ثلاث قصائد من (يحسبني الدخان نافذة)
منذر مصري
1-الشارع سحّاب بنطال
الحاكم
ليس صحيحًا ما يقوله الشاعر
(س. ب)
في مقاله (تشريد المكان عن
أسمائه):
"الساحة شبح
الحاكم".
الساحة
وكلّ التماثيل الجصّيّة
المدهونة بالنحاس الأحمر
لتبدو وكأنّها صبّت في قالب
من البرونز
التي تقف في مراكز دوائرها
تمامًا
وكأنّها سرّة
تشهد بأنّها
بطن الحاكم
ومعدته هي الأقبية
تخترق سقوفها وجدرانها
المجارير
التي هي أمعاؤه
تلفّ وتدور وتتمدّد وتتقلّص
تمصّ له دم كلّ شيء
وروح كلّ شيء.
/
وليس صحيحًا أيضًا
أنّ الشارع
أزرار سترة الحاكم
كيف لشاعر يتمتّع بمثل هذه
السمعة اللغويّة المستطيرة
أن يشبه الشارع
الذي يتّصف
بالاستطالة
والامتداد
والتواصل
بالأزرار التي لها شكل
النقاط
والدوائر
صغرت أم كبرت؟
الشارع يا شاعري
سحّاب بنطال الحاكم
انتبه إلى دقّة التشبيه
سحّااااب
بنطاااال
الحاااااكم.
/
لأنّه منذ أمد بعيد، ما عاد
يصحّ القول عن أيّ حاكم على وجه الأرض، إنّه فك أزرار بنطاله وأخرج خرطومه العظيم
وبال على الجماهير. أو لماذا المبالغة، وكي لا اتّهم بنشر الأنباء الكاذبة التي من
شأنها إضعاف الشعور القومي، ووهن نفسيّة الأمّة، ها أنذا أعدّل كلامي، وأقول: أخرج
خرطومه المتوسّط الحجم، وبال، فحسب، على رؤوس ثلّة من المواطنين، سمح لهم رجال
الأمن أن يقتربوا من المنصّة ويقفوا على مسافة محدّدة لهم، وذلك ضمن الإعداد
المسرحي المسبق للمشهد، حيث إنّهم بتوقيت واحد، سلّموا اللافتات التي كانوا
يحملونها إلى من كانوا يقفون وراءهم، وأشعلوا قبعاتهم بعد أن رشوا عليها بعض
الكحول الأتيلي من الحوجلات البلاستيكيّة البيضاء الصغيرة التي توفّرت في دكاكين
السمانة القريبة. وقد أظهرت اللقطات التلفزيونيّة كيف راح المواطنون الصالحون يتزاحمون
لوضع رؤوسهم وهي تشتعل، ويخرج منها اللهب الأزرق تحت شلال بول الحاكم، ليس لغاية
إطفائها، كما قد يخيل لبعضنا، بل لتتبارك ببوله، الذي، بأعجوبة، ، لم يتوقّف، ولم
يوهن، وظلّ ينبع بنفس الغزارة، حتّى أطفأ الرؤوس المشتعلة على آخرها. وخرج الخبر،
من دون كثير زخارف، أن الحاكم سكب ما كان يحتويه إبريق الماء الكبير الذي يوضع
عادة على المنصّة، وأطفأ حريقًا شبّ بالصدفة بين الجماهير، والكلّ يعلم أنّه لا
يوجد عود ثقاب يمكن له أن يشتعل بالصدفة
تحت قبّعة الحاكم.
/
وهكذا تراني
لا أجد مانعًا من موافقتك
بأنّ الدولة، برمتها
سماءً وأرضًا وبحرًا
ومن النافل القول
حكومةً وشعبًا
هي قبعته.
وبأنّ الأسماء والألقاب
والمناصب
لا أكثر من فتات خبز يابس
يرمي بها
على حدّ تعبيرك
إلى عصافير الزمن.
/
ولكن عصفور ماذا؟
عصفور من؟
...
عصفوره هو وحده
عصفور الحاكم
هو الزمن..
2-الكلب يعبث بثياب (سعاد حسني) على الشاطئ
(يحيى شاهين) الفنان المشهور، جالس على
حافة السرير يرشف الفم الكرزي ذا الشفتين البالغتي رقّة، لزائرته الطارئة (سعاد
حسني)، دواء السعال، بيده. يا للحنان الذي يخرج من قلب هذا الرجل الكدر، فسواء كان
يرتدي بيجامته المخطّطة أم سترته السوداء، فهو لا ينسى أن يعقد شالًا حريريًّا حول
عنقه:
"الحبّ يا (سلوى) مثل كلّ شيء في العالم، أخذ وعطاء" يقول لها،
وهو يحاول أن يقنعها بالزواج من تلميذه النجيب، الفنان الشاب، (حسن يوسف).
/
يقف (شاهين) عند النافذة وهو يرنو، من خلال دخان سيجارته الذي يتصاعد ببطء
ويحوّم للحظات أمام عينيه، إلى أخيلة وأشباح تظهر وتختفي من أمامه. فتقوم (سعاد)
عن السرير وتسير نحوه بقدميها الحافيتين، الصغيرتين البيضاوين، لتضع رأسها على
حدبة ظهره وتخبره بأنّه هو، ولا أحد سواه، وحده، من تحبّه.
/
(شاهين).. وفي لحظة ضعف ظاهرة، ينزع بإبهام وسبابة يده اليمنى عقب
سيجارته من فمه، ويقذف به أرضًا وكأنّه طلقة، فيصيب أسفل ساق الطاولة، ويخرج يده
اليسرى، من جيب بنطاله، حيث كانت مستقرّةً طوال الوقت، ليستدير نحو (سعاد) بكامل
جسده، ويطبق على فمها ذي الشفتين الرقيقتين، بقبلة محمومة.
/
في فيلم (صلاح أبو سيف)، (شيء من العذاب)، نعم شيء من العذاب، لا العذاب
بكامله، ذلك إنّ أحدًا لا يستطيع الادعاء أنّ ما يجري على الشاشة الفضيّة أمامه،
يمكن له أن يكون كامل العذاب، بالتأكيد. الشخصيات والأحداث كلّها مركّبة ومفتعلة،
أو على أقلّ تقدير، على غير سجيّتهم، ما عدا الكلب. الذي راح يعبث بثياب (سعاد
حسني) المرميّة، دونما اعتبار، على الرمال، فتصيح به غاضبة، وهي تسبح، ضاربة
بيديها وقدميها الماء، باتّجاه الشاطئ: "سيب الهدوم.. سيب الهدوم يا
أخي".
/
بعد أن برّأتها المحكمة من تهمة القتل العمد لزوج أمّها، الذي اقتصر دوره
على تلقيه ضربةً قويّة بالمزهريّة على رأسه، وهو يقوم بمحاولة الاغتصاب المزعومة،
الأمر الذي يعدّ أكثر الأشياء واقعيّة في مخيلة السينما العربيّة، أقصد محاولات
اغتصاب الفتيات بجونلاتهم القصيرة، من قبل رجال كبار السنّ، سكارى، فاقدي القدرة
على التحكم بغرائزهم، ثم في النهاية نجاح الفتيات، بطريقة ما، بضرب هؤلاء الرجال
الأشرار، بأشياء ثقيلة جارحة على رؤوسهم، والفرار من بين براثنهم. إلّا أنّه يتبين
لنا، أنّ مغتصبنا هذا لم يمت، كما ظنّت فتاتنا اللعوب، عندما شاهدت عصير الطماطم
ينفر من جبينه، فنهضت من تحته، وهبطت الدرج لا تلوي على شيء، وراحت تركض في
الشوارع، هائمة على وجهها في ظلام الليل، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا إلى من تلجأ،
حتّى صادفت ذلك البيت المستوحد على الشاطئ. ثم لا أدري، على ساعد من اتّكأت، وهي
تنزل درجات السلم الرخامي العريض لمبنى القصر العدلي في القاهرة؟ ولا من تزوجت؟
أهو الأستاذ، الفنان المستوحد كبيته على الشاطئ، عاشقها النبيل، الذي سلمت له
يومًا، في لحظة قوة، لا تدري من أين نبعت، شفتيها، أم تلميذه، العريس المناسب،
بجميع الاعتبارات؟
...
فخلال ما لا يزيد عن دقيقة واحدة، ذهبت بها لأحضر شيئًا ما أزدرده من
المطبخ، وعدت، لأتفاجأ بكلمة (النهاية)
وقد احتلّت وسط شاشة التلفاز
ثم اختفى كلّ شيء فجأة
فقد تمّ
بما يشبه المعجزة
إيجاد الحل السعيد لكلّ هذه المشكلات المستعصية..
3-أفضّل أن أشعر بقضبان الشبّان بدل بطونهم
بات شبه مؤكد أنّ عدد سنوات العمر يرتبط بصورة معكوسة مع تزايد عدد ثقوب
حزام البنطال، عندما يشدّه المرء حول خصره، إلى أن يصل إلى الثقب الأخير، الأقرب
إلى النهاية. أي إنّ رجلًا بعمر الستّين يزيد محيط خصره عن /120/ سنتيمترًا، أي
بقياس /60/، لا يمكن أن يتوقّع له أن يحيا، بأفضل أفضل الأحوال، أكثر من خمسين
سنة! يؤكّد ذلك أن الرجال أصحاب البطون الكبيرة، بسبب يأسهم، وضعف معنوياتهم،
يستخدمون الحمّالات المطّاطيّة، دليلًا على عدم ثقتهم ببناطيلهم.
/
لمكافحة زيادة الوزن هناك أنظمة كثيرة ينصح بها، أهمها أن يمتنع المرء عن
تناول الدهون، والحلويات، والمعجنات، والنشويات بأنواعها، وأن يكتفي بالحبوب
المسلوقة والخضار والفاكهة الطازجة ما أمكن له. كأن يأكل نوعًا واحدًا من الفاكهة
كلّ يوم.. السبت موز، الأحد فريز، الاثنين تفّاح، الثلاثاء أناناس طازج، نعم
تستطيع أن تأتي بصندوق فريز صغير، أو بأناناسة بحجم رأس القرد، مقابل مبلغ قليل من
المال، قد يصل إلى عشرة دولارات يوميًّا. فإذا ثابرت على هذا النظام لثلاثة أشهر
متواصلة، فإنّك ستخسر من وزنك مقابل ما يقارب /1000/ دولار، ثلاث كيلوغرامات على
الأقلّ. رغم إنّ الخراف والأبقار، وكيف ننسى وحيد القرن والفيلة، أمثلة صريحة على
إمكانيّة الحصول على أكبر وزن متاح بواسطة الاكتفاء بقشور البطيخ واجترار الحشائش،
الخضراء اليانعة منها أم الصفراء والجافة!؟
/
أرجوك اقبلي منّي قرص الجبنة هذا
خذيه وأطعميه لجدك الذي لا يزيدني بالعمر
سوى سنوات قليلة
وإذا سألك: "من أين جئت به؟"
أجيبيه:
"توزّعه مجّانًا إحدى شركات الأجبان المحلّيّة
كدعاية لمنتجها الجديد".
/
أعرف أناسًا يقضون حياتهم لا يفعلون شيئًا سوى أنّهم يحاولون تخسيس
أوزانهم، ابنة خالتي (غالية) منذ سنين عديدة، تستخدم ورق الملفوف بدل الخبز، إلّا
أنّها أصيبت بحالة التهاب معوي، رافقه انتفاخ ظاهر بالمعدة، إذا حاولت بعجه
بسبّابتها، ينتقل كفقاعة هوائيّة، للجهة الأخرى.
/
اتّبعت مرّةً، بناءً على نصيحة أحدهم نظام تخسيس الوزن بالماء. فرحت أشرب
عشرة ليترات مياه طبيعيّة في اليوم. أقول لك: "جرب هذه الوصفة، وستكره الماء
وكلّ ما خلق اللـه من الماء، حيًّا كان أم ميّتًا، وستنصح بدورك أحد رؤساء فروع
الأمن الذين يدعونك لزيارتهم كلّما سمعوا عنك خبرًا مفرحًا، بتعذيب المعتقلين
واجبراهم بواسطته على الاعتراف بجرائمهم، التي ارتكبوها أو لم يرتكبوها".
قلت له: "أجبر أحدهم على شرب برميل من الماء، وسيعترف لك بأيّ
شيء".
/
ملعقة خلّ تفّاح صغيرة كلّ صباح، ثقبت جدار معدة خال أمّي صلاح روشان، وذلك
في مدة لم تتجاوز الأشهر، لكنّها كانت جديرةً بالفعل، في إبقائه نحيلًا حتّى
الموت.
/
تقول صديقتي:
"أحبّ أن أراقص الشبّان النحيلين
لا لشيء
سوى لأنّي أفضّل أن أشعر
بقضبانهم
بدل بطونهم"..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
