عجوز تؤلمه الضحكات / عماد أبو صالح

 عجوز تؤلمه الضحكات

عماد أبو صالح


عجوز تؤلمه الضحكات - عماد أبو صالح - بيت النص


حين نموت

 

و تنهش الديدان

 

لحم وجوهنا

 

التي خرّبتها الحياة

 

تبتسم جماجمنا

 

ابتسامة كبيرة.

 

 

 

سكوت

 

 

لنتوقّف دقيقة واحدة.

 

دقيقة في الواحدة ظهر غد.

 

العمال و الماكينات.

 

الكلاب و العصافير.

 

نحن لا نعوّل على القطط كثيرًا

 

إنها كائنات رديئة

 

لا تصلح لأي شيء على الإطلاق.

 

لا تحرجنا من فضلك أيها العازف،

 

البيانو ماكينة أيضًا.

 

يا للخادمة التي يحترق الطعام أمامها

 

و لا تحرك يدها لتنزله.

 

يا للدمعة الرائعة

 

التي تتوقف بين العين و الفم.

 

العربة التي ستتحرك

 

ستصطدم بأخرى تتحرك

 

في نفس اللحظة.

 

انظروا للص الطيب

 

الذي يرفض أن ينزع يده

 

من الخزينة!

 

ابن من هذا الولد الجميل

 

الذي لم يحرك فمه

 

على قطعة الشيكولاته؟

 

نعرف أن عاشقَين

 

سينتهزان هذه الفرصة

 

ليمسكا يديهما مدة أطول.

 

إننا لسنا مسؤولين

 

عن الذين سيتسلقون حبال المطر.

 

على بُعد سنتيمترات

 

تتوقف قدم الشاب

 

الذي يركل أمه.

 

 

شكرًا للموتى

 

الذي يستغرقون

 

، أكثر،

 

في الموت.

 

للنائمين بصدق

 

لا للتمويه

 

و التحرك في الأحلام.

 

 

ليس مجرد صدفة

 

أن يظل المجانين

 

، في هذا الوقت بالذات،

 

دون نوبة هيستيرية.

 

و العجائز أيضًا

 

، نحن لا نصدق،

 

و لا سعلة واحدة؟!

 

إننا متأثرون لأجلك جدًا أيتها السيدة

 

نصف المولود في الخارج

 

و ترفضين أن تنزلي نصفه الآخر؟!

 

الشعراء، طبعًا، سيقولون:

 

"آه. مشهد رائع

 

لكن لو يكفُّ طفلها عن الصراخ ايضًا!".

 

 

ها هي معلقة عند الطابق السابع

 

هذه الفتاة المنتحرة

 

أنتم لو سمحتم للرجل

 

أن يلتقطها من شرفته

 

فسيأخذها الرصاص حجة

 

و يجتز رؤوس الأطفال.

 

 

نعم.

 

هكذا.

 

سنتوقف

 

و نفكر سويًا أيها الإخوة

 

ربما نفهم ما حدث.

 

 

 

 

يرشق الإبرة في عينه

و هو يظن أنها الحائط

 

 

لا يزال مصممًا على أن يحني ظهره

 

حين يدخل باب دكانه الواطئ

 

مع أن ظهره انحنى

 

من تلقاء نفسه.

 

يوهمه الأطفال

 

، بعد أن يأكلوا الحلوى،

 

أنهم أدخلوا له الخيط

 

في ثقب الإبرة

 

فيظل يخيط طول النهار

 

دون خيط.

 

كان قد بدأ حياته

 

بخياطة جلباب بنّي

 

و الآن يختمها

 

بخياطة جلباب لونه بنّي أيضًا.

 

و لأنه صار يخرف

 

فإنه يوبخ نفسه طول الوقت

 

لأنه قضى عمره كله

 

في خياطة جلباب واحد.

 

 

 

سعاله طلقات مضادة

قتلت ثلاثة قناصين

 

 

بحثوا عنه كثيرًا

 

ثم رحلوا و تركوه وحده.

 

كان مختبئًا تحت السرير

 

يلتهم علبة كاملة من المُربّى.

 

 

"أولاد عاقون

 

ذهبوا ليتنزهوا بدوني

 

سأعمل لنفسي حفلة خاصة."

 

ثم شرب زجاجتي دواء

 

و رقص

 

، بعكّازه،

 

على إيقاع الطلقات.

 

 

و حينما تأخروا كثيرًا

 

و أحس بالخوف

 

قلد صوت كلب كبير

 

ليطمئن نفسه.

 

 

في المساء

 

جلس

 

وحيدًا

 

يسعل في الشرفة

 

بعد أن يئس

 

، تمامًا،

 

من عودتهم.

 

 

"حشرات لزجة"

 

يقول بغضب، و هو يسقط الرصاص

 

بمنشّته.

 

و كلما توجهت رصاصة لصدره

 

، بدقة تامة،

 

تمر

 

، لحسن الحظ،

 

من ثقب قديم في القلب.

 

 

 

يداه ترتعشان كيَدي مايسترو

وصل إلى ذروة الانفعال

 

 

كان يوهمنا بأنه سيحكي

 

حكاية جميلة

 

و يفرش لنا طرف جلبابه الممزق

 

ثم يقضم فجأة

 

، من أيدينا،

 

رؤوس أحصنة الحلوى.

 

و حين تسيل دموعنا

 

على جثثها الحمراء

 

تبدو غارقة في دمها

 

إثر معركة مروّعة.

 

 

كنا ننظر بأسى

 

إلى الفرسان

 

الذين يحاولون إنهاض أحصنتهم

 

، بلا أي أمل،

 

و نشتمه

 

و هو يسند قلبه بكفّه

 

لكي لا تؤلمه الضحكات.

 

 

"إننا متأسفون يا عم".

 

هكذا نحاول أن نعتذر له الآن

 

بعد أن أدركْنا

 

أنه كان يريدنا أن نكره الحرب.

 

لكنه

 

، للأسف،

 

لم يعد يتذكر أي شيء.

 

بل إنه صار يخلط

 

بين الحرب

 

و الحلوى.

 

 

 

كل يوم تسرق خيطًا

لتصنع له كوفيّة

 

 

أصبحت مرتبكةً جدًا

 

منذ أن نظر في عينيها

 

و هي مسرعة في الصباح

 

، نصف نائمة،

 

إلى المصنع.

 

 

ساهمة باستمرار.

 

 

هي لم تضع لأحد

 

الملح في القهوة

 

لكنها

 

كانت تنسى دائمًا أن تغير الخيط.

 

 

رئيسة الوردية

 

، بعد أن هز قلبها منظر الدمع،

 

اكتفت بخصم يومين

 

و هددتها بالفصل نهائيًا

 

في المرة القادمة.

 

 

أحيانًا تخاف

 

، و هي تتذكره،

 

أن يقفز قلبها فجاة

 

و تلتهمه الماكينة

 

لدرجة أنها صارت تلبس ثوبين

 

فوق بعضهما.

 

 

آه

 

لو كانت تستطيع

 

أن تخبئ من أمها

 

ثمن وردة

 

لعرفتْ

 

، و هي تقطف أوراقها،

 

حقيقة مشاعره.

 

 

يحبها

 

لا يحبها

 

يحبها

 

لا يحبها

 

يحبها

 

....

 

....

 

 

 

لحيته البيضاء هلال سكران

يترنح في ظلام الغرفة

 

 

منذ أن مات آخر أصدقائه

 

و هو يختبئ

 

في دولاب الملابس.

 

غفا قليلاً

 

ذات مساء

 

و لما استيقظ

 

ظن أنه بداخل نعش

 

فمزق كفنه

 

و فرّ هاربًا.

 

 

الجيران

 

، بعد أن أمسكوا به،

 

كانوا يقسمون له أنه ليس ميّتًا

 

و هو يبكي و لا يصدقهم

 

لأنهم كانوا يحاولون

 

أن يلفّوا جسده العاري

 

بملاءة بيضاء.

 

 

منذ يومين

 

كان جالسًا يحدق في الشمس

 

أمام البيت

 

ثم قفز فجأة

 

و أمسك بالظل

 

كي لا يسحب يومًا جديدًا

 

من عمره.

 

 

و لأن النهار لم يكن يمر

 

تجمّع عمال البناء

 

و خلّصوه منه بالقوة

 

بعد أن تمزقت أيديهم

 

من كثرةِ العمل.

 

 

يفعل الآن أشياء مجنونة

 

ليوهم نفسه أنه لا يزال شابًا:

 

لحقوه في آخر لحظة

 

و هو يخلع جلبابه

 

ليلبس قميصًا مشجّرًا

 

على اللحم.

 

 

كما أنه يفتح غرفة النوم فجأة

 

و يقول لزوجته:

 

"تتجملين لمن يا امرأة؟"

 

ثم يكسّر مرآة التسريحة بعكّازه.

 

 

هي

 

هي الأخرى تداري ابتسامة

 

، بخجل فتاة،

 

عن فم بلا أي أسنان.

 

 

 

سرادق عزاء صغير

من سِتارات المسارح القديمة

 

 

بخمس مغنيات بدينات

 

أثبتن قدرة فائقة

 

على الصراخ في الخلفية

 

بعد ان شحذنا لهن ملابس سوداء)

 

و أجبرننا على تقبيلهن

 

(بحجة إزالة الروج

 

و فناجين قهوة فارغة

 

شرب منها

 

، بشراهة،

 

فنانو البانتومايم)

 

حتى أننا اضطررنا لزجرهم

 

(كي يتركوا شيئًا لبقية المعزّين

 

و مقرئ مبتدئ يبحث عن فرصة

 

(مع صيحات إعجاب لنخفي رداءة صوته)

 

و ثلاث إغماءات لثلاثة كومبارسات

 

يدينون له بفضل تدريبهم)

 

(على إتقان فن الصمت في المشاهد

 

استطعنا أن نصنع مأتمًا رائعًا

 

يرد الاعتبار

 

لعبقري مغمور

 

تسحّب

 

على

 

أطراف

 

أصابعه

 

دون أن يعلم العالم.

 

 

 

تجاعيد وجهها

ستعرقل بكَرات الأفلام

 

 

بعد رفض شديد

 

وافقت أن تمثل دور الأم.

 

 

كانت تخفي وجهها

 

بكمية كبيرة من المساحيق

 

حتى لا يتعرف عليها

 

عمال الاستوديو القدامى

 

إلا أنها كانت تخطئ دائمًا

 

و تقبّل الشاب في فمه

 

بدلاً من جبهته.

 

 

"أخرجي من فيلمي"

 

المخرج انفجر فيها

 

بعد ان أعاد المشهد

 

حوالي سبع مرات.

 

 

عامل عجوز

 

، كان يتلصص عليها

 

في الماضي

 

و هي تبدل ملابسها،

 

قامر بمستقبله

 

و أطفأ النور

 

لأنه لم يحتمل رؤية المونتير

 

و هو يمزق لحمها

 

، بالمقص،

 

شرائح صغيرة.

 

 

في الطريق

 

حاولت

 

أن تذرف دمعة واحدة

 

لكنها

 

لم تعد تستطيع البكاء

 

بدون جليسرين.

 

 

 

و عروقه ترتخي

أي كما ترتخي الأوتار

 

 

ظل مسجونًا

 

إلى أن أضاء بياضُ شعره

 

ظلامَ زنزانته.

 

و حينما أخرجوه أخيرًا

 

نسيَ

 

، حتى،

 

عن أي شيء

 

كان يناضل أصلاً.

 

لكنه

 

، الحمد لله،

 

صارت له مهنة

 

يعيش منها.

 

 

يتنقل

 

، كل مساء،

 

في الحدائق

 

و يعزف للأطفال فاصلاً موسيقيًا

 

بصرير مفاصله.

 

 

 

لأن جيرانه كانوا مشغولين

نشروا ملابسهم لتبكي لأجله

 

 

لم يكن هناك أي شيء

 

في الغرفة

 

، على السطوح،

 

.يغريه بأن ينظر له نظرته الأخيرة

 

ليس إلا

 

جزمة ممزقة

 

بُرْص بنيّ أعلى رأسه مباشرة

 

طبق مكسور الحافة

 

حيطان تساقط جلد وجهها.

 

 

تجوّل ببصره

 

، و هو ملقي على البلاط،

 

و في النهاية

 

أطبق عينيه

 

على مسمارين لتعليق الملابس

 

خلف الباب.

 

ضغط بما تبقى له من قوة

 

و لفظ آخر أنفاسه.

 

 

العجوز الذي أتى

 

ليغسّل جثته

 

كان متضايقًا جدًا

 

من منظر عينيه:

 

مفقوءتان و تدْفقان الدم بغزارة.

 

فتش فيهما جيدًا

 

، بأظافره،

 

لكنه لم يعثر على أي شيء

 

 

مع أن المسمارين

 

كانا منزوعين من مكانهما.

 

 

 

مرة يصنع مشانق صغيرة

و مرة أشرطة لضفائر البنات

 

 

شمس سوداء

 

ساطعة في الليل

 

نخبئ أعيننا

 

، و نحن نمر عليه،

 

لشدة سواد النور

 

 

يسلي نفسه

 

، و هو متكوم جوار الحائط،

 

باللعب في أمعائه

 

بعد أن طردوه من المستشفى

 

دون أن يرتقوا فتق بطنه

 

و لو بقطعة

 

من جزمته.

 

 

 

لا تتذكر أحيانًا

كيف تبلع الماء

 

 

ملقاة

 

على الرصيف

 

نصف مذابة في ماء المطر

 

تُربّت على القطط

 

التي تتعشى من ركبتيها

 

و تصطاد

 

، بجزمتها الممزقة،

 

الضحكات

 

المتسللة

 

من أبواب المنازل.

 

 

 

مضطر لأن يعيش في الشوارع

قلبه أكبر من باب البيت

 

 

كلما اقترب

 

يهربن منه

 

و ينظرن

 

،بتقزز ،

 

إلى لعابه

 

المندلق على ملابسه الممزقة

 

مع أنه

 

لا يفكر في إيذاء أحد مطلقًا

 

يريد

 

، فقط،

 

أن يشرح لهن

 

أنه كان عاشقًا قديمًا

 

و فمه تهدل

 

، هكذا،

 

من كثرة القبلات.

 

 

 

 

سيقطعونها بمنشار

ليغرسوا عامود إنارة

 

 

ظلت عمرها كله

 

تغسل الملابس في البيوت

 

إلى أن انخلع كفّاها

 

، يومًا،

 

في طشت الماء.

 

 

و لأنها ترى حياتها

 

بقعة كبيرة

 

لن تزول إلا بالاستمرار في الغسيل،

 

فإنها تقف ساعات طويلة

 

في الحديقة

 

و هي تقلد الأشجار

 

 

تغرس قدميها في حفرة

 

و ترويهما بالدمع

 

على أمل أن ينبت لها كفّان جديدان

 

و تعود للعمل

 

مرة ثانية.

 

 

 

يتوسل إليه الجيران

ليرى الكبريت في الظلمة

 

 

يجمع الأطفال و يحكي لهم

 

كيف يمكنه أن يغشّ المدرسين

 

و ينعس

 

، في الفصل،

 

على راحته.

 

كيف يخطئ

 

، متعمّدًا،

 

و يحضن أي بنت

 

دون أن يضربه المارة.

 

كيف أن الله رحمه

 

من رؤية منظر العفاريت

 

و كيف تتوقف العربات ليعبر

 

بمجرد أن يشير بعصاه.

 

 

و حين يشعر أنهم تسللوا

 

و تركوه يتحدث لنفسه

 

يجفف عينيه بمنديله

 

و ينصرف

 

وحيدًا

 

يبحث عن أحد يحكي له

 

كيف يمكنه أن يبكي على راحته

 

دون أن يكتشف الآخرون

 

هل ترشح عيناه الماء

 

أم الدموع.

 

 

 

ليس مشوّه حرب فنقول:

"كان قاتلاً خائبًا"

 

 

قطار

 

، أراد فقط أن يسير

 

بأرجل من لحم و دم،

 

خطف قدميه

 

فصار بلا قدمين.

 

لا تتسرعوا و تبكوا لأجله

 

كي لا يضطر للزحف

 

في وحل الدموع.

 

 

كانتا ستورطانه في أماكن مشبوهة.

 

بقر بهما بطن كلب صغير.

 

أحذية، و جوارب، و ماء ساخن بالملح،

 

و أظافر تجمع القاذورات.

 

تتنمّلان.

 

 

سيشب بروحه

 

و يرى الناس من الشرفة.

 

(لا. لم تعد هناك مشكلة

 

مع المراحيض الأفرنجية)

 

فرصةٌ للتدريب على معاشرة التراب.

 

لتجنب اليأس

 

الذي يتطلب السير

 

و ركل الحصى في الطرقات.

 

للتشفي في الروماتيزم.

 

لتقبيل قدميْ امرأته

 

، بأسرع وقت،

 

حين تهدد بهجره.

 

 

عبء.

 

 

هل كان سيصعد بهما

 

و يكلّم الله في السماء

 

أم كان سيمد واحدة

 

و يعرقل مسيرة البشرية؟

 

 

 

سنحاول أن نحزن لأجلها

إنها في سن أمهاتنا

 

 

رغم أنها لم يعد لها

 

سوى ثلاثة اسنان فضية

 

و جلد وجه مبقّع

 

لا يصلح لصناعة حذاء،

 

إلا أنها تصر

 

، لا تعرف لماذا،

 

أن تقف على الرصيف

 

في آخر الليل

 

و تغمز بعينها لكل عابر.

 

 

جسدها النحيل ينتفض من البرد

 

فتتناثر منه بقية قبلات الماضي.

 

 

هذه المرأة

 

التي قضت كل عمرها

 

في مضاجعة الرجال

 

لم تعد تتذكر

 

،أصلاً ،

 

ما الذي يفعله الرجال بأعضائهم.

 

و لأنها رأت رجلاً يتبول في الحديقة

 

ظنت أنهم ليسوا سوى براميل متحركة

 

تسقي الناس و تروي الأشجار.

 

 

بكت كثيرًا

 

، هذا الصباح،

 

من قسوة الحياة

 

بعد أن نهرها رجل بشدة

 

حين حاولت أن تفتح صنبوره

 

لتغسل وجهها.

 

 

 

ولد صغير غير مؤدب

مات دون إذن أمه

 

 

أخرج زبدًا كثيرًا من فمه

 

و أطبق عينيه.

 

كفراشة

 

مثل حشرة

 

كأيّ قطة

 

ككلب.

 

غافلها

 

، و هي تجهز الطعام في المطبخ،

 

و مات.

 

كعادته.

 

لا يأخذ رأيها أبدًا

 

في أي خطوة يقدم عليها.

 

كان يمكنه

 

، خاصة و أنه أحس،

 

أجنحة ملاك الموت

 

ترِفّ في الغرفة

 

أن يودعها بكلمة

 

أو يخبرها بمكان النقود

 

التي سرقها منها.

 

لكنه

 

، في حقيقة الأمر،

 

لم يكن يحبها.

 

 

إنه لا يكرهها

 

لا يحبها، و لا يكرهها.

 

هي أيضًا مثله تمامًا

 

لم تكن تحبه، و لم تكن تكرهه.

 

كل ما بينهما أنه ابن و هي أم

 

هي تغسل ملابسه

 

و هو يسليها بتربيته.

 

 

هي

 

، يمكن أن نقول،

 

غسالة

 

و هو

 

بكرة تريكو.

 

 

 

 

و ربما يفكران

في الهروب سويًا

 

 

يمشيان معًا

 

و هما يتبادلان

 

الابتسامات و السجائر.

 

أحدهما يلبس ملابس كاكيّة

 

و الآخر ملابسه باهتة

 

حتى لكأنها كاكية أيضًا.

 

نفس أثر الجرح القديم في الجبهة،

 

قَصّة الشارب تقريبًا،

 

حركة اليد الحرة خلال الكلام،

 

نفس النظرة الجائعة

 

لامرأة عابرة.

 

 

الأطول قليلاً

 

جذب الأقصر قليلاً

 

، بلهفة حقيقية،

 

حين همّتْ بصدمه

 

عربة مسرعة.

 

 

صديقان حميمان

 

، فيما يبدو،

 

تاها طويلاً في زحمة الحياة

 

و يقيدان يديهما بقيد حديدي

 

خشية أن يفترقا

 

مرة ثانية.

 

 

مَن اللص؟

 

مَن العسكري؟

 

 

ليس يمكننا أن نتبين

 

من دون تدقيق طويل.

 

 

 

القمر يحسده

و الكلاب تبول قرب فمه

 

 

حاول

 

، في الصباح،

 

أن ينهض

 

قبل أن يوقظه عامل الحديقة

 

بخرطوم المياه

 

لكن العشب كان قد نبت

 

في جسده كله.

 

فرحَ

 

لأنه لن يشعر بحرارة الشمس

 

و لأنه سينام على راحته

 

دون أن ينهره أحد.

 

 

مر يوم

 

يومان

 

أيام كثيرة

 

و هو لم يعد يرغب في النهوض

 

و شيئًا فشيئًا

 

تحلل جسده تمامًا.

 

 

لم يعد منه سوى

 

ابتسامة خفيفة

 

، تحرك النسيم،

 

حين ينادي بائع البالونات.

 

ثلاث قبلات قديمة

 

، كانت لبنت الجيران،

 

تحجرت حتى أنها

 

تدمي أقدام الأطفال

 

الذين يتقافزون فوقه.

 

خوف

 

، يرعش العشب،

 

حين تغادر آخر أسرة

 

و يبقى

 

وحيدًا.

 

يأس

 

يجعله

 

، أحيانًا،

 

لا ينبت للحياة في الربيع

 

و يظل بقعة جرداء

 

، بشكل رجل،

 

تتوسط الحديقة.

 

 

 

ميلودراما ساذجة

 

 

سأحكي لكم عن رجل

 

عاش

 

وحيدًا

 

طول عمره.

 

كان نجارًا في فيلم.

 

رجل عجوز.

 

يداه ترتعشان بشدة

 

يكاد المنشار يفلت منهما

 

و يمزق الشاشة.

 

كان مطلوبًا منه

 

أن يحب بنتًا

 

(طبعًا في عمر حفيدته)

 

و أن تنام على ركبته

 

في نور القمر.

 

قال لها أشعارًا ساذجة

 

كتبها له تلميذ صغير

 

مقابل أن يعبث بأخشابه:

 

 

"عيناكِ أجمل من البحر"

 

"شفتاكِ أجمل من المربى"

 

و "صوتكِ أجمل من الموسيقى".

 

 

و كما يجب أن يحدث بعد ذلك

 

تُزوّجها أمها لرجل آخر.

 

 

المخرج ثبّت الكادر

 

على ظهر الرجل:

 

كان واقفًا في الفراغ

 

يقفز لأعلى

 

و يشير بيديه.

 

أغلب الظن أنه يحاول

 

أن يطير للسماء

 

ليترجى الله كي يعيدها إليه.

 

و كان يبدو

 

، و هو يقفز،

 

كأن حمّالتي بنطلونه

 

تشدانه

 

، مرة ثانية،

 

إلى الأرض.

 

 

آخر مشهد كان هكذا:

 

منشار ينشر في معصم

 

و إسورة تلتف حول معصم.

 

(تقنية مدرسية، حلبت أعين المراهقين)

 

 

أنا

 

، عن نفسي،

 

ضده.

 

ضد الرجل.

 

 

كان ينبغي أن يكون عاقلاً

 

أن يحترم سنّه

 

أن يتحكم في مشاعره أن يفكر في مستقبلِ البنت أن يتمنى لها حياة سعيدة.

 

 

لذلك

 

فإنه يطاردني باستمرار

 

حتى أنني حين أفتح عينيّ

 

في الظلام

 

أجده جالسًا

 

ينزف

 

، في صمت،

 

على حافة سريري.

 

مع أنه لم يقطع شريانه فعلاً.

 

الحكاية كلها تمثيل في تمثيل.

 

فيلم.

 

 

The End

تعليقات