بلى إنه لزمن الخلخلة والسقوط/ كمال أبو ديب

 بلى إنه لزمن الخلخلة والسقوط /
لكن، ليكن أيضاً زمن الاكتناه والإبداع الحر.

كمال أبو ديب


بلى إنه لزمن الخلخلة والسقوط - كمال أبو ديب - بيت النص


1

إنه زمن الخلخلة، إذن. الخلخلة والتقوّض والسقوط. الزمن الذي انتظرناه
بلهفة الحقول إلى مطر، بعد صيف فظ قائظ مديد.
كل شيء على شفير الهاوية، وألف شيء قد تهاوى فعلاً واكتمل اندثاره وسيغدو، وشيكاً ،نسياً منسياً. وفي لجّة الانهيارات يعصف بنا الدوار فيما نحاول أن نتأمل الإبداع وأموره
وإشكالياته ومصيره. "والإبداع؟" ، يهسهس صوت ريبة في مكان ما من الرأس "والأمة تتقوّض، ما يزال يشغلكم أمر ما تسمونه إبداعاً؟"
"بلى"، يرن صوت له صفاء جرس نحاسي في فضاء معبد عريق ، يرن في حنايا الروح، فيملاْ رجعه فضاء العقل، والمساحات التي تسكنها شهوة المعرفة.
"بلى"، إنه ليشغلنا أمر إبداعنا، رغم أن كل شيء على انهيار. بل إنه ليشغلنا بالضبط لاْن كل شيء على انهيار. إن أمة ما، حضارة ما ، لقادرة على البقاء ولملمة الجراح والنهوض، أياً كانت جسامة كبواتها، ما دامت طاقاتها الإبداعية ترتعش بعبق الحياة؛ أما أن تنهار طاقاتها الإبداعية، فإن ذلك لمن أشراط الساعة ونذر النهايات.

2

هكذا تتحيّر الأسئلة في البال، ويحار البال بالأسئلة: «في أية وجهة (وبعد قليل من النقاش سأحوِّل المفرد إلى جمع لأقول: "في أية وجهات" ؟) تتّجه الطاقات الإبداعية العربية ،الآن وقد تداعى المعبد الأجوف الذي كانت قد أحرقت نفسها بخوراً على مذابحه؟" وفي الظن، وإن بعض الظن لبعض إثم، أنني كنت بين أوائل من اكتنهوا هذا الانهيار برعماً برعماً، قبل أن يينع وتبصره العيون التي اعتادت ألا ترى سوى الباهر من الضوء. ولقد بشّرت بالخلخلة وتمنّيتها ورجوتها لأنها في يقيني، كانت خلخلة الكلاكل الرازحة على الصدور حتى درجة خنق الأنفاس، والبنى المتراصّة في العروق حتى التكلّس واليباس.
أما المعبد الذي عنه أحكي ، فهو معبد العقائدية، والواحديّة - الوحدانية والوثوقيّة المطلقة، والمذهبية المضطهِدة الضّيقة، ومحدودية الرؤية، وعنجهية التسلّط وامتلاك القوة ، المعبد الذي انتصب شاهقاً في كل مكان من الأرض العربية (بل ومن السماء العربية أيضاً) خلال العقود الأربعة الماضيات. كان معبداً أسهم الإبداع العربي في إنشائه وترسيخه، ولم يرِثْه أو يتلقفه من مصادر أخرى وحسب. وبهذا المعنى لم يكن الإبداع تابعاً أبداً، بل كان رائداً وخلّاقاً ومشاركاً في البلورة والتشكيل. ووصل في فاعليته درجة قصوى من التلاحم مع العقائدي والسياسي. وقد أدى التلاحم بين العقائدي والشعري (أو الفني بشكل عام) دوراً لا شك في أهميته، له ندين ببعضٍ من أفضل ما في الكتابة العربية المعاصرة من إنجازات، وله يدين بعض أبرز مبدعينا بشهرتهم وبالمكانة التي احتلّوها في مساحات وعينا وحياتنا الثقافية. ولقد كان ذلك كله، دونما ريبة، فضلاً وإنجازاً يستحقان التنويه والعرفان.

3

غير أن الأزمنة لم تعد الأزمنة، والمكان لم يعد المكان، فلقد تغيّر العالم. ومع كل هذا التغير صار طبيعياً أن ذلك الدور الذي لعبه التلاحم بين العقائدي والفني لم يعد ممكناً أو مطلوباً بعد الآن. وهو ليس ممكناً، حتى لو افترضنا أنه ما يزال مطلوباً (وفجأة اسأل: مطلوبٌ من قبل مَن ؟)؛ بل إنه غدا غير ممكن وغير مطلوب منذ أواسط السبعينات. لقد انتهى دور المكوّن الإبداعي الفني في بلورة المشروع النهضوي التحديثي (القومي العلماني الاشتراكي)، وفي إنجازه، منذ أن بدأ سقوط المكوّن السياسي-الاجتماعي لهذا المشروع. ولم يبقَ أمام الإبداعي من أدوار محتملة نظرياً إلا اثنان : الندب والتفجع والرثاء؛ أو النقد الضدّي المناوئ. ولقد لعب الدور الأول بجدارة بلغت في أوجها حد التكرار والإملال الشاملين؛ وإن بعضه لما يزال يلعب هذا الدور بنهم لا يحسد عليه. أما الدور الثاني (الذي لعبته نماذج محدودة متفوقة فقط من النتاج الإبداعي) فإنه لم يعد ذا معنى، لأن المشروع كان قد وصل نقطة الانهيار، والنقد الحقيقي البنّاء لا يجدي إلا في حالة العافية والإمساك بزمام المبادرة، والقدرة على الفعل والتغيير. كذلك لم يكن ثمة غير مجال هامشي للوعي النقدي الضدّي لأن الأنظمة العربية بلغت ذروة القمع والاضطهاد في تعاملها مع كل اختلاف، دع عنك النقد والمناوأة. من جهة ثالثة، لم يعد مجدياً أن يتمادى الفن في موقف النقد المناوئ من مشروع هو جزء أساسي منه وهو في حالة انهيار، لأن الإلحاح على وسم المشروع بالانهيار يصبح بصورة آلية وسماً للفن نفسه بذلك؛ ومن يتوقع أن يكون الفن قادراً على نكران فضل الذات والاعتراف بالانهيار، وفي الجوهر من الفن رؤية نرجسية نبوئية تحرص دائماً على أن تنسب للذات دور الرائي العارف المدرك المخلص المنقذ؟
لكل هذه الأسباب ولغيرها أيضاً، أصبح أبلغ موقف نقدي يمكن للفن أن يتخذه هو أن يسعى جاهداً إلى الثورة على نفسه والتغيير من الداخل، أي تغيير فهم الإبداع لنفسه ووظيفته وعلاقته بالعالم، وشروط تحققه في نمط من الممارسة النقدية الحقيقية للذات وللمشروع الكلي، ثم أن ينصرف الفن بعدها إلى البحث عن وجهات وفضاءات أخرى تقع خارج مجال فاعلية المشروع المنهار في طموح حقيقي لأن ينقذ نفسه من الانهيار.

4

كانت إحدى السمات الأساسية للعقود الأخيرة أن الإبداع خلالها كان يتم ضمن إطار مرجعي يعرف أهميته وحقول طاقاته الدلالية كبار الشعراء الذين صنعوا أسماءهم في هذا الإطار، وكانت الحداثة الفنية تشتق مكوّناتها وسماتها من دورها المتفق على أهميته التغييرية - التحديثية داخل هذا الإطار المرجعي . لكن هو ذا عصر انهيار المرجعية قد حلَّ، ولقد تمَّ حلوله بجلَبَة وهدير شاهقين. وها هو ذا الإبداع يقف فيه أعزل وحيداً. فهل يستطيع أن يتحرك خارج الماء الذي بدا لزمن طويل أنه ماء بقائه وشرط وجوده بالمعنى الدقيق الذي يكون به الماء شرط وجود الحياة للأسماك؟
إن الإبداع العربي ليواجه الآن مرحلة الأسئلة الصعبة التي يحتاج فيها إلى برهنة أهميته وحقِّه في احتلال مكانة مرموقة من سلّم المعارف والنشاطات الإنسانية التي تمارسها الثقافة والمجتمع دونما إطار مرجعي يشتق منه هذه الأهمية، أو يضمن لنفسه بانتمائه إليه تلك المكانة.
وإن الإبداع الآن ليواجه عالماً مغلقاً ومفتوحاً في آن واحد؛ وليس هناك محـور أو محاور مسبقة التشكل يقدر أن يتمحور حولها ويشرع في الدوران حاملاً طاقات دلالية جاهزة، ومستغلاً وجودَ بنى تصورية وشعورية قائمة في العالم الخارجي تمنحه سبيلاً ممهَّداً يمتاح منه، بمجرد أن يكون ، للنفاذ إلى مشاركة المتلقي وتعاطفه. فلقد انهار، بين ما انهار، الإجماعُ الذي كان المصدر الجوهري لفاعلية الكتابة في العقود السابقة. فكيف ينطلق الإبداع الآن؟ وبأيّ الاتجاهات يدفع بمجسّاته المستشعِرة؟ وما الذي يمكن أن يطمح إلى إنجازه؟
إن الأسئلة لتتوالى، وإن كلاً منها ليولّد أسئلة أخرى أكثر صعوبة وأشدّ إلحاحاً.
هل يستطيع الإبداع أن يعمّق فهمنا للعالم والأشياء خارج إطار مشروع سياسي حضاري كلِّي جماعي ؟ هل يستطيع المبدع العربي الآن أن يضيف شيئاً إلى إبداعات الآخرين في العالم، شيئاً لا يسعى إلى أن يبرّر فقره ومحدوديته بالقول إنه يعبّر عن هموم خاصة في إطار ثقافة معينة، وفي وضع تاريخي محدد؟
هل يستطيع الإبداع أن يسهم في فك مغاليق العالم، وإنارة زوايا من الوجود الإنساني لم تسطع عليها أضواء الآخرين؟
هل يقدر الإبداع أن يمنح اللغة حياة متفجرة وذات ديمومة، لا تشتق ميزاتها من مجرد كونها مغايرة للغة الجماعية التقليدية، ولا تكتسب قيمتها من مجرّد مقولة التجديد الذي تمثّله بالقياس إلى لغة مترسّبة مكتملة التشكل في حدود تاريخية معينة، بل تكتسب القيمة من سمات داخلية فيها تجعلها في ذاتها لغة فنية متفوّقة جيّاشة بزخم الشعرية وفيّاضة بها؟
مَا الذي يقدر أن يقوله الإبداع العربي الآن عن العالم- العالم في وجوده الكلي، من حيث هو بيت الإنسان ومقامه في الكون، والعالم الموضعي الذي نعيش فيه اللحظة؟
ما هي مناحي الكشف والإضاءة التي يقدر المبدع أن يرودها ويكتنه أغوارها، مثرياً في فعله هذا فهمنا للإنسان والأشياء والعالم ؟
هل يقدر المبدع أن يخلق علاقات جديدة بالعالم الحقيقي - عالم التجربة الإنسانية والوجود اليومي والمشاعر المشبوبة بالألفة والعادية والالتصاق الحميم بالأشياء، أو بالانفصال الاغترابي الحيّ عنها كتجربة نابضة بالحقيقة؟
وهل يستطيع أن يظهر أن انخراطه في العالم انخراط فعّال غني يحمل في طياته ما يمكن أن يثري انخراط الآخرين في العالم ويجلو أبعاداً خبيئة له؟
وبكلمات بسيطة مباشرة:
هل يمتلك المبدع العربي الآن مخزونا معرفياً، ودرجة من صفاء الرؤية، وحساسية مرهفة، وقدرة على النفاذ والتأمل العميق، ولغة فنية ثريّة، تجعله جميعاً، قادراً على أن يقول شيئاً شيّقاً وذا أهمية حقيقية عن وجوده في العالم، وعن الإنسان والعالم بأبعادهما الفيزيقية والميتافيزيقية؟

5

تتأكد أهمية النقاط الأخيرة حين نلتفت إلى سمة سلبية طاغية على شعر العقود الماضية. فلقد كان معظم هذا الشعر شعراً ذهنياً؛ وكانت تلك إلى حد بعيد نتيجة ملازمة لكونه عقائدياً. من هنا احتشد الشعر بالمقولات والأفكار والمعارك الذهنية، وكان يمكن اختصار الكثير من نماذجه إلى مقولات وقضايا ذهنية أو عقائدية خالصة؛ لكنه قلّ ما كان ينبض بنبض الحياة الحقيقية، أو يجسد حضوراً فاعلاً متشابكاً في العالم اليومي الذي نعيش فيه.
لقد آن أوانُ أن يكسر الشعر أطواقه الثلاثة الكبيرة: الآنية (بالمعنيين الزماني والمكاني)، والعقائدية، والذهنية؛ وأن يخرج إلى الحياة الحقيقية، من جهة، ويغور إلى أعماق الذات الغامضة من جهة أخرى: أي أن يعمّق اتصاله الحميم بالعالم: داخله و خارجه، زمانه ومكانه، بإنسانه، وأشيائه، وبالطبيعة التي فيها يحيا، وأسئلته الكبرى، ومن حيث هو كينونة متصلة اتصال مياه نهر جار بين المنبع والمصب - مع فرق جوهري واحد يوسّع مجال الحركة بالنسبة للشعر، ويجعل فضاءه أكثر رحابة، ويسبغ عليه ذلك البعد الآخر الأكثر احتشاداً بالشعرية - أقصد بعد الغياب : هو أن العالم مجهول المنبع والمصب، مبهم المجرى معقّده؛ والنهر ليس كذلك.
إن انهيار جدران الطوق الذي ضرب حول الشعر، وضربه الشعر حول نفسه، هو أحد أهم الوجوه الإيجابية للانهيار العربي الراهن. ولقد كنت أشرت إلى بدء هذه العملية والملامح المائزة لها قبل سنوات، وأسميتها "الانفكاك الأكبر" للشعري عن العقائدي، وأشرت، متكهّناً، إلى بعض الاحتمالات الثرية التي يولّدها هذا الإنفكاك أمام الإبداع العربي. إن ما تمثّله هذه العملية ليس أقل من انفتاح عوالم جديدة مبهمة ومثيرة أمام الإبداع لكي يمارس الاكتناه والتأمل والكشف والتأويل والتغيير والمغامرة الحقيقية الغورية الدائمة. وإن ذلك كله ليمثل تحدياً عظيماً للإبداع : تراه يكون قادراً على مواجهة التحدي؟ هل هو في مستوى هذه المكانة الجديدة التي وضعه التاريخ على عتبتها؟ أم تراه ينحسر ويجفل ويروح يندب فقدان مصادر مادته الضمنية (التي كادت أن تشكل لاوعياً جمعياً، وأنظمة طقوسية يمارسها المبدعون بالآلية المألوفة التي تمارس بها كل جماعة طقوسها) التي كان يوفّرها له بصورة آلية جاهزة دورانه في إطار مرجعيّ محدّد المعطيات -ومتعددها وغنيّها أيضاً دون شك؟)

6

غير أن الأسئلة الأكثر صعوبة لم تطرح بعد. هي ذي بعضها:
هل بوسع العقل الذي تربّى في أطر الشمولية والوحدانية والعقائدية والعضوية (أو على الأقل وهم العضوية) أن يتحمل آلام الانفراط والتفتت والتشظي التي يأتي بها الانهيار الراهن للمركز؟
وهل يستطيع هذا العقل أن يسلخ عنه الجلد الذي احتواه، ويتخلص من المنظور الآسر الذي صاغ رؤيته للأشياء ولنفسه كل هذه السنين، وأن يدخل العالم حرّاً، نقياً، طازجاً، نابضاً بروح الكون، مرهف الحساسية لكل ما فيه؟
هل يمكن للإبداع الذي تشكل في أطواق الوحدانية والإقصائية أن يجد له مكاناً للعمل والاكتشاف والإثراء في وضع من التعددية التي لا يلغي فيها واحد آخر، ولا يقاس به مشابهة أو اختلافاً، بل يمتلك كل شيء حريته المطلقة في أن يجاور الآخر، وكل منهما يقبل هذه المجاورة دون البحث عن تسويغ لها، أو عن شرعية تشرعن وجودهـا بالقياس إلى ما تسهم به من تأكيد للوحدانية وإثراء للعضوية؟ لقد قلت "في وضع" ولم أقل "في سياق"، مع أن الكلمة تبادرت إلى الرأس أولاً. وهذا بالضبط موضع الفرق و مكمنه. لقد كانت الأشياء والإبداع توجد في سياق يضمها جميعاً ويمنحها فيضاً من الدلالات الكامنة؛ أما الآن فإن السياق تقوّض وانتفى، وأصبح الإبداع "موجوداً في وضع" فقط. إننا في حالة انهيار المفاهيم القائمة على شيئين: أولاً مفهوم العلاقات التي تقوم بها الأشياء، وثانياً مفهوم المركز الذي تتحدد بالإشارة إليه طبيعة هذه العلاقات ومعناها. إن المركز ينفرط؛ ومن انفراطه ينبغي أن تطلع كتابة عربية جديدة تتخلص من أوهام الشمولية والعقائدية والوحدانية وتستطيع ، مع ذلك، أن توجد، وأن يكون وجودها فاعلاً، دالاً، وذا قيمة على مستويات جديدة مختلفة لا يمكن تحديدها بعلاقتها بالمرحلة السابقة، بل ينبغي أن تحدد بعلاقتها بالمرحلة الراهنة. بالمرحلة الراهنة وبالمستقبل، وبما تفتحه من آفاق جديدة. ولا يستساغ أن تقوّم بمدى انسجامها مع الصراط الذي تشكّل وطغى وأصبح سلطة تفرض نفسها - كما يفعل كل حاكم وكل ذي سلطة في الأرض العربية المباركة - باعتبارها الصراط المستقيم الوحيد المشروع، بل الممكن أيضاً، وإنما يجدر أن تقوّم بمحكات جديدة نابعة منها.
ليس التعدد الآن مشروعاً لأنه يثري الوحدانية ويبرز جوانب خصبها: إنه يشتق شرعيته من ذاته ،ولذاته، سواء أضر بالوحدانية أو أسهم في إغنائها. بل إن الحقيقة لأبلغ ذلك: إن التعدد الآن لا يكتسب قيمة من خلال علاقته بالوحدانية. إنه يقع في مناخ اللاعلائقية التي تتجسد في حضوره، وحضور الوحدانية في العالم نفسه الذي هو حاضر فيه، لكن في مكان ما آخر، منفصل ومستقل تماماً عنه.

7

في هذا المناخ لا تعود ثمة إمكانية لظهور النموذج الواحد الطاغي - وهو ما كان في الجوهر من التناقضات الطبعيّة للحداثة. ولا يبرز صوت واحد ينسج الآخرون على منواله، كما حدث بانتظام في مرحلة صعود الحداثة. إن الزمن الراهن ليس زمن الصوت المثال، أو النموذج المهيمن، وهو بهذا المعنى ليس زمن الشاعر الكبير الشامخ ؛ بل هو زمن الكثرة والتنوع والاختلاف، زمن بزوغ مئات الشعراء الأفراد الذين يقفون جميعاً متكافئين تكافؤ أسنان المشط - يضرب كل منها في خط مختلف من الرأس، دون أن يظهر بجلاء أن لأيّ دوراً بالغ التميز عن أدوار الأسنان الأخرى، ودون أن يفرض أحدها مساراً تتبعه فيه بقية الأسنان - مع أن الحصيلة النهائية، أي تسريح الشعر وهيئة تصفيفه، هي نتاج لفعل كل الأسنان الضاربة.
8
ما أعنيه بالمركز، وبانهيار المركز ،متعدّد، وذلك من طبيعة الأمور؛ إذ لم يعد ممكناً حصر أمر في معنى واحد في زمن تكاثر المعاني. المركز الذي عنه أتحدث هو المركز الجغرافي للمشروع النهضوي - الحضاري العربي؛ وهو أيضاً المركز الفكري التصوري الذي تتجمع عنده المقولات الفكرية والتصورات التي صدر عنها المفكّرون العرب وقاسوا الأشياء بعلاقتها بها، وهو أيضاً مركز النص الشعري أو الأدبي. وانهيار المركز يتحقق على هذه الأصعدة جميعاً.
لم يعد للنص الشعري نفسه مركز منه تصدر الخيوط وفيه تنحلّ، بل أصبح النص مجموعة من المراكز، أو الهوامش المتجاورة، تماماً كما لم يعد ثمة مركز حضاري أو سياسي، بل مجموعة من الهوامش - المراكز المتجاورة. وبالطريقة نفسها لم يعد هناك مركز فكري تصوري ، بل مجموعة من الهوامش - المراكز الفكرية التصورية المتجاورة. وتشهد على سلامة هذا التصوّر الأوضاع السياسية الراهنة، بقدر ما تشهد عليها الكتابات الفكرية وأنماط الكتابة الإبداعية المختلفة، وبشكل خاص الشعر الذي يكتب الآن داخل الو... (هل أقول الوطن، كما كانت عادتي دائماً، أم استسلم للنعيب الطالع من كل هذه الشقوق فأقول: لم يعد هناك وطن واحد، فلتكن العبارة داخل) الأقطار العربية وخارجها.
إنه لعصر الانهيارات بحق. لكنه، لذلك أيضاً، يتجه نحو أن يكون عصر الإبداع الحر، والتنوّع والتعدّد، والبحث غير الموجّه أو المقيّد، وإخضاع كل ما في الوجود الإنساني، الطبيعي والاجتماعي، للتساؤل المرتاب الممحّص القاسي.
ولكل ذلك، فإنه عصر - بل (سأقول في صيغة الجمع) عصور التحديات الكثيرة.
.(مع أنها قد لا تكون بالضرورة التحديات الكبيرة)
وإنه إذن لعصور جميلة
فلنغتبط،
ولنأس.

 
(أكسفورد 1/9/1991)
تعليقات