باتجاه ليلِنا الأصلى / كريم عبد السلام

 
باتجاه ليلِنا الأصلى
1996

كريم عبد السلام

 

باتجاه ليلِنا الأصلى - كريم عبد السلام - بيت النص

 

 

                                                                  إلى "زهرة"

 

 

من أيام البطالة

 

 

خَلْف النَّمل الذى يُوسّع مستعمرته

بالسكاكين، اكتشفنا مزيداً من الشقوق

تزيل طبقةً من الأرض ، فتبدو لك المستعمرةُ كاملةً

الشغّالات تدور حول نفسها،

تحمى الملكةَ التى تجر بطنها الكاريكاتورية،

وتزحف فى دائرة

.......

دائماً ، نلجأ للنمل فى أوقات فراغنا

نستدل عليه من حُبيبات التراب التى يلفظها ،

النوعُ الأسود ، يلفظ التراب أسرع من غيره،

فى حبيبات غليظة

حين أخرجنا الملكةَ، عقدنا خيطاً حول بطنها

أسميناه "المقود"

تدافعت خلفها الجموع ، وكان علينا أن نثبت لها

أن الملكةَ لا تساوى شيئاً

.....

دروسُ التشريح ،  الكحول ، الدبابيس

تذكرناها ،

إلا أننا اكتفينا بتقسيم كل نملة لاثنتين ،

تتحركان أبطأ من الواحدة.

 

 

 

الفتاةُ على السطح

 

 

 

ظلُّها يصعد معنا السلالمَ

خائفاً مرتبكاً

يصعدُ على أطراف أصابعه

لا يحرسها، بل يتجسس ليخبر أقاربها

تَنقّل على الحوائط وتابع صعودَها ،

تابع ابتسامتَها التى رسمتها على أول سلمة ،

واحتفظتْ بها حتى باب السطح الخشبى

حملناها نحن الأربعة فأكلته الحسرة ،

ظلُّها ..

تشربناه  فى صدورنا ومنعناها عنه

كأنما اتفقنا على فعل ذلك معاً

مددنا أكفنا ورفعناها

فأسلمتْ كل واحد منا جزءه الخاص

فيما ظلالنا تتخذ أحجاماً مختلفة

وتتبادل أماكنها على السلالم

......

سقط حذاؤها وانحنيتُ ألتقطه

فمرق ظلُّها بسرعة

لكنه لم يحصلْ إلا على ساقها ،

رسَمَها على الجدار رأسَ بجعة

......

أحدُ الجيران فتح الباب ثم صفقه

يعتقدون أن خطراً يتحيّنُ الفرصةَ لمفاجأتهم

يُحدّق واحدٌ من العينِ السحرية

وعندما تتجاوز الأقدامُ طابقَة ،

يظنّ أن دورَه تأجّل لمرةٍ قادمةٍ

......

نعلمُ اللحظةَ التى نُطلق فيها "مساء الخير" ،

من وراء ظهورِنا بينما نواصل الصعود

رأسُها يرتاح على ساعدى

ويتلقّى اهتزازاتِ صعودنا

أردتُ أن أقبّل جفنيها

وخشيتُ ظنَّ رفاقى أننى أعطلهم

أو أنها المرّة الأولى

التى أحمل فيها عينين مغمضتين لفتاةٍ

وأصعدُ

 

 

 

حِبالُ الغسيل

 

  

تترجرجُ أجسادُهنّ كلما انحنَيْنَ لإخراجِ الملابس من الأوعية

ولا يرينَ غرابةً فى ذلك .

أتكلم عن الأثداء،

فيضحكن ويَلكِزْننى فى صدرى

كلامى يجعلهنَّ فخورات

.....

مطرٌ أسقطه بنفسى، يجعل شعورَهُنّ تلتصق بجباهِهِنّ

فيرفَعْنها بالأصابع،

فيما ترتجف شفاهُهنّ ارتجافاً هيّناً .

 

أحببتُ أن تنُشر على حبالى

 ملابسُ كلُّها بيضاء

أرشفُ الشاى فى الصباح، وأتحسّس الملابسَ الرطبة

لا تُمْطرى

أتمنى لو يظنُّ المارةُ أنّ الملابسَ تخصّنى

كلُّها بيضاء، مما يجعلنى أبتسم

.......

أتأخرُ فى العمل ، أو أترك نفسى لقدمىَّ

تذهبان لشوارعَ جديدة

متعللاً بأننى أتنزّه

بينما أطمع فى إطالة عمرى

وتفوتنى المشاجراتُ بين جاراتى

حول شرفتى وحبالِ الغسيل

......

ملكٌ على شُرفةٍ

ملكٌ على حبالِ الغسيل

 

بعدما ينشرن الغسيل فى شرفتى، يجلسن على سريرى

أكفّهن متوردةٌ ، الماءُ يحوّل الأصابع

يظنّها حباتِ الفول التى تركناها لتنبت على سور الشرفة

الماءُ ينخدع كلَّ مرة يغسلن فيها ،

يتركن له أصابعَهنّ، حتى يظنّ أنّهنَّ تركنْها للأبد

وإذْ يخرج من سكونه

يسحبْنَها وقد فَرَغْنَ من الغسيل

......

الشمس غداً قوية ،

عندما ألاطفُ إحدى جاراتى

اللصوص يحومون حول الشرفة ،

عندما أضايقُ أخرى

.....

إطوينَ الغسيل جيداً، على مهلٍ

قبل وضعِه فى السلال

عندى مكواةٌ لقمصانِ أزواجكنّ

عندى منضدةٌ، وتهيأتُ لسماع الشجاراتِ الأخيرة

يطوينَ الغسيل ويمضينَ

يحملنَ السلال على رؤوسهن ويصعدن السلالم

أو يهبطنها

يَقُلنَ كلاماً عن مراتٍ قادمةٍ

 ويبتسمن !

 


النورُ الحار

 

 

هربَ حبيبُ فاطمة

فاطمةُ تحت شرفتى مضيئةٌ ومتبوعةٌ بالصراخ ،

بنافوراتٍ من أكواب الماء وحفناتِ التراب

 

يهرب أحباءٌ بمتعةٍ سرقوها، فينسون أجملَ التفاصيل

وحين يودون نسيانها بعد هجومها

تظل عالقةً بأطرافِ أصابعهم

 

منيرةٌ بصمتِها وسْط اللهب

الذى يُضيء، كيف تكزُّ على أسنانِها وترتعش  

ترتعشين وسط الحرارة ؟

كلُّ الألم لا يدفعكِ للاعترافِ بقوته ؟

تكزُّ على أسنانها بدلَ أن تصرخ

مدهوشةً من قوتها

من اندفاعها

هى الخائفةُ دائماً

.....

فى الشرفة ،

 ثم على السلالم حاملاً بطانيتى السوداء

مصطدماً أولاً برائحة شعرها المتوهج

بهالتِه الأكثرَ صدقاً من هالاتِ القديسين

بطانيتى السوداء تطير فى الهواء

تتعلق لحظة، ثم تصطدم بالجسم المضىء

فتُحكمها الجاراتُ حوله ،

جسمُها الذى أحبه حبيبها، وترك داخله كرةً تتحركُ

نوراً حاراً

يطفو ويأكلها دون مقاومةٍ منها

......

 

 

 

قدما فاطمة حافيتان يغطيهما التراب

عندما حملوها، رأيتهما جيداً

قدما طفلةٍ أوغلتْ فى اللعب

تحملها أمُّها بمساعدة الجيران ،

 لتحمّمها .

 

 

 

أنصتُ إلى البطل .... إلى حركةِ يديه

 

 

إسمُهُ : سليم عبد الشافى، ويعمل حدادًا

ستّةَ أيامٍ فى الأسبوع، يُطوّع المعدن

وفى يوم الجمعةِ، يستيقظ مع الأذان

يحبّ النساءَ البدينات، ولا يخاف إلا خالقه

كلُّ حصاده : ولدان وبنت

يسألهم ، ممن تخافون ؟

فيجيبونه : لا أحد إلا الله

 

يا "ثليم"

يناديه ابنُه الأصغر ,

فيضحك من لغة الطفولة المثقوبة

ويهتز بطنُه الكبير

 

 

فى أمسياتِ الصيف

تحكى الامهات عن ذئبٍ

سُمع عواؤه فى الحىّ

واختفى مصطحباً أقوى الإناثِ من الكلاب

بعد شهورٍ، عادت الأنثى هزيلةً منهوشة

وراءها جروٌ واحد

صار فيما بعد الذئبةَ الصفراء

التى تُخيف حيَّنا

 

تختفى ثم تظهر وحولها خمسةُ جراءٍ أو ستة

صفراءُ وسوداءُ ومرقطة

من ألوانِ الجراء، نُخمّن ماذا كان لونُ الذكر ،

شريكِها

حين تغيبُ، يلهو العيال حتى آخرِ الليل

تحت أعمدةِ الكهرباء،

وحول أكوامِ القُمامةِ المشتعلة

تذهب الأمهاتُ إلى السوق

ويرجِعنَ دون شكوى

 

بعودتها، يحتل جراؤها الشارعَ

وهى تحرسهم

الأباءُ يدورون من حاراتٍ جانبية

حتى يصلوا إلى أعمالهم

 

فى أمسيات الصيف

تحكى الأمهاتُ عن شابٍ

أيقظ الحى ذات فجر

بعد أن عاد برأسِ الذئبةِ ورؤوس جرائِها

 

سليم عبد الشافى، لا يحتمى بمطواته الأسبانية

ماركة النجماتِ الثلاث ،

لم تصل لخصمٍ من الخلف،

ولم يُرهب بها عاشيقين

تسلّلا لفناء منزله

يجلوها بالزيت،

 ويحملها مع التميمة التى خاطتها أمُّه بملابسه

 

سليم عبد الشافى، لا يفاخر بحكاياته مع الكلبة الذئبة ،

لم يفعل شيئاً غيرَ أن خاض معركةً :

نهشتْ ذراعَه

وقطع هو رأسَها بمطواته

 

أصدقاؤه الذين يدفعونه للكلام

يشرعون فى سرد الحكاية متعمدين الخطأ

عندئذ، تتحرك أصابعُه

أصابعُه ضروريةٌ للكلام ،

تُوفّق بين الهواء والكلمات

فتساعدنا على ملاحقة كائناتٍ تتخلّق وتختفى .

 

صوبتُ على خَطْمها

كان الحجرُ فى يدى مسنوناً ونُباحُها يقترب

حتى لو قبضتْ على ذراعكَ – قلتُ لنفسى

عُدْ برأسها

بمخالبها وأسنانها

بعينيها

بنباحها وزمجرتها

عُدْ بالرعب الذى تبثّهُ فى الأطفال ،

فلا يخرجون للعب

ثم ألقِهِ دفعةً واحدةً على كومةِ القمامة المشتعلة

 

إلعبوا يا أصحابى حتى آخرِ الليل

يا أمهاتِنا، اخرُجْنَ إلى السوق وقتما تَشَأْنَ

دون أن تنفرط الأشياء بين أيديكنّ

من الرعب

يا أعمامى،

اذهبوا إلى العمل غيرَ متوجّسين

فقد جئت بالأنياب والعينين والنُّباح

وسألقى بها فى النار

.....

قدمتُ لها ذراعى، هائجةً وعنيدة

أعطيتُها ذراعىَ اليسرى

ضربتى على خطمها، تبعَتْها ثانيةٌ وثالثة

بعدها، أرختْ فكّيها وتهاوت

إذا أفلت الخَطْم، فكلّ ضربةٍ تزيد من قوتها

من هياجِها واستعدادِها للنّهش .

 

عندما هَوَت ، كانت الجراءُ متحلقةً حولنا

والدمُ يغطى ذراعىَ المتهدلة

قدمى على فكّيها ومطواتى فى حلقها

الجراء تشممت أمَّها، ونبحتْ نُباحاً رفيعاً

 

رأيتُ الجراء كبيرةً، تثير الفزعَ فى شارعنا

فأعملتُ مطواتى

كان العيالُ محبوسين فى البيوت

والأمهات يدارين خوفهنّ

والآباءُ يفكرون كيف يحمون خطواتِ الصغار

فأعملتُ مطواتى .

......

سليم عبد الشافي، يعمل حداداً

ستّةَ أيامٍ فى الأسبوع، يُطوّع المعدن

وفى يوم الجمعة، يستيقظ مع الأذان

 ضخمُ الجسم، إلا أنه ينسى دائماً

ويتحرك كريشة .

 

ضحوكٌ، إلا عندما يتكلم عن الخوف

أو يحكى قصة الذئبة

يداهُ فى حِجره

أو على ركبتيه

عندما يصمت.

 

 


الموتُ


 

فى أولِ السرداق، يجلس إخوةُ القتيل

يتأملون أسلحتهم عند مرور من يكرهونه

ويسبون أمهاتِ الضباط .

مساعدوهم يتفرسون فى الوجوه

بحثاً عن علاماتٍ لا تدلّ على الحزن .

 

السرادقُ يحيطنا من ثلاث جهات

نقوشه لا تترك لنا ثغرةً

التلاوةُ رديئةٌ ، لكننا نهزّ رؤوسَنا .

فى مياهٍ من الزخارف ،

الأحمرُ هو المسيطرُ

التواءاتُ الأبيضِ والأسود

تحاول الالتفافَ حوله

 

قريباً منّى مُسنّون احتسوا القهوةَ مرتين

دون خوفٍ من اتهامهم بالشماته

رفعوها إلى شفاههم بأكفٍّ مرتعشة

ثم غاصوا فى حياةٍ قادمة

عيونُهم رماديةٌ ،

تتضح كلما حدّقوا فيمن يجاورونهم

.......

لو أتى الموتُ الآن ،سيقبضون عليه من ياقته

إخوةُ القتيل

لو أتى ، ظانّاً أنهم ، منهارين لمقتلِ أخيهم

برصاصاتِ الضابط ،

سيقبضون على عنقه، مجرجرين إياه على الحصى

وأمام الجموعِ المحتشدة ،

يسكبون ماءَ النار على وجهه

يقطعون أصابعه، إصبعاً إصبعاً

ثم يشقون عضلاتِهِ ويَحْشونَها بالملح

ولوصْمِه نهائياً – الموت

يطعنون مؤخرته .

 

تأتى الشرطة فى نهاية الشوط

لكنها لن تجد سوى القتيلِ المهيب

 

الشبابيكُ مسكّرةٌ

ولا نساءَ على العتبات

الرجال ذهبوا إلى مدنٍ تذكروها فجأة

يسكنها أقرباء لهم

الأطفالُ ، استبدلوا الأسطحَ بالشوارعِ

وأعدّوا تلالاً من الحجارة

والزجاجاتِ الفارغة

 

 

 

الفَرَحُ

 

 

البناتُ كنسنَ الزَّقاق

رسمن دائرةً حمراء بنشارة الخشب المصبوغة

وبداخلها قلبٌ أخضر

رسمن حدوداً للسُّرادِق

ثم نشرنَ الألوانَ فى كلّ بقعةٍ.

 

أتى النجارون فتقافز الأطفالُ

وأنشأوا معهم أولَ مسرحٍ فى حياتهم

العمال يُقيمون المسرحَ والأطفالُ يتقافزون

 

أن تبنى مسرحاً

يعنى أن تثبّت الدعامات بالعوارض

بحبال من الليف، تُطلى بالأحمر للتموية

صناديقُ تَحْوى زجاجاتِ البيرة

خضراء، يحملها شبانٌ إلى بيتِ العريس

أحدُهم خبأ زجاجةً تحت ملابسه

وانسحبَ وراء شىءٍ نسيه

آخرُ يرقص، إصبَعُهُ مطواةٌ فى الهواء

......

يا أخواتِ العروس

اجذبنها إلى الداخلِ، حتى يطلَعَ المساء

لاتدعن فضولَها يتجسّس على ما يُعدّ لها خارجاً

جَرّدْنَها ، ثم دغْدِغن طيورَها

قُلنَ لها : هكذا سيفعل وأفضلُ منّا

 أزِلنَ العتماتِ ورَطِّبن طياتِها وزواياها

هذا لأنفِه وفمِه ، وهذا لسلاحه

لا تأخذن عليها انتشاءَها بين أيديكُنّ

لا تأخذن عليها رَجْفَتها ،

صرخةَ فرحِها الزائد ،

أسنانَها فى أذرعكنّ حين تنسين حنوَّ اللمسة

لا تأخذن عليها دفأَها أو تأهبَها

وزوِّدنها بالنصائح .

......

الصبىُّ يُطوّح المبخرةَ

لا تعوقه قدمُه المباركةُ عن كَسْبِ عيشِة

تأكّدَ أن الهلالَ لفرحٍ وليس لمأتمٍ

فأتى يتأرجح بوعاء النار وكيسِ البخور

من سيردُّه فى يومٍ كهذا

يُهنىء ، يَرْبِتُ على الأكتافِ والأذرع

ويتلقى الهبات

لاينبغى عدُّها الآن، أو النظرُ فيها

يدسّها بجيبه، وينفخ فى وعاء النار .

.....

شرفاتُ الجيران امتلأتْ والشبابيكُ

الرجالُ للسرادقُ.. والنسوةُ للتّطلّع،

للمراقبةِ واستخلاصِ الحكمةِ،

التى تطفو من جلساتِ الكلام

الشرفة مخزنُ الزغاريد والصرخات

حين يتهامس العروسان

او حين تُشرق أولُ مطواةٍ بيد الشاب السكران

الذى أخطأ الهواءَ وأصاب وجهَه ،

مستمراً فى الرقص والنّزفِ

فى الدوران والارتعاش

فى الابتسامِ والتوازن

 

كل شابٍ بالسرادق ، اختارته بنتٌ فى شرفةٍ

ليبدأ رحلة الصيد

كل شابٍ يعلم أن البنتَ تريد برهاناً ،

 فيُشرعُ المطواة ويرقص

متطلعاً للشرفات فى حيرة

أين رائحةُ فريستى وسط الروائح ؟

 

لو يمرّ الفرحُ بسلامٍ ،

لا يترصّد فتىً لغريمِه الذى صالحه

بينما قلبُه غيرُ صافٍ

يريد أن يؤذيَه ، فلا يجدُ أفضلَ من الفرحِ مكاناً

يأتى وأصحابُه وينالون ثأرَهم

لكنّهم يحطمون ما يصادفهم

 

مَن بوسعه منع التموجات

حين تُلقى حجراً فى الماء ؟

لو ينسون ثاراتِهم هذه الليلة  

من أجلهم، توزّع شبانُ العائلة

أماماً وفى الخلف

يبتسمون لضيوفِهم مطمئنين للأسلحة

تحت ملابسهم

وعند أولِّ بادرةٍ للعراك

يعود الماءُ ساكناً بلا تموجات .

......

من يلتفت للرسومِ الملوّنةِ على الأرض،

الدائرةِ الحمراء والقلبِ الأخضر ؟

رتّبوا المقاعدَ ، فانغرزتْ قوائمُها فى الرسوم

بعثرت الأقدامُ ما صنعته الأيدى ،

الأقدامُ التى تتحرك مع آهات المغنى

فتصعد بالترابِ الساكنِ تحت النشارة المصبوغة.

.....

 

 

فى الصباح

تكنس البناتُ الزّقاقَ ويحلمن

يمضى الشبابُ إلى أعمالهم

حاملين الليلة الماضية.

  

 

 

بائعُ زهورٍ مرَّ من شارعنا

 

 

نادى على بضاعتِه أمام أبوابنا المغلقة ،

فذهب النداءُ إلى الفاكهة والروبابيكيا .

 

بإشارةٍ من يده

خاطبَ البناتِ على عتباتِ أبوابنا المفتوحة

يدُه التى تحمل الزهورَ ارتفعتْ ،

فابتسمتِ البناتُ خجلاتٍ من المرايا الإلهية

وعلى الضوء المنبعثِ من زهوره،

أدركتْ بنتٌ أن قدميها متسختان

ورأتْ أخرى مِزقاً فى جلبابها، فتوارت.

 

  

القطط عيونُها خضراء مشوبةٌ بالصفرة

والكلابُ تهزّ ذيولَها وتتسكّع وراء الأطفال

بائعُ الزهور ينادى

جيشٌ من الأطفال الحفاة

تركوا ألعابَهم وانطلقوا خلف العبير

رددوا نداءَه

تسللوا، ثم عادو بالنقود من مخابئ أمهاتهم

......

لا نعرف ماذا نفعل أمام زهرةٍ حمراء

أنظلُّ نتشمّمها متأملين انحناءاتِ كل ورقةٍ

أم نقبضُ عليها بقوةٍ منكّسين كأسها ؟

 

ربما فرِحَ أحدُنا بزهرةٍ وجدها على صندوق قمامة،

على الحافةِ

بانتظار لفحةِ هواءٍ أو أصابعِ طفل

لكنها سرعان ما تصبح ثقيلةً ومضحكةً فى يده

لدرجة أن تسقط تلقائياً تحت قدمٍ مسرعة

أو على بقعةِ ماءٍ جوار رصيف .  

......

عجوزٌ حلّت منديلَها واشترت وردةً حمراء،

وضعَتْها فى كوبٍ على حافةِ الشباك

الأحلامُ

أيمكنُ صيدُها بضربةٍ واحدةٍ

 

شابٌ اشترى عِقداً من الفلّ لحبيبته

فارتدته حول عنقها

العِقدُ سيذبل بعد يوم،

 لكنها ستعلقه على مسمارٍ فى الصالة ،

وكلما وقع نظرُها عليه

لمَسَتِ الهواءَ الذى يحيطه .

 

مرّ من شارعنا ، بائعُ الزهور

لم تنبحه الكلاب

الأطفالُ الذين ينهشون الغرباء

ذهبوا مع العبير !

 

 

صيادُ الكلابِ الضّالة ... وأغنيته

 

  

فى الثالثةِ بعد الظُّهر

توقفتْ عربةُ البلديةِ فى شارعنا

عربةُ البلدية لونُها رمادىٌّ وبها زنزانة

الزنزانةُ بابُها مغطىً بالسّلك

البابُ لا يحول بين آذاننا والهواء

 

الأمهاتُ فى الشرفات

والأطفال يتشبثون بجلابيبهنّ

فى الثالثة بعد الظُّهر، كان الحصى ساخناً

والموظفون قد عادوا من العمل إلى نومةِ القيلولة

والعيالُ الذين هجروا الشوارع ،

يتناولون غداءهم

وكانت الإناث قد تركت رائحتها فى الزوايا

رسائلَ عاجلةً إلى ذكورِ السباق ..

                                     سوداءَ وصفراء

                                     مرقطةٍ وبلقاء

                                     ضخمةٍ وخانعة

                                     شرسةٍ وباهتة

                                     هرمةٍ وفتية

                                     صحيحةٍ وعرجاء

تُنكّس رؤوسها وتسعى خلف تعرجات الرائحة

......

فى الثالثة بعد الظهر

ينزل صيادُ الكلاب من العربة

مساعدوه، حاملو الأنشوطات

يبدون غيرَ مكترثين

صيادُ الكلاب ، يرتدى بالطو أزرق

ويكرهه الناس

يضع بأُصْبَعِه خاتماً نحاسياً

ويعلم أن الناس يكرهونه

يحمل بندقيةً بيدٍ، ويُطبق الأخرى على الهواء

ويكزُّ على أسنانه

 

فى الثالثة بعد الظهر

يخطو الصيادُ على الحصى الساخن ويغنى :

أنا آلةٌ تتقدم فى دوائر

أنا قدرٌ

المرصودُ يعدو أمامى ويدخل شبكتى ،

التى تضيق تدريجياً

يعدو لأثبّت ارتباكه ورعبه

 

يغنى :

تمكنتُ من رقبته، عروقُها تنبض تحت إصبعى

روحه تلهث وسط عظامِه المحطّمة ،

داخلَ جِلدٍ لم يعد يُمسكه ببعضه غيرُ سيورٍ

وبحيراتٍ دقيقة

جذبتُ أنشوطتى للخلف بقوة

وسددتُ ضرباتٍ للفكين .

 

 

يغنى :

رائحةُ يومٍ يبحث عن مسارب

رائحةُ حياةٍ تتحول

رائحةُ سخونةٍ ولعاب

رائحةُ خفةٍ تُغرى بالطيران .

 

فى الثالثة بعد الظهر

ينفصل ظلُّ الصيادِ ليغنى :

أنا ملاكٌ بيدين متفحمتين وخطواتٍ مشوهة

خطواتى بعيدةٌ عن الناس

وأبصق أنّى شئت

لتكن الكراهيةُ من نصيبى

لأكن طائرَ شؤم

أنا الذراع القويةُ لكابوس

ما العمل فىَّ

إننى السوطُ أيضاً .

 

 

 

كلامُ البقّالِ الذى فكّر فى حياته

 

 

استيقظتُ فلم أجد عينىَّ

وجدتُ حَجَرَيْنِ ، فغطيتُ حدقتىَّ

الليلُ يتقدم من كل ناحيةٍ

النّباحُ كل الأصوات .

 

استيقظ العالمُ فلم يجد عينيه

ولم يجدْ قلبَه

لكنه لم يُغَطِ حدقتيه

واستبدل حجراً بقلبِه الضائع

النهارُ لا رائحةَ له ،

أعرفه من العرباتِ الهادرةِ تحت شباكى

ومن خطواتِ التلاميذ

 

 

أتكلّم ، لا كمن يبكى

بل كمن يقف أمام شجرةٍ ويناديها:  يا شجرتى

.......

جاراتى يربين الدجاجَ فى الشارع

وأنا أرشوها بالذرة لتؤنسنى

كلما سهوتُ، خفتتْ القوقاةُ فألقى بحفنةٍ جديدة

وأبتسمُ عندما تصيح الديكةُ معلنةً عن الطعام

دائماً.. حفيفُ أجنحتها،

تصعدُ الديكةُ إلى حجرٍ أو إفريزٍ ثم تهبط

كأنها تستطيع التحليق ،

والدجاجاتُ تلقط الذرة وتقوقىء بنغمات متباينة،

باتجاه الذرة

أو هربا من الأقدام ،

 أو تحت الديكة

 

جاراتى يَجمعنَ الدجاجَ ويمازحننى

فأعرف أنه الغروب

أنا ديكٌ عجوز ،

يتخيلننى وقد استيقظتُ فى الصباح مغطىً بالريش

ساعتها سيذبحن الديوكَ الأخرى

ويُجنّبننى معاركَ لا أُطيقها

........

أنصتُ لمخالب القطط على الصفيح

لقطراتِ الميزاب

أنصتُ للفحيحِ الغامضِ

الذى يتزايد فى الليل خلف دكانى،

ولأيدى الصغار الذين يخطفون الحلوى

 ويجرون

تاركين ضحكاتهم ترن وسط الأجولة ،

للنّباح

ولعجلات العربات على حجارةٍ هشةٍ

فتنقسم لحجارةٍ أصغر .

......

ألم أكنْ أعلمُ قبل الآن

صعوبةَ تحوّلى لرفٍ خشبىٍّ فى دكّان ،

أحملُ ما يوضع فوقى،

وفى اللحظة الحرجة أنكسرُ،

ببساطة رفٍ مازال صامداً يتحمل ؟

ألم أكن أعلم صعوبةَ تحوّلى إلى نملةٍ

تدّخر فى الصيف،

وتختبىء فى الشتاء ،

لا تحاول الاختباءَ فى الصيف أو الادخار فى الشتاء

 

ألم أكن أعلم صعوبةَ تحوّلى إلى كلامٍ

يدور بين صاحبين وهما يشربان الينسون ،

كلامٍ له صورة شفافة ،

لا يترتب عليها أىُّ ألم ؟

......

لا ألحقُ بالصباح فى حديقة

روحى ارتبكت أمام البابِ المغلقِ للدكان ،

فبعثرت حباتِ الذرة فى طريقها للإفلات

ذهب الصوتُ المكتوم لسقطتى

ذهب ضجيجُ العلب التى هوت من الأرفف

وأحاطت بى من كل ناحية

ابتلعه الليل

والنباح

والمواء .

 



ما تعنية كلمة "ظهيرة"

 


منذ عشرين سنة

لم يتوقف الخبّازُ عن ترطيبِ ساحةِ المخبز

نظرتُه للقطرات فى التقائها بالغبار

تذهب إلى الخشوع

 

عاملُ المقهى ، صاحبُ المواويل التراجيدية

يغنى للمراييل الزرقاء وللنهود

ويتفادى المارةَ فى اللحظةِ الأخيرة

قدماه الحافيتان دائماً ، داخلَ بحيرة .

 

تاجرُ القماش ،

يعرف كيف يكسو ساحته بلونٍ واحد ،

لونِ القطيفة السوداء

لا بقعةٌ عطشى أو موحلة .

 

العيالُ داخل الرذاذ ، يمرون تحت قوسه

أو يقبضون عليه بأصابعَ غيرِِ مدربة

فيعودون بهيئات جديدة

فى طريقهم، يصادفون عمالاً حفاةً وأصحابَ دكاكين

وساكنين فى طوابق سفلى، مندفعين باتجاه الغبار

يثور، فيندفعون بالماء لتهدئته

 

الساحةُ الترابيةُ، ليست نفسَها بعد الماء

ساحةُ المقهى أو ساحة محل القماش

أو ساحةُ المخبز

لونٌ غامقٌ وشظايا معدنيةٌ ، استردتْ لمعانَها

كيف وصلتْ إلى هنا واندغمت فى التُربة ؟!

 

عابرون أطلقوا لحاهم من الغمّ

والرذاذُ له وَقْعُ المفاجأة

 

بنتٌ فخمةٌ تمرّ خفيفاً على الأرضِ المبلولة

فيتخيل مراقبو المقهى ثوباً منحسراً

وساقين بلون الحليب

تصنعان زاويةً قائمةً على الأرض

 

المعجزاتُ ، هل تنام فى الماء ؟

 

الأمهاتُ حبسن أطفالهن بعيداً عن شمس قاسية

فظلوا يحدقون إلى الرذاذ من النوافذ

ويتنادون ..

من أيةِ زاوية يندمج الماء بألوانِ الطّيف ؟

من أيةِ جهةٍ تخرج نسمةُ الظهيرة ؟

 

 


بهجةُ الألفاظ

 

 

ألفاظٌ حمراءُ وخضراءُ وزرقاء

دقيقةٌ وهشّةٌ ، ولها أشكالُ البالونات

التى لا نراها إلا فى العيد ،

يلمحُها الشابُ وهى تنطلق

من أفواه الأمهاتِ الريفيات فى المدينة

يتتبعها ..

فتتقافزُ الكلماتُ بين يديه وتصعد

زرقاءَ وحمراءَ إلى أعلى

 

حين ينجح فى الإمساك بلفظةٍ

تنكسر فى فمه ،

بين أسنانه ولسانه

 

الأمهات، ساكناتٌ أمام بيوتهنَّ

فى ملابسَ سوداءَ دائماً

الشمس هى التى تتحرك

جرارهنَّ معلقةٌ على الحوائط،

مغسولةٌ بالرمل وملآنة

لا يطرَبن إذا تكلّمنَ

إذا ضحكنَ ونادَين

إذا بكين وتشاجرن وغضِبن

لا يطربن من موسيقى يعزفنها كلّ لحظةٍ !

 

السعادةُ :  هى العطشان الذى يستأذنهنّ فى شَرْبةٍ

 

الشابُ، يترقّب لحظة لا ينشغلن فيها بلَوْمِ بناتهنّ ،

ثم يُسقط حافظةَ أوراقِه أو يتعثّر عامداً

لا لشئٍ

إلا لتشهق أمٌ وتُبسمل من أجله ،

لتتقافزَ الألفاظُ الملونةُ باتجاهه

ثم تحمل الأمُ جَرَّتَها المعطّرةَ وتسقيه .



ملوكُ الليل

 

 

فيما نكون نائمين، يأتى من يمتلكون الليل ،

الليلَ الأصلىَّ الخالىَ من شمعةٍ

إذا عاد أحدنا متأخراً يسلبونه ساعته

لا يقبلون توسلات .

 

يضاجعون وقوفاً،

صديقاتِهم أو غريباتٍ سرعان ما يَرْضَخْنَ

يتساوى الأمرُ

فى مداخلِ البيوت، أو تحت أعمدةِ الكهرباء

لكنهم يحتفظون بالجرائد فى أيديهم

تحسباً لافتراشها

 

 

فيما يضاجعون

يتوهمون أن آخرين يتلصصون عليهم

فيتوعدونهم

الشتائمُ بعد اصطدامها بالنوافذِ

تتسلل إلينا مغسولةً محملةً بالإيقاع

عيونُنا مفتوحةٌ فى العتمة

ونبتسم كلما تصاعد السِّبابُ فى الليل

 

إمرأةٌ تهرولُ

من نافذتى، أرقبُ دمَها الساخنَ ودموعَها

كيف كانت أعضاؤها متوهجةً منذ لحظات

تنير عتمةَ الزقاق .

 

الجميلةُ ضربها عشيقُها القديم

وطعن عشيقَها الجديدَ

حين دافع عن ملمس أصابعه على فخذيها

تهرول تحت نافذتى، قاصدةً رجالَها .

 

لم يتمكن من نسيانها فى أيةِ لحظة ،

عشيقُها القديم

يأسُه ومرارتُه

مطواتُه وأصدقاؤه المقربون

ذكرياتٌ عن ملمسِ أعضاءٍ لا تتكرر

......

فى هرولتها

تدّخرُ الصراخَ حتى تصل إليهم ،

ملوكِ ليلٍ آخر

ثوارٍ لا يبخلون على السكاكين

ويقودون العالم بالمخارجِ القويةِ للحروف

 

الكلامُ نوعٌ من استعراض القوة

الكلامُ ينفى الآلامَ والانكسارات

يتكلمون، فيعرفون ماذا تساوى الحياةُ

لا أكثرَ من بَوْلةٍ،

طعنةٍ يلقونها وينطلقون فاتحين قمصانهم

هاهى صدورنا أيها المطر

يا ظلامُ ،

لا تُخفِ ملامحَنا .

 

 

من أهينتْ أنثاه، يعدو بين الحارات

فتسقط قطراتُ دمِه على التراب

يعوى متمنياً أن تظهر فريسةٌ ،

 أيَّةُ فريسةٍ

ورقةُ شجرةٍ

صوتٌ أو خيال

يضرب أعمدة الكهرباء بسكّينه

فينبعث رنينٌ يذهب إلى البهجة لا إلى الشجن

.....

أسرعوا أيها الملوك

هنا موقعُ المعركة

هنا ستتحررُ الدماءُ كومضاتٍ فسفورية

العاشقُ القديم وأصدقاؤه

يختبئون فى زقاقٍ قريب

 

لا يملكون سوى دمائِهم ، يبذرونها

فى الفرح وفى الغضب

فى المحبةِ وفى الكراهية

 

صدورهم عارية

والسكاكين تنتمى لعصورٍ قديمة

المَقبْضُ هو كل اللحظة

والنصل هو الساحر الذى يمتص الضوء

وتتعلق العيونُ بحركته

 

يا أيدى ... تشبثى بالمقابض

الأيدى المنتصرةُ والأيدى المهزومة

الأيدى التى يغطى الدمُ أصابعها، ثم يقطر على التراب

الأيدى الخبيرةُ بالألم الذى تسببه

بطول الجرح وعمقه

بعدد القطرات التى ستسيل

 

على الكلابِ أن تتوقّف عن النُّباح والتسكّع

القططُ على سطوح المنازلِ وفى الفجوات

على قطتين أن توقفا تسافُدَهُما إلى حين

وترقبا الضجيج .

 

 

أينَها الجميلةُ التى أوقعت بين الملوك ؟

أفى غرفة عشيقها، تزفر الأنفاسَ التى تطببه ،

تلعق جرحَه وتغمره بريقها ؟

 

بين اليقظة والغيبوبة ، يناديها

ويتوعد  الآخرَ بجرحٍ من العنق حتى السرة ،

يلقى بأحشائه إلى الخارج

يتوعده بين الغيبوبة واليقظة .

 

خلف النوافذ متفرجون أطفأوا الأنوار

رؤوس فى زوايا حادة

تُحصّن نفسَها من الاكتشاف

وترى المعركةَ التى تحدث أسفلَ

سباقاً بين دماء حمقاء .

 

غامت الرؤية فى عينى أحد الملوك

انحرف إلى شارعٍ آمنٍ مطوحاً بسكينه

الأعداءُ الذين فى الذاكرة

 

الذين تكدسوا على مدار سنوات

حضروا أمام عينيه ،

وها هم يجرون فى كل اتجاه

 

من ستخونه قدماه ؟

من ستبتلعه ذاكرةُ الملك ؟

 

سقط صغير، كان يخزّن المعركة فى رأسه

عندما انتبه

وجد نفسه آخر الهاربين

 

الملك يضربُ فى جميع الاتجاهات

وخصومُه يتساقطون من حوله

لمَ تعثّرت أيها الصغير

لماذا لمْ تلجأ لزقاقٍ أو بابٍ مفتوح ؟

 

الانهياراتُ تحسم المعركة

يترك أحدُهم ثغرةً ينفذ النصل منها لجسمِه

فيكسب التعاطف الذى يحتاجه

فى الميزان : التعاطفُ وخيلاءُ القوة

 

من اختار أن يُحمل على الأذرع

يتأوّه ويبكى، كما يحدث بأحلامه

اختار أن يرى تأثيرَ دمِه على آخرين

يحرصون على حفظ دمائهم بعيداً

فى أقصى أجسادهم

 

الشكوى والهذيان فى متناول يده

مثل الأطعمة الجيدة .

 

هل انتهتْ المعركةُ

لم ينفدِ الهواءُ المحمّلُ بالصياحِ والشتائم

لم تخلُ الساحةُ من الظلالِ التى تعدو

ولم تعدمْ النوافذُ مراقبين .

تمريناتٌ لأمراء لم يتوّجوا ملوكاً بعد

يدرسون الأرض ويكتسبون الخبرة

ينقلون الوقائع، و يستعيدون الضربات الحاسمة

 

كيف كانوا قريبين من أحدِ الملوك وهو يطعن

كيف طفر الدمُ فجأة

وأين أصابهم الرذاذُ .

 

الكلابُ تتحرك بحذرٍ

تفصل الروائحَ المختلطةَ والآثار

والقططُ ..

بدأت جولةً جديدةً من التّسافد.

 

 

 

تراب

 

 

الصبىّ وغداؤه بين يديه

رغيفٌ من اللحم الرخيص

سخونته على كفه،

ورائحتُه تقابل حواسَّه

رائحةُ اللحم ،

لم تمهله حتى يعود إلى مكان عمله، ويأكل جالساً

 

الرغيف مفتوح وفم الصبى يتذوق

فيما تتقافز قدماه وسط العربات    

أو تتجنب صبياً يمرق على دراجته

 

الرغيف دافئٌ معطرٌ والبنتُ بأعضاءٍ نامية

صفيرٌ باتجاه البنت

ورغيفٌ على التراب

البنتُ تختفى فى حارة

والصفيرُ ينقطع .

 

العرباتُ تعبر، وصبية يمرقون على دراجاتهم .

الترابُ ليس بالسوء الذى تُصوره الأمهات

هو كالهواء،

نسبح داخله فلا يؤذينا

إذا كانت الأحصنة والكلاب تدوسه بأرجلها

فهى أيضا تتنفس الهواء معنا.

 

انفخْ الترابَ عن رغيفِك أيها الصبى

وابتلعه فى قضمات سريعة،

قبل وصولك إلى ورشتك

وإذا صادفتَ بنتاً أخرى ،

انشغلْ بها عما بيدك

مجّدْ نهديها

بصفيرٍ

أو أغنية                    

 

تعليقات