقها فأقتلها.
أرمي بنتي للعراء؟
الكلمة التي داخلي، حروفها سكاكين
كيف لي أن أنطقها، و لا أذبح حنجرتي.
لا فم بحجم الألم. بحجم الحب. لا فم بحجم الموت. الجوع. الكراهية. الحرية.
أحذر أن أنطق كلمة خاصة.
ما أنا إلا مايسترو أحاول، بين وقت و آخر، تنظيم جوقة الأصوات التي تصطخب في أعماقي. الشعراء مرهفي الحس، و الفلاحين خشني الأيدي. الملاك على شاطئ نهر العسل، و الشيطان على حافة الجحيم. فيّ ورد و صبار. فراشات و حشرات. قطط و كلاب أيضًا.
لا تأثر.
لا نقل.
لا سرقة.
لا أجناس و لا لغات.
كل الأصوات حين تصفو، حين يطبخها الألم، حين تؤمن بالإنسان، تتحد لتصير اقوى، فلا تضيع صرختها في الضجيج أو الريح.
ما يجب أن يقوله شاعر لناقد
يقول له: "أنت تكرر نفسك"
صرخ السيد يومًا في خادمه: "أنا حذرتك أمس من أن تطبخ فاصوليا". ثم طرده، بغير رجعة، من العمل. لم يجرؤ الخادم أن يقول: "هي لوبيا، يا سيدي، لا فاصوليا، أنت تلتهم فقط. أريدك مرة ان تحس طعم طبيخي". سحّ دموعه، فقط، و انصرف.
الملك أيضًا أمر بجلد بهلوان القصر، لأنه لم يبتكر له حركات جديدة ترسم الضحك على وجهه الكئيب.
ما يجب أن يقوله شاعر لناقد يتهمه بأنه يكرر نفسه، هو أن الشمس ليست هي شمس اليوم الماضي، و لا النجمة هي نفس النجمة، و لا نقطة الماء نقطة الماء. الكوب الذي في يدك ليس هو نفسه الذي في يدي. شقيقه او صديقه لكن ليس هو. هل دمي هو دمك لأن لون الدم أحمر؟ كيف يمكن أن يشبه وجعي وجعك، لأننا نقول: "آه" إذا شكّت إصبعينا إبرة؟ كيف يمكن أن يكون قلبي، اعوذ بالله، هو قلبك لمجرد أنهما يشبهان قبضة يد؟
فاهم؟
ما يفعله الناقد هو نفسه
ربما يصبح إنسانًا
تزفيتان تودروف قضى خمسة و عشرين عامًا من عمره ينقد النصوص الأدبية. ينكفي في مكتبه، أو على الأصح مشرحته، من طلوع النهار و يخرج، في آخر الليل، بثياب يلطخها الدم. بح صوت امرأته، طول هذه الفترة، من دون اي جدوى: "تودرو، تحذف الفاء لتدليله، إبحث لك عن شغلة أخرى، أنا تعبت من كثرة الغسيل". كان يفتح الباب فتحة صغيرة يأخذ النص منها دون أن يرفع عينيه ليرى وجه صاحبه، حتى أنه قفله (اي فظاعة!) ذات يوم، على يد رامبو!
ما حدث أن تزفيتان تودروف كان جالسًا يشرّح نصًا، في ليلة من الليالي، حتى أصبح بين يديه كومة جلد و عظام. انتفض و صرخ فجأة: "أريد معنى لحياتي، لا بد أن أوقف هذه المهزلة". الجيران تجمعوا، بما أن الصوت يسري في الليل، و راحوا يتهامسون تحت شرفته. "جن السيد تودروف"، قال رجل منهم. رجل آخر قال: "هل أحد هنا معه رقم تليفون مصحة نفسية؟". امرأة عجوز كانت تضيّع ما تبقى لها من عمر على دكة أمام البيت، بدت حزينة لأجله حزنًا حقيقيًا. قالت: "آه. كان رجلاً طيبًا. الوحيد الذي، كلما يمر، يقول لي: صباح الخير". أم شابة شدّت قصة، برسوم ملونة، من يد ابنها. قالت له و هي ترميها بعنف في سلة القمامة: "هل سمعت ما حصل للسيد تودروف جارنا؟ هذا آخرة ما تفعله الكتب في الناس". قصة صغيرة عن فراشة تحلم بأن تطير، دون توقف، حتى تقبّل القمر.
لم يتضايق تزفيتان تودروف. فتح باب الشرفة، و نظر لهم جميعًا و ابتسم.
صمت تودروف بعض الوقت، ثم فاجأ الناس بـ "غزو أمريكا" و "نحن و الآخرون". كتابان متفجران بالألم. يفضحان ما يفعله الإنسان ضد الإنسان.
أكاديمي كبير من زملائه القدامى، بعد أن قرأ الكتابين، قال له و الدموع تبين، رغم النظارات السميكة، في عينيه: "ترفيتان، راجع نفسك، لماذا فضحتنا؟".
"دعني أبنِ بيتًا"، قال له تودروف، "أنا كنت مثل النجار الذي ظل طول عمره لا يصنع إلا أدوات النجارة: مسطرة أو مطرقة. دعني أبنِ بيتًا".
امرأة للشعراء
وردة حمراء
وردة حمراء
وردة حمراء
أخذني من يدي إلى الحديقة
و في الظلام ركز وردة حمراء
في جدائل شعري المائس
بعدها
ضاجعني فوق بتائل الورد.
أيتها اليمامات المهيضة الجناح
أيتها الأشجار الساذجة العقيمة
و النوافذ العمياء
الآن
تنمو وردة حمراء في عمق أحشائي
كلطخة دم
أنا حبلى
حبلى
حبلى.
هذه قصيدة لفروغ فرخ زاده.
شاعرة من إيران. في 1967 (سنة ميلادي) أنهت حياتها عن 32 سنة.
كلماتها، هذه، الطالعة من الماضي، صرخة فرح بالحبل قادرة، كلما أقراها، على ضخ دم الشهوة في عروقي.
أيتها اليمامات، من قال إنك حرة؟ هل أنت حرة لمجرد أنك ترفرفين، بجناحين، في الهواء؟ حرية تافهة. جاهزة و ممنوحة لك بمجانية. هبة من الله. لم تكافحي لأجلها و لم تختاريها. يا مجبرة على الحرية، يا مكسورة الجناح. جربي مرة ان تكوني حرة هنا على الأرض. سيصطادونك. جربي، يا محرومة من الحبل، أن تحبلي. ستصيرين ثقيلة و تسقطين، ميتة، من السماء.
و أنت ايتها الاشجار. أنت حرة لأن شعرك يطير، على راحته، في الريح؟
إنك عاجزة عن أن تتحركي خطوة. عاجزة عن أن تنامي مثلي، على الأرض، و تفتحي فرعيك. يا خضراء، يا ساذجة، يا عقيمة. أية لذة في مضاجعة تتم، بالمراسلة، عبر الفراشات؟ أية ولادة هذه من دون دم و لا صرخات و لا مخاض؟
أنت أيضًا ايتها النوافذ. لا تستطيعين، دون عون، أن تفتحي ضلفتيك، مثلما أملك أنا حرية فتح ساقيّ. لا يدخلك رجل، و لا ينزل منك طفل. لا يدخلك و لا يخرج منك سوى الهواء.
جسد فرح بنفسه لهذا الحد، لم يكن ينتظر ليموت ميتة ناشفة. صاحبته ضاجعت الموت. حضنت شاحنة في احد ايام الخريف. قدمته وليمة لحم ساخن. مخروط، في صلصة من دم، على كفن (لا.لا. على طبق) من قماش أبيض لتأكله الأرض.
ثم ماذا؟
ثم يجيء الربيع
و تنبت الأرض
وردة حمراء
وردة حمراء
وردة حمراء
أخذني من يدي إلى الحديقة
و في الظلام ركز وردة حمراء
في جدائل شعري المائس
بعدها
ضاجعني فوق بتائل الورد.
أيتها اليمامات المهيضة الجناح
أيتها الأشجار الساذجة العقيمة
و النوافذ العمياء
الآن
تنمو وردة حمراء في عمق أحشائي
كلطخة دم
أنا حبلى
حبلى
حبلى.
أخت لهم
عاشت اليونانية كاراميتسا في الإسكندرية حوالي 20 عامًا. من أوائل الاربعينات إلى أوائل الستينات. حين اضطرت إلى الرحيل، كانت مصر قد افسدت حياتها تمامًا. سكنتها إلى الأبد. حرمتها، باستبداد معشوق، من أن ترى أماكن أخرى و ناسًا آخرين. "مصر تعذبني"، هكذا كانت تقول. ليلة الرحيل خرجت، في الفجر، لتودع شوارع إسكندرية، و منحتها دموعها الساخنة هدية أخيرة.
لكن ما الذي وجدته كيتي بابازاكي كاراميتسا هذه في الإسكندرية، بعد القاتل الذي اسمه كفافيس، لتكتبه؟ ماذا ترك لها بعد أن كرس نفسه شاعرها، و شارب روحها، و عارف دروبها، و أمين سر تواريخها و خباياها؟
وجدت ثغرة هائلة جدًا، و منسية جدًا.
في زحمة انشغال كفافيس بإحياء الموتى، كان قد نسي الحياة.
كاراميتسا كتبت الناس. كتبت اسكندرية الحية، لا اسكندرية الميتة. بحب حقيقي. حي و حار. لا عين سائحة، و لا صرعة فولكلور.
عن أي ناس كتبت كاراميتسا؟
عن "عزيزة" التي تبدو، بثوبها الأسود، المنفوخ بالهواء، كطائر مهيب. "امينة" حافية القدمين التي يقبّلها النيل حين يظهر وجهها على مياهه. عن "حسن" و "محمد" و "سليم" (وراءهم "نجية") الواقفين في صلاة المغرب و هي، كاراميتسا، قريبة منهم تردد معهم بنبضات قلبها، لا حركات جسمها: "لا إله إلا الله".
هذه واحدة من قصائدها:
رمضان
النيل هذه الليلة
يتوضأ بضوء القمر
رمضان نعسان
في قارب مربوط للشاطئ
قدماه حافيتان
و جلبابه الأبيض يعلوه التراب.
يرى في الحلم أنه امتلك قصرًا
زوجته تتحرك فرحانة
بين غرفه الكثيرة
ابتسامة جميلة على وجهها
و شعرها ينساب على كتفيها
و ودعت ملابسها الفقيرة إلى الأبد.
إبقَ نائمًا يا رمضان
ليطول حلمك العذب
و تنسى حياتك المرة
في انتظارك غدًا
يوم عمل لا يرحم.
إبقَ نائمًا يا رمضان يا حبيبي
جلبابك وسخ
لكن قلبك ناصع البياض.
.. و أم
حين أعلنوا نبأ فوزها بجائزة "نوبل"، كانت فيسوافا شيمبورسكا تؤنب نفسها في المطبخ، لأنها أحرقت فطيرة العشاء. أحد الشعراء قال: "أعطوا الجائزة لشيمبورسكا؟ إنها صارت أرخص من أن نتنافس عليها".
هي كانت في بيتها النائي عن الأضواء، باستثناء ضوء الشمس، خجلة قليلاً من كونها شاعرة. تحسد الفلاسفة لأنهم في وضع افضل، إذ يتغلبون على سخرية الناس منهم بواسطة تزيين عملهم بلقب علمي. يقولون: "بروفيسور في الفلسفة".. ذلك يبدو أدعى إلى احترام أكثر.
ربنا يطول في عمرك يا فيسوافا شيمبورسكا.
أحيانًا و أنا أتذكرها آخذ شهيقًا بعمق، ربما تكون الريح حملت نسمة من زفيرها إلى هنا، من بولندا.
أحب لها قصيدة تقول فيها:
"فلتسامحيني، ايتها الحروب الماضية، لأنني أحمل الزهور لبيتي.
أعتذر للمسافرين في محطات القطار، على نومي الهادئ في الخامسة صباحًا.
إغفروا لي، لأنني في تلك الصحاري لا أعدو بمعلقة ماء.
أعتذر للشجرة المقطوعة، التي أصبحت مائدة بأربعة أقدام".
لكنني لا أملّ أبدًا من قصيدة لها اسمها "مزمور":
"أوه، كم هي غير محكمة حدود الدول البشرية!
كم غيمة، بلا رادع، فوقها تجري.
كم رملاً صحراويًا ينهال من بلد لآخر.
كم حجرًا جبليًا يتدحرج في ممتلكات غريبة
بقفزات مستفزة".
أتذكر هذه الكلمات و أنا أتأمل صورتين لطفلين من كوريا بعد أن شطروها نصفين. نصف يأكل الموتى، و نصف يرمي القمح في البحر. أتأمل الطفلين، واحد يطفح صحة، و واحد يمكننا عدّ ضلوعه.
ما هذا الذي يفعله الناس بأنفسهم؟
كان الأطفال في كل كوريا متشابهين. كأنهم توائم من بطن أم واحدة بل إنه، أنا واثق، أن كل أم تتعرف، بصعوبة، على ابنها الحقيقي.
لنتصور معًا أن أمًا في كوريا الجنوبية تجلس على كرسي في حديقة، تطرز ثوبًا و طفلها يلعب بجانبها. و لنتصور أن أمًا في كوريا الشمالية تفتش عن لقمة في مزبلة، و طفلها يشد فيه الموت.
لو أن الطفل غافل أمه، و هي مستغرقة في التطريز، و تسلل من فتحة في السور، و لو ان الآخر زحف، حين نامت أمه من التعب، إلى الجهة المقابلة، فإن أمًا منهما، حين تفيق، ستخر على ركبتيها و تشكر الله، بينما الأخرى سيغمى عليها من الرعب.
.. و ابن (عاق)
في صباح أحد الأيام، قرر آرثور رامبو أن يفر نهائيًا من العالم. فتح باب غرفة نومه في "شارلفيل" و ظل يجري، و هو يتلفت وراءه، إلى أن وصل للحبشة. هناك، نام تمامًا عن الماضي، و حاول البدء بداية مختلفة.
يعمل، طول النهار، في كل شيء و يجمع المال. في الليل يقرأ، على نور النار، كتبًا من نوعية "الكتاب الوجيز لنجار العربات" و "الحداد الممتاز من وضع برتو".
العالم، الذي كان يبحث عنه اثنتي عشرة سنة دون أن يمل، عثر عليه أخيرًا و هو يعد فرنكاته الذهبية تحت شجرة شوك في ظهيرة حارقة. تسحب على أطراف أصابعه، إلى أن أصبح أمامه، و صرخ فيه:
- ولد يا رامبو، تعال هنا.
رامبو الذي شله الرعب، غمغم بصوت ذليل:
أمرك يا سيدي.
- لماذا هربت أيها الجبان؟
لأنني لم أعد أقدر على مواجهتك.
- لماذا كنت تشوه سمعتي؟
كنت مراهقًا و لم أكن أفهمك.
- هل لا تزال تحلم بتغييري؟
أحلم بأن يكون مالي كهذا الجبل.
- إياك أن تكون لا تزال شاعرًا
أنا الآن تاجر سلاح.
عندئذ خفف العالم حدة صوته، و قال و هو يقاوم دموعه: "تعال يا بني يا رامبو في حضن أبيك". كان يكذب عليه طبعًا، لأنه لا ينسى أبدًا عداواته القديمة. أشعل حربًا سريعة، على سبب تافه، بين بلدين. سكر من دم القتلى و فكر بعمق، ثم استقر على طريقة للانتقام:
- أنت في خطر أيها الموت.
ماذا تقصد أيها العالم؟
-ولد اسمه آرثور رامبو، يحاول بأشعاره تجميل الحياة.
و بماذا تنصحني أيها الصديق؟
- تصرف بحذر، فهو يجيد الهروب.
قال الموت لنفسه: "صحيح أنني لا أزال قويًا، لكنني أخطئ أهدافي أحيانًا، و لا بد أن أحتاط جيدًا". نادى على المرض، أحد كلابه الذين يسلطهم على خلق الله، و طار به مع الريح.
في الطريق صرع أسدًا ليختبر قوّته. وجد رامبو جالسًا، لا يزال، يعد فرنكاته الذهبية تحت شجرة شوك في ظهيرة حارقة. وقف بعيدًا و قال للمرض: "هيا، يا كلبي، هيا تسلل ببطء. ببطء. لن اقبل إلا بقطع ساقه". تردد المرض قليلاً أمام جسد رامبو النحيل و عينيه الزرقاوتين، لكن متى كان الكلب يخاف أمر سيده؟
لم يهجم الموت على رامبو، على الفور. ظل يتلذذ بمنظره و هو يرتعش، فوق نقالة، من الحمى. كان يبدو كمن سيموت من تلقاء نفسه، لدرجة أنه لم يتكلف عناء أن ينشب اظفاره فيه. وقف جنبه يقهقه قهقهات مرعبة و يقول: "لففت الأرض ثلاث مرات على قدميك، حاول الآن أن تتحرك خطوة، أيها المشاء العظيم".
أسرة صغيرة
جابرييل جارسيا ماركيز، ميلان كونديرا، فديريكو جارسيا لوركا، و.هـ. أودن، قسطنطين كفافيس، نيكوس كازنتزاكس، تزفيتان تودروف، فيسوافا شيمبورسكا، آرثور رامبو.................................... أسماء ترعب!
حامد و صباح يكتبان هما أيضًا.
من هو حامد؟ من تكون صباح؟
حامد و صباح.
شكوى
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين
مقدم لسيادتكم شكوى من مواطن مصري حصل معى بان الزوجة المحترمة قد خانة العشيه الزوجيه و انا معى ولد و بنت و العمر لهم الولد ٥‚٥ و البنت ٥‚٦ و انا ليص بهم لغاية و موضوع الخيانة حصل في شهر ٧ الماضى يعنى سنة ٩٦ و كانت المراة قد باعة أولادها و بيتها و أنا طلاقتها و روحت لحال سبيله و لكن هذه المرأة كل يوم تتصل بلتفون عندي في المنزل و انا لم أعرف ماذا اعمل معها و ايه الحل القانوني لهذا الموضوع و انا قد لجات لاكثر من جهة بخصوص الاولاد دول و لم أجد مكان لهم و الام مش عاوزاهم و انا بصراحة لم اعرف إذا كان هذه الأولاد أولادي أم لا لأن المرأة الخيانة لم تقول الحقيقة لغاية الآن و انا مش عاوز ارتكب اي جريمة في نفسي هل انا غلطان أم لا و نرجو من سيادتكم أن تقول لي ماذا أعمل مع الأولاد دول يعني اتبنهم لغاية آخر العمر ام حرام عليه و الاولاد دول لم يكن ذنب في اللى عملت الام الغير محترمة و ثبت عليها الزنه و هى اعترفت أمام السكان في العمارة الذى حصل فيه الموضوع موضوع الزنه هل من المعقول بان الواحد يعيش مع مرأة زانيه مش حرام و لا الواحد يقول بان الراجل قد قصر في حق امرأته تقوم تزني هل من حق المرأة أن تزنى في هذه البلد علشان أنا روحت قسم الشرطة و قالوا لي بانك شوفت شىء قولت لا قالوا لي يعنى مش قضية زنه و هي الان تتعب أعصابي من التلفونات الذي تتصل بها كل يوم و انا لم اعرف ماذا اعمل معه هل من المعقول الواحد لازم يدخل السجن بسبب امرأة باعه عرضه و نفسه للحرام فانا مش عارف اتصرف معها و لا مع الاولاد لو تكرمة سيادتكم أن تشوف لى حل مناسب لمشكلتى هذه بالقانون.
حامد
ملحوظة مرفق لسيادتكم صور من بعد الجوابات الذ كانت تبعثه العشيقة لعشيقه في نفس العماره.
جواب
جلال
انا لست حيوانه انا انسانه ليه مشاعر ليه احساس ليه قلب انت عارف يا جلال ان كل الناس عرفوا بحبنا كفايه بصة ناهد لى شروط ان كنت ارجع الى حبك تاني شرط ان حبنا يبقى ما بينى و بينك انما قدام الناس كلها اعمل نفسك بتكرهنى و قدام ناهد اكرهنى قوى قوى انت عارف ان جوزى نايم معايا و بقوله اوعى يا جلال حرام عليك انا بحبك بس مش لازم حد يعرف و زيد في هزارك مع ناهد و حسسها بالحب و انا هزر مع حامد علشان كلهم يتأكدوا ان احنا سبنا بعض لك كل حبي ان كنت اقولك اكرهك و فى قلبى بقول بحبك
مع تحياتي
صباح
جواب
بسم الله الرحمن الرحيم
حبيبي جلال
انا تعبانه من الكلام اللي انت قولته هو اللى دخل على طول و ما شفش حاجة لان انا قلت له ارجع وراء جلال انا مش خاينه انا بحبك انت و ابنك و كل اللى عملته معايا شايله لك لان انا تعبانه قوى و انت مكفينى يا جلال قوى انا ان كنت بضحك معاه لأن شافنى و انا داخله عندك ثلاث مرات جلال ابنك مش هنزله سواء ان كنت عاوزه ام لا أو مش قادر تتحمل مسئوليته جلال انا بحبك و ليس انت بتكرهنى و انا بحبك حب جنونى كنت هاموت و انا شايفك عيان جلال أرجو الرد بالليل من فتحه الباب ترميه لو ما جاش الرد الساعة ٣ صباحا هكون مموته نفسي الساعة ٤ صباحا علشان محدش يلحقنى و لا حاجة
و انا اسفه اسفه اسفه سامحنى سامحنى سامحنى
حبيبتك المخلصة و ليست الخائنة
صباح
سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف
