رثاء النفس فى الشعر العربى المعاصر / أحمد طه

 رثاء النفس فى الشعر العربى المعاصر

أحمد طه


رثاء النفس فى الشعر العربى المعاصر - أحمد طه - بيت النص


كل واحد يدخل الموت بطريقة تشبهه، بعضهم يفعلون ذلك فى صمت، على أطراف الأصابع، آخرون ماشين القهقرى، آخرون طالبين المسامحة أو الإذن، هناك من يدخل مجادلا أو مطالبا بتفسيرات، وهناك من يفتح طريقه فيه لاكما، سابا، هناك من يعانقه، هناك من يغطى عينيه، هناك من يبكى.(*)
نعم .. لقد دخل كل منهما الموت بطريقة تشبهه، دخله السياب باكيا .. شاكيا .. متحسرا على عدم تشبثه ببعض من أحب، على منازل الطفولة والصبا، التى لم يعرف السعادة إلا فى ربوعها، على بيت جده المهجور، الذى عاشه حجرا حجرا، وعلى شبابيك (أو شناشيل) الأحبة، وأشجار النخيل وسواقى القرية. جيكور التى تحولت إلى أكثر من رمز، إلى أسطورة لا تخص سواه، حتى لتخال أنها لا تنتمى إلى أرضنا، لقد كان السياب يمثل بحق قيم الشعر الرومنسى التى أرساها فى شعرنا الحديث رومانتيكيونا الأوائل، فى النصف الأول من القرن العشرين، والتى تربى عليها فى صباه، واحتلت وجدانه منذ بواكيره الأولى "أنهض فجر كل يوم، حاملا معى كتابا أو ديوانا كأرواح وأشباح للمهندس والنبى لجبران .. فيكون رفيقى فى رحلتى وتأملات، في أفاق الكون الواسعة"(1).
الرومنسية التى طبعت شعر وشخص السياب هى أحد جوانب الرومنسية التى طغت فى تلك الفترة، والتى أطلق عليها الدكتور عبد القادر القط مصطلح "الوجدانية" فى كتابه الشهير(2) عن ذلك التيار الشعرى فى اللغة العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين، تفريقا لها عن نظيرتها الرومنسية الأوروبية التى اتسمت بالتعدد والتعقيد بتزامنها مع متغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، لم تحظ بمثلها الرومنسية العربية التى اعتمدت البعد الوجدانى تاركة ما عداه.
لذا لا يمكننا التعويل على ماركسية شبابه الأول وعروبية الفترة المتوسطة من حياته، وذاتيته وخروجه على الاثنتين معا فى سنواته الأخيرة، فلم تكن كل هذه الانقلابات السياسية والفكرية سوى نتاج لقلقه الروحى، وطبيعته المتفبلة، وحاجته المادية، فقد عاش مرحلة عصيبة من تاريخ بلده العراق، ومن تاريخه الشخصى مرحلة طغى فيها الحس السياسى والانتهازى على كل ما عداه، كما أجهز المرض القاتل على ما تبقى من روحه وجسده، ليموت غريبا وعاجزا فى المستشفى الأميرى بالكويت عام 1964.
وسرعان ما تحول بدر إلى أسطورة وهو ما حدث من قبل مع جبران خليل جبران (1883 – 1931) عقب موته، غذاها ذلك الصراع المرير على زعامة الشعر العربى، بين الأطراف الثلاثة: المصرية، الشامية، العراقية، لقد تحول جبران على يد الشاميين إلى مزيج من النبى والأسطورة بحيث أصبح التعرض له، بعيدا عن هذه الصفات، يعرض أصحابه إلى التهلكة الثقافية والإعلامية والنقدية! وهو ما حدث لمنظرالمهجريين ميخائيل نعيمة (1889 – 1988) عندما كتب كتابه القيم عن جبران، وهو لا يدرى بما صار إليه فى وطنه لبنان، فصنع هذا الكتاب – رغم انحيازه الواضح لجبران – ذلك الحاجز السميك والشائك بين الحركة الثقافية اللبنانية، وبين "ناسك الشخروب" ميخائيل نعيمة، ولعل هذا كان سببا فى عزلته حتى موته.
فعقب موت بدر تم ترسيمه رائدا أول للشعر العربى الحديث، فى كتب ومجلات عدة، سواء فى بلده العراق، أو على الأخص فى المجلات البيروتية التى كانت تناصب المؤسسة المصرية الثقافية العداء، مثل إصدارات ومجلات دار شعر وغيرها، فكان السياب فى حياته وفى موته أداة وضحية لأشخاص وكيانات لم تعبأ أبدا بطاقته الشعرية، وإنما كان همها الأساسى كيفية استخدامه فى حروبها مع خصومها الإيديولوجيين.
وهذا ما جعل السياب يتقلب على التيارات السياسية كافة المهيمنة فى عصره، بداية بالروح الإسلامية المحافظة فى بواكير حياته وحتعى النزعة المثالية الذاتية فى أخرياتها، مرورا بالماركسية والعروبية القومية، كان الساب ضحية نموذجية، وعبرة للحمل الذى يدخل مضمار الذئاب ويحاول مشاركتهم الميدان، كان يباشر هجومه الشعرى والإعلامى العنيف على "معتقده" السابق ومنذ اليوم الأول لتحوله، والذى كان يتم – فى العادة – لأسباب لا تمت للعقائد بصلة وكانت أطروحاته النظرية تثير التساؤلات حول ثقافته وجدارته بالدور الذى يحاول الكل استثماره سيسيا وشعريا.
لقد تقلب السياب على متن وجوانب الشارع السياسى الثقافى ذلك الوقت، واستخدم من الجميع بسهولة تثير العجب ويرضاه التام، بل تحت إلحاحه أحيانا، نتيجة لمفهومه عن الشاعر ومهامه، وهو نفس مفهوم الشاعر الذى كان يستخدمه القادرون فى هجاء خصومهم، كان رأسا بدويا رومنسيا على جسد جاهلى عتيق.
وعلى العكس من أمل دنقل، "كانت المرأة عند السياب ذريعة للحلم، أو خديعة للإحساس بدوام الحياة، وقابليتها للبقاء، لقد كان الحب بالنسبة إليه سبيلا للهروب من اليأس والاندحار"(3). فكان يخيل له فى كل فترة حب جديد أنه موله حقا ولها حقيقيا، ولا تكاد تمر أيام قد تطول إلى أسابيع، حتى يكتشف أنه يحب من جديد"(4). فالحب عند السياب "مركز تتلاقى في الأطراف: الحياة والموت، الغبطة والألم، القبر والنشور"(5). لهذا كانت مراثي السياب لحبيباته – وبخاصة الموتى منهن – كأن الواحدة منهن قد ماتت البارحة، رغم أن حبيبته التى خصها بمراث عديدة وهى وفيقة ابنة ابن عم أبيه كان قد أحبها زمن حياته في جيكور – قريته القريبة من البصرة – ولكنه رثاها في قصائده الأخيرة التى تنتمى لمرحلة ما قبل موته، وقد اقترنت جيكور بقصص حبه المفقوده، لذا فقد كتب نحو خمس عشرة قصيدة يستعيد فيها قريته وحبيباته، ربما لأن هذه القرية كانت "ترمز إلى عهد الطفولة، برمز وجدانى مباشر، الطفولة التى يهرع إليها الرومنسي، كما يهرع إلى الطبيعة هاربا من الواقع"(6).
ومنذ العام 1960 حتى موته فى 1964، وشعر بدر يزخر بهاجس الموت، لهذا سأتناول دواوين: المعبد الغريق 1962، منزل الأقنان 1963، شناشيل ابنة الجلبى 1964، ثم ديوان إقبال الذى صدر بعد وفاته عام 1965.
وعندما مات السياب فى 1964، كان هناك شاعر جنوبى آخر يبرز فى مصر، مستفيدا مثله من تراث الرومنسية العربية، ولكن فى جانب آخر منها، ليس هو جانب على محمود طه الذى أثر أكبر الأثر فى السياب، وإنما من ناحية محمود حسن إسماعيل الذى احتل مكانا مميزًا فى تكوين أمل دنقل ولكن أمل لم يقع فريسة للرومنسية الوجدانية – كما فعل السياب – فقد غلبت على شعره الرومنسية العقلانية أو الموضوعية التى مثلها شعراء هذا الجيل الكبار كصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى.
لكن التاريخ كان يقوم بإعادة إنتاج نفسه فى الستينيات فكما بدأت الرومنسية المصرية كامتداد للكلاسيكية، وليست نقيضا لها، بحيث اختلطت معاييرهما، وتجاور شعراء الاتجاهين فى نفس العصر، بل قد نجد الشاعر الواحد وقد احتوت آثاره على الاتجاهين معا: فى تجاور وسلام، فقد تكرر المسار نفسه، عندما اختنقت أطر الرومنسية بالتحولات العميقة التى غيرت من بلدان الشرق الأوسط المتكملة بالعربية، وبخاصة فى مصر والشام والعراق؛ فقد أصبحت معركة الطليعة المثقفة والمتنورة حربا أهلية، ميادينها وأطرافها، يعيشون معا، فى دول حديثة الاستقلال، يرى مفكروها أن قيم الرومنسية الوجدانية لم تعد تصلح كإطار فكرى لما يتطلعون إليه، وبخاصة مع انتشار التيارات الاشتراكية والقومية التى تبنتها النظم الجديدة بقيادة العسكريين.
كان أمل دنقل أكثر الشعراء تعبيرا عن هذا الفكر الإبداعي الملتبس، فقد تجاور فيه الشاعر الرومنسى وشاعر الواقعية النقدية، وغدا شعره مسرحا فسيحا تتصارع فيه التيارات كافة، يجمعها إطار جمالى صارم وانضباط لغوى وعاطفى فى آن، وكأنه أحد الشعراء الصعاليك الذين يمثلون تاج شعر العرب، فيما قبل الإسلام.
فهو شاعر "مستوحش ..مفرد، فهو حتى فى قصائد النهاية (أو الموت) لا يتذكر سوى الأشياء والصحاب الموتى فقط، لا يذكر الأحبة الذين رافقوه طواغل زمن محنته الصحية، ولا ينهزم نفسيا أمام الموت فلا يقوم بتعرية نفسه ومشاعره، بل يتعامل مع الموت المقترب بكبرياء، فهو يلجأ إلى التجريد عندما يتعلق الأمر بمشاعره الخاصة، وهو لا يتوسل إلى الله (كما فعل السياب)، إنه فارس عربى قديم، محاط بالعدم فى صحرائه، هاجس الموت ملازم له ومهيمن عليه، فالموت عنده ليس عقابا على ذنوب اقترافها، إنه قانون الحياة، لهذا لم يخف العربى أبدا من الموت، ولم يظهر له الخشية والمذلة، لذا لا نرى أثرا للنياحة فى مراثى أمل لنفسه الشعرى، من النياحة التى بدأ بها، حتى شكله ومبناه الحديث، أى المراثى.
من النياحة إلى المرثية
سئل أعرابى: لماذا تعد المراثى من أشرف أشعارهم فال: "لأنا نقول وأكبادنا تحترق"(7).
لم يكن رثاء الميت فى بداياته الشعر العربى قبل الإسلام، كان نياحة ذات بعد دينى، وكلمات بسيطة مسجوعة خالية من الوزن"
وكانت النياحة فى بدايتها تكاد أن تكون مقصورة على النساء من أقرباء الميت، وهذا النوع من النياحة أو التعديد، ما زال موجودا حتى اليوم، وما زالت النساء هن من يقمن به، ويعتقد بعض الباحثين ومؤرخى الشعر العربي: "إن شعر الرثاء هو فى أصله تعويذات للميت حتى يطمئن فى قبره، وفى أثناء ذلك كانوا يمجدون قوى الطبيعة المقدسة التى تكمن فيها الهتهم والتى تبعث فيهم الخوف، ومعنى هذا كله أن موضوعات الشعر الجاهلى تطورت من أدعية وتعويذات وابتهالات للآلهة إلى موضوعات مستقلة"(9).
عندما تطورت النياحة الى نوع شعرى يعتمد آليات الفنون الشعرية الأخرى، استخدم الشعراء أوزان الشعر كافة فى مراثيهم، بينما ظلت النياحة قائمة حتى وقتنا هذا، بل أصبحت مهنة تمتهنها بعض النساء، وبخاصة فى الريف والمناطق الشعبية، بل أصبحت النياحة فنا شعبيا لا مؤلف له، "أما المراثى الشعرية فلها قائلها، الذى يتحمل تبعة النقد، فيجهد نفسه فى الإجادة والإتقان خوفا من النقد"(10).
والثقافة العربية فى عمومها ترى أن من العار ألا يحصل الميت على هذا الوداع الأخير، وأغلبية العرب حتى الآن يمتنعون عن النياحة أو الرثاء إذا مات الميت قتلا حتى يتم الأخذ بثأره.
ومن المألوف أن تكون المراثى لرثاء الآخرين من الأحبة والأصدقاء، غير أن هناك فنا زاد من غنى فن الرثاء وهو رثاء النفس، وهو فن يعود إلى عصر ما قبل الإسلام، وقد وردت فى مؤلفات جامعى أشعار العرب، العديد من هذه القصائد والمقطوعات، وأشهرها – فى عصر ما قبل الإسلام – قصيدة طرفة بن العبد الضادية، ولكن إنكار واختلاف العلماء في صحتها، ومنهم (أبو عمرو بن العلاء – المفضل الضبى الكوفى، الأصمعى البصري، الأعلم الشنتمرى)(11) جعلنا لا نلتفت إليها، ولكننا ثرى أن قصيدة عبد يغوث بن صلاءة تستحق التعرض لها لما تثيره من قضايا تخص مبنى القصيدة نفسها، وأخرى تتعلق بأثرها الواضح على أشهر قصيدة عربية فى رثاء النفس، وهى قصيدة مالك بن الريب، حيث أنشأ قصيدته من وزن وقافية قصيدة عبد يغوث، وهو ما أثار الكثير من علماء الشعر واللغة للمقارنة بين القصيدتين، وبيان أوجه التشابة والاختلاف بينهما وكذلك التشكيك فى رواة القصيدتين وإمكانية الخلط بينهما.
فقصيدة عبد يغوث تبدأ كالآتي (فى معظم المراجع):
ألا لا تلومانى، كفى اللوم مابيا
فما لكما فى اللوم خير ولا ليا
بينما قصيدة مالك تبدأ كالآتي:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة
بجنب الغضى أزجى القلاص النواجيا
ونلاحظ أنهما استهلا القصيدتين بنفس اللفظ "ألا"، وكلاهما كان يوجه الحديث إلى اثنين، ففى حالة عبد يغوث يخاطب أسريه قبل إعدامه، وفى حالة مالك يخاطب رفيقيه فى القفر الذى مات فيه تأثرا بمرض أصابه، وهذا ما يؤكد العلاقة الوثيقة بين القصيدتين، وفى كل الأحوال فهذا ليس موضوع هذا البحث.
فموضوعنا هو ؤثاء الذات فى الشعر الحديث لدى ثلاثة من شعرائنا هم بترتيب موتهم: بدر شاكر السياب الشاعر العراقى (1926 – 1964)، وأمل دنقل الشاعر المصرى (1940 – 1983)، وسنية صالح الشاعرة السورية (1935 – 1985)، ومات السياب بمرض غامض (ذلك الوقت) بعد معاناة قاسية لأكثر من أربع سنوات، ومات أمل دنقل بالسرطان بعد إصابته بحوالى ثلاث سنوات، وماتت سنية صالح بالسرطان أيضا بعد معاناة حزينة وأليمة سواء على المستوى الجسدي أم النفسي ، وذلك بعد سنوات مماثلة لرفيقيها.
وبسبب التطور العلمي فى عصرنا، فقد أصبح بإمكان العديد من الناس المصابين بأمراض قاتلة، معرفة مصيرهم ومعايشة حياتهم وهى تنسل منهم يوما بيوم وهو ما حدث مع شعرائنا، الذين كتبوا شعرا استثنائيا ومميزا، تحت ظل الموت ومعايشة النهاية.
الموت السيابى: "ملاذ وفيقة"(12)
تمحورت مراثى السياب الذاتية حول وفيقة: التى جعل منها أسطورة تلخص مأساته فى مرحلته الأخيرة، مرحلة ما قبل النهاية، فكلما أطبق عليه الموت، اشتد التصاقا بذكرى الطفولة وتجاربه العاطفية المبكرة، وهنا تظهر وفيقة مثاله المنشود، غير أن عودتها متحدة بالكونى والأسطورى، حيث تصبح الولادة الجديدة مشروطة بأنبعاث وفيقة من عالم الموت الذى يؤدى إلى تجديد عمر الشاعر" (13).
" لو صح وعدك يا صديقه
لو صح وعدك، اه لانبعثت وفيقه
من قبرها، ولعاد عمرى فى السنين إلى الوراء"(14).
وهذه القصيدة كتبها فى الآنسة لوك نوران التى كانت تزوره فى مستشفاه ببارس، وكان يوسف الخال هو الذى عرفها ببدر فى بيروت حيث كانت مهتمة بالأدب العربى وتقوم بترجمة بعض ما تصادفه إلى الفرنسية، واهتمت بشعر بدر، وهو ما جعله يحبها بطريقته، أى يحلم بها ويحولها هى الأخرى إلى أسطورة، تفتح له باب أساطيره المغلق، فهى لو زارته فى جيكور كما وعدت، لاتبعثت حبيبته الرمز وفيقة، وعاد عمره إلى مرحلة صباه.
ذلك أن وفيقة الأسطورة هى مرحلة لمكان الطفولة والصبا، ودار جده، وجيكور وبويب نهر أحلامه، بالإضافة إلى أنها "تجمع فى طبيعة حياتها وموتها بين بدر وأمه، فقد ماتت أمها وتركتها يتيمة، كما حدث لبدر، ثم توفيت فى حال وضع وتركت طفلا يتيما، فهى فى شخصها تمثل مشكلة بدر، وهى فى موتها تمثل الأم"(15).
ربما لو لم تمت وفيقة لما اكتمل كيانها الرمزى والأسطورى لدى السياب، فالموت هو المؤثر الأول فى حياة السياب وتكوينه، وصدامه مع الموت بدأ منذ طفولته، فقد ماتت أمه وهو طفل دون السادسة، ومما فاقم المأساة، زواج أبيه وانتقال السياب للعيش مع جدته التى عوضته حنان الأم لفترة غير طويلة، لكن الموت اختطفها هى الأخرى وهو فى مرحلة المراهقة، ثم جاء موت حبيبته وفيقة، ليعقد أواصر علاقة معقدة ومتينة بين السياب والموت، الذى أصبح قاسما مشتركا فى حياته كلها، وبخاصة فى علاقته بالمرأة وفى تصوره للحب وهو – أى الموت – الذى جعل من وفيقة حبيبة أبدية للسياب، وهو الذى جعل من أمه حامية وراعية له، وبؤرة لما تعنى عنده الأرض والوطن وجيكور. وفى بعض الأحيان تختلط الأم والحبيبة فلا ندر عن أيهما يتكلم وينادى.
يُجن دمى إليك، يحن، يعصرنى أسى شار
مضت عشر من السنوات، عشرة أدهر سود.
مضى أزل من السنوات، منذ وقفت فى الباب
أنادى، لا يرد على إلا الريح فى الغاب
(الأم والفلة الضائعة) ديوان المعبد الغريق
ولا نعرف أى قناع تقنع به السياب؟ هل هو الأم أم الحبيبة الضائعة، وبخاصة وأنه فى قصيدة كتبها بعد أقل من شهر من القصيدة السابقة يقول فى قصيدة "مدينة السراب" من نفس الديوان:
وأنت فى القرار من بحارك العميقه
أغوص لا أمسها، تصكتى الصخور،
تقطع العروق فى يدي، أستغيث: "آه وفيقه
يا أقرب الورى إلى أنت يا رفيقه للدود والظلام"
عشر سنين سرتها إليك، يا ضجيعة تنام
................ إلخ
لأن وفيقة لا تستطيع تلبية نداء بدر والعودة إلى الحياة، فهو يلوذ بشباك بيتها، وهو هنا يذكرنا بالمتعلقين بشبابيك المقامات المقدسة التى أقيمت للشخصيات الدينية وبخاصة عند الشيعة، وهو ما رأيته بنفسى فى كربلاء العراق، حيث كان الناس يبكةت على شبابيك الحسينيين وجدران أضرحتهم، ولعل هذا ما جعل جبرا ابراهيم جبرا يرجع التفجع الذى يغلف شعر السياب إلى كونه بعضا من فيض البكاء الشعرى على الحسين، هذا الذى لا نجد له مثيلا فى الدفق والغنى خارج العراق"(16).
ولأننا ندرك مدى ولع السياب بحشو قصائده بالأساطير والرموز لذا يمكننا افتراض أن وفيقة أحد هذه الرموز، ولكن السياب جعل منها أسطورة متكاملة الأركان، بل حقيقة لا يمكننا قراءة شعره وحياته بمعزل عنها، وهذا لا يتيسر إلا للشعراء الكبار.
السياب نائحا
تعبت من توقر الهجير
.........................
تعبت من صراعى الكبير
........................
تعبت من ربيعى الأخير
تعبت من تصنع الحياه
تعبت كالطفل إذا أتعبه بكاه
.....................
منطرحا أصبح، أنهش الحجار:
"أريد أن أموت يا إله"(17).
هكذا تمضى القصائد "الأيوبية" التى كتبها السياب نائحا على نفسه، متألما من قسوة مرضه، مستعطفا الله تارة، ومتمردا عليه أخرى، وهى قصائد أقرب للنياحة التى بدأت بها المراثى العربية، قبل تطورها إلى النوع الشعرى الذى نعرفه الآن أى المراثى، فالمرثية العربية – حتى فى حالة تطورها – احتفظت بالعديد من مظاهر الشكل والمضمون للأصل الذى نشأت عنه، وهو الصراخ المسجوع، والتكرار الحرفى لشىء واحد، واستخدام عبارات متماثلة فى أبيات متتالية"(18)، فقد قال مهلهل بن ربيعة يرثى أخاه كليبا:
على أن ليس عدلا من كليب
إذا طرد اليتيم من الجذور
على أن ليس عدلا من كليب
إذا ما ضيم جيران المجير
............... إلى آخره
وقد كرر المهلهل الجملة الأولى لعشر مرات، مثلما كرر السياب عبارة (تعبت من) خمس مرات فى قصيدته وهذا التكرار نراه كثيرا فى المراثى العربية قبل الإسلام وبعده، كما أنه مازال موجودا لدى النائحات فى معظم القرى والبلدات المصرية والعربية.
هذا التكرار اللفظى نراه أيضا فى المرثية الشهيرة لمالك بن الريب وفى رثاء طرفة بن العبد لنفسه وكذا فى رثاء العديد من الشعراء لأحبائهم أو أبطالهم القتلى فى المعارك، ووظيفة هذا التكرار لألفاظ بعينها هى التأثير العاطفى على السامعين، فقصائد الرثاء كانت تقال أمام الميت المسجى، أو أمام قبره بين جمهور من السامعين سواء من أهل الميت أو تابعيه، كما أن هذا التكرار يعنى التأكيد على حرقة قلب الراثي وحزنه، وتزداد اللوعة إذا كان الراثى يرثى نفسه، ذلك أن الموت والألم النفسى والعاطفى الذى يخلفه، يعنى موت الآخرين عداى، ويعنى الحزن على فقدانهم، غير أن موت الذات هو الأفدح عادة، وبخاصة إذا كان المحتضر سيفارق أحباء كالزوج والأولاد والأصدقاء والأحبة، وتلك حالة السياب.
بعيدا عنك، فى جيكور، عن بيتى وأطفالى
................................
أأصرخ فى شوارع لندن الصماء: "هاتوا لى أحبائى"؟
ولو أنى صرخت فمن يجيب صراخ منتحر
تمر عليه طول الليل آلاف من القطر؟
أو:
أطفال أيوب من يرعاهم الآنا؟
ضاعوا ضياع اليتامى فى دجى شات
يارب أرجع على أيوب ما كانا:
جيكور والشمس والأطفال راكضة بين النخيلات
وزوجة تتمرى وهى تبتسم
أو تراقب الباب، تعدو كلما قرعا:
لعله رجعا
مشاءة دون عكاز به القدم!
(منزل الأقنان – سفر أيوب)
أو:
أسمعه يبكى، ينادينى
فى ليلى المستوحد القارس،
يدعو: "أبى كيف تخلينى
وحدى بلا حارس؟".
(منزل الأقنان – أسمعه يبكى)
وليس هؤلاء فقط الذين يبكيهم السياب ويفتقدهم فى غربته، أو كلما اقترب من النهاية، فهناك أيضا جيكور ونهر بويب والعراق "فعراقية بدر قد لا يدرك عمقها إلا العراقيون: أينما حل، وأينما نفى نفسه، كانت بغداد فى خاطره، ورموز الجدب والخصب، رموز "بابل" من ناحية، ورموز قريته الحبيبة جيكور من ناحية أخرى"(19).
"أين العراق؟ وأين شمس ضحاه تحملها سفينه فى ماء دجلة أو بويب؟ وأين اصداء الغناء
...............
إن مت يا وطنى فقبر فى مقابرك الكئيبه
أقصى مناى. وإن سلمت فإن كوخا فى الحقول
هو ما أريد من الحياة.
...............
أبناء شعبى فى قراه وفى مدائنه الحبيبه ......
لا تكفروا نعم العراق ...
خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء،
الشمس، نور الله، تغمرها بصيف أو شتاء،
لا تبتغوا عنها سواها.
هى جنة فحذار من أفعى تدب على ثراها
أنا ميت، لا يكذب الموتى. واكفر بالمعانى
إن كان غير القلب منبعها
فيا ألق النهار
أغمر بعسجدك العراق، فإن من طين العراق
جسدي ومن ماء العراق (20).
ونواح السياب على نفسه يبلغ أقصاه فى شهوره الأخيرة بالمستشفي الأميرى فى الكويت، لقد ناشد الإله كثيرا أني من عليه بالشفاء، فى أيوبياته، وفى العديد من قصائد دواوينه الأربعة الأخيرة، ولكنه بعد يأسه الكامل من الشفاء ويقينه من اقتراب النهاية، يصرخ متمردا على الإله الذى طالما استعطفه وتمرغ أمام ساحته:
أليس يكفى أيها الإله
أن الغناء غاية الحياه
تحيلنى، بلا ردى، حطام:
سفينة "كسيرة" تطفو على المياه؟
هات الردى، أريد أن أنام
بين قبور أهلى المبعثره
وراء ليل المقبره
رصاصة الرحمة يا إله!(21)
إنه يخاطب الله ساخطا "أيها الإله" أو " يا إله"، بينما فى بداية مرضه عندما كان يأمل فى الشفاء كان يستجديه قائلا: (منطرحا أمام بابك الكبير)، أو (لك الحمد مهما استطال البلاء)، أو (يارب أيوب قد أعيا به الداء).
هذا النواح الملتاع، لا نجده عند نظيره الجنوبى المصرى أمل دنقل، وهذا ما سوف نراه عند قراءة قصائد النهاية عنده.
محنة الجسد الذكورى
لعل أكثر ما أثار ألم السياب فى مرض الموت هو فقدان القدرة الجنسية والاستعاضة عنها بأحلام جنسية شبقة وشهوانية، وتلك من آليات الدفاع الذاتى عن العجز فى جانب يراه صاحبه عظيم الأهمية مثل السياب، الذى كان يولى هذا الأمر أهمية قصوى "فكانت قضية الجنس تشغله أولا وقبل كل شىء" كما قال أحد زملائه فى الكلية(22)، وكما حفلت مراثيه الأخيرة بأحلام جنسية لم أرها فى مراثى النفس المتعددة سواء فى عصر ما قبل الإسلام أو بعده، بل قل أن نجدها فى شعرنا الحديث، حتى لدى الشعراء الذين كتبوا كثير عن المرأة وعالمها كـ نزار قبانى.
ففى غمرة مرضه القاتل وقبل نقله إلى المستشفى الكويتى، حيث قضى نحبه، نراه يكتب قصيدة فى مغنية عراقية لم يرها ولكن صوتها كان يلهب فيه الرغبة الجنسية يقول فى هذه القصيدة التى أرخت فى سبتمبر 1963:
أشم عبيرك الليلى فى نبراتك الكسلى
ينادينى ويدعونى
إلى نهدين يرتعشان تحت يدى وقد حلا
عرى الأزرار من ذاك القميص، ويملأ الليلا
مشاعل فى زوارق، فى عرائش، فى بساتين.
.....................................
وجارتنا الصبية فى حرير النوم تنسرب،
يشف الثوب عن نهدين طوديين كم رجفا
من الأحلام تحت يد تعصر بردها لهب
لها من فورة العذراء عطر يرتخى، يثب،
يمازج نفح ما نفح الحشيش، يسيل مرتجفا (23).
(فصيدة سلوى)
وعندما سافر إلى لندن للعلاج ولم يحرز نجاحا، وتقرر له العودة إلى العراق، كتب تلك القصيدة فى زوجته التى كان يشتهيها، رغم إشارته المتعددة إلى برودة العلاقة بينهما لعدم اتفاقهما على مفهوم " الحب"!
وغدا سألقاها،
سأشدها شدا فتهمس بى
"رحماك" ثم تقول عيناها:
"مزق نهودى، ضم – أواها –
ردفى ... واطو برعشة اللهب
ظهرى ................ إلخ
(قصيدة "وغدا سألقاها" ديوان شناشيل ابنة الجلبي)
ومع تدهور حالته الصحية وعدم قدرته على المشى والحركة، وعجزه الجنسى، المتزايد، أصبحت الحياة مستحيلة بالنسبة له واصبح الحب سرابا ووهما، مما جعله يلجأ إلى النموذج الأكمل بالنسبة إليه وهو وفيقة التى كانت تمثل أنثاه، الميتة فى الواقع، والماثلة أمامه كل لحظة حتى مماته. إنها محور أحلامه فى الحبيبة النموذج وهى رفم موتها تمثل أيضا النموذج الجنسي، كما أصبح عند بدر، وقد عد نفسه فى عداد الموتى:
بين نهديك ارتعاش يا وفيقه
فيه برد الموت باك
واشرأبت شفتاك
تهمسان العطر فى ليل الحديقه
(حدائق وفيقة – المعبد الغريق)
قصائد النهاية عند سنية صالح
"الموت ذكر غليظ القلب"
"ولدت لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد".
هكذا تستهل سنية صالح مذكراتها، وهكذا كان الموت بداية وليس فقط نهاية لحياتها، لذلك فالموت بؤرة أساسية فى شعرها كله وليس فقط فيما كتبته تحت ظل الموت فى ديوانها الأخير الذى صدر بعد وفاتها بثلاثة أعوام (1988)، وكانت حياتها تراجيديا متتابعة لا راحة بين فصولها، غير أن أقسى فصول هذه التراجيديا، الذى التهم النصف الثاني من حياتها، هو وقوعها فى حب الشاعر محمد الماغوط وارتباطها به، فتعذبت – على المستوي الشخصي – ببداوته وقسوته وأنانيته وشهرته أيضا، وعلى المستوى الشعرى لم تستطع الإفلات من الغياب خلف الضوضاء والجلبة التى كان يصطنعها، حيث كان أكثر شعراء قصيدة النثر جماهيرية، بينما هي صاحبة الصوت الخافت الداخلى المغرق فى ذاتيته "ترى لو خرجت سنية صالح من عزلتها، ومن كونها ضحية محمد الماغوط، أما كانت الآن من أشهر الشاعرات، أما كانت خرجت أيضا من حصارها الذاتى ومن النزعة الشخصية التى شغلت الكثير من قصائدها؟"(24).
ولقد أتاحت لى الصدفة أن أتعرف عام 1997 على أحد السوريين فى ولاية "أوهايو" بالولايات المتحدة، وكان قبل هجرته يحتل وظيفة قيادية فى الإذاعة السورية، كما كان على علاقة بمحمد الماغوط وسنية صالح، وقد حكى لى كما هائلا ومفجعا عن تعامل الماغوط مع سنية صالح، ووحشيته التى كانت تصل إلى حد الاعتداء البدنى عليها، وقد حاولت التأكد من روايته فأخذت منه رقم تليفونإحدى بنتيها واتصلت بها قائلا لها إننى بصدد كتابة دراسة عن شعر سنية صالح، وأريد بعض المعلومات الشخصية المتعلقة بشعرها وحياتها، ولكنها أمهلتنى بضعة أيام، ربما لتستشير زوجها المهندس، ولكنى لم أعاود الاتصال مجددا لإحساسى بأن هذه المهلة تعنى صعوبة الحصول على ما أريد فقررت الاكتفاء بما لدى من مصادر قليلة لإتمام تلك الدراسة التى لم تتم وقتها بسبب مغادرتى الولايات المتحدة، وعودتى إلى القاهرة حيث انشغلت بترتيب حياتى الجديدة.
وسواء صحت الروايات عن علاقة الماغوط بسنية صالح أم لا فهذا جانب يمكننا إهماله، والاعتماد على نصوصها وبعض المقالات القليلة عن هذه النصوص.
فسنية صالح فى اعتقادي غبنت غبنا فادحا كشاعرة، أراها الأبرز في جيلها على مستوى البلدان المتكلمة بالعربية، فهى صوت متفرد لا ينتمى لأى من الاتجاهات التى كونت الظاهرة الشعرية فى الستينيات سواء فى منطقة الشام أم فى غيرها من المناطق التى تكتب بالعربية، فهى شاعرة الموت والظلام الباحثة عن الحب والحرية، وهى منذ ديوانها الأول تشير إلى حياتها القصيرة دون أن تصرح بذلك فى حديث أو رسالة بل عبر وحدة وجودية تعلنها ببراءة طفلة وبحزن عجوز:
نعيش فصل الحب كالحشائش
.......................
اطونى كما تطوى أوراق الشعر
كما تطوى الفراشات ذكرياتها
............................
فالزمان ضيق، وأضيق منه
جسد المحبين
...........................
لككنى أرسو بجناح النسيان
خشبة لا تحمل عروقا، تلتهب،
ثم أرجعك إلى صيحتى
وأتعفن فى انتظارك ..."
(ديوان الزمان الضيق – فصل الحب)
إنها ذات عمر قيصير كالحشائش، وهشة مثلها، وموسم الحب لديها قصير، وذكرياتها مثل ذكريات الفراشات التى لا يتعدى عمرها أياما معدودة، فأى ذكريات يمكن لفراشة أن تحمل، ثم هى تنادى عاشقها "ثم أرجعك إلى صيحتى وأتعفن فى انتظارك"
"هل من يعتقد أنه قرأ أجمل من هذين السطرين الشعريين وأقوى منهما وأعنف وأرق وأعذب؟ أتعفن فى انتظارك" كأن العاشقة – الضحية تصبح هنا أشبه بالولية أو المتصوفة أو القديسة التى يتعفن جسدها فداء لحبيب ما برحت تنتظره منذ زمن طويل وهو لم يأت"(25).
وإشارات الموت تفترش دواوينها الأربعة، ولكنها تزداد كلما اتجهنا إلى ديوان النهاية ذكر الورد الذى تسيطر عليه تمام رؤيا الموت.
أنا المسافرة الأبدية
طول حياتى أغذ السير
وما تجاوزت حدود قبرى
أو:
أنا حيوان صغير، كاسر
لا يروضه إلا الحب أو الموت،
فامنحنى رائحتك أيها التراب الجميل
لعل ربيعا ما يعثر بفلبى
أو:
حواسى طيور تنشد حريتها وجسدى ملك لقبورى
ثمة قبور كثيرة تنتظر جسدي
والفضاء نفسه قبر للورود وللفراشات
أو:
يا موت،
يا من تنتظرنى على الأبواب حاملا سيفك القاطع،
اتبعنى ..... اتبعنى .....
أنا الضحية التى تقتفى أثرك.
(مقاطع من ديوان حبر الإعدام)
إنها دائمة الترحال ولكنها لا تعبر حدود قبرها، أو حياتها التى تعد هى والقبر سواء، وهى تطمح إلى الاتحاد بالأرض لعل موتها يحمل لها حياة ثانية، بل إنها تعيد تكرار هذه الرؤيا، رؤيا البعث في ديوان الموت الأخير ذكر الورد قائلة:
أى نهر هذا الذى يقولون إنه
يعيد الصبا؟
فلن أرتوى حتى تعود إلى طفولتى
أريد الحياة مرتين
فالعودة إلى ذكرى الطفولة والنبش فى الذاكرة عن تفاصيلها مرتبطة أشد الارتباط بنهاية الحياة أو الإحساس بالنهاية، بل إن ارتباط الطفولة / البداية بالموت / النهاية نجده عند شعرائنا الثلاثة بدر وأمل وسنية صالح، وإن كان اتخذ عند بدر مساحة أوسع بكثير من رفيقيه.
فى المقطوعة الرابعة من هذه النماذج نجدها تنادي الموت، بل هي التى تطارده وتقتفى أثره، رغم أنها الضحية التى يبحث عنها حاملا سيفه ليجتز حياتها.
وبداية من ديوانها قصائد الذى صدر فى 1980 نستطيع أن نرصد وجود طفلتيها "شام" و"سلافة" بداية من الإهداء، حيث تهدى الديوان إلى أختها خالدة، وابنتيها باعتبارهن ثلاثة نجوم تضىء لها العالم، وتبدأ ديوانها بقصيدة عنوانها:
"شام، أطلقى سراح الليل" التى تنهيها بهذه السطور الدالة:
هكذا هى الحياة،
نار فى القلب
نار فى القلب
نار فى القلب
وهذا الديوان ربما يشير إلى بداية مرض الشاعرة لغلبة التشاؤم على قصائده، ففى قصيدة "ورقة خريف" تقول:
لا تأخذينى أيتها الريح
ابعدى أذرعك القاسية عنى،
ما أنا إلا ورقة صفراء هشة.
سقطت البارحة عن هذه الشجرة.
وها أنا أدور حولها وادور،
أستظل بها،
وأحلم بالرجوع إليها
إنها ترسم ذاتها كورقة خريف سقطت من شجرة الطفولة وتريد العودة إليها لعلها تحظى بحياة ثانية، إنها تيمة متكررة لدى أغلب الشعراء وهم يتمثلون نهايات حيواتهم شعرا، وهذا ما مر علينا فى قراءتنا للسياب، وفى هذا يقول جاستون باشلار:
"فى تأملاتنا نحو الطفولة، فى القصائد التى نود جميعا كتابتها لكى نحيى تأملاتنا الأولى، لكى نستعيد معالم السعادة، تظهر الطفولة في أسلوب سيكولوجيا الأعماق نفسه، وكأنها أنموذج مثالى حقيقي، أنموذج السعادة البسيطة الحقيقي، بلا ريب إنها صورة فينا، مركز صور تجذب الصور الحسنة، وتنفر أو تبعد التجارب التعيسة .. ولكن هذه الصور فى مبدئها، ليست تماما صورتنا، إن لها جذورا أعمق من ذكرياتنا، ومشهد طفولتنا على طفولة الإنسان على طفولة الكائن الذى لامسه مجد الحياة"(26).
ولكن فى ديوان سنية صالح الأخير لا تعود سنية صالح إلى سنوات طفولتها هى، وإنما تتمحور قصائدها فى أطفالها أى بنتيها شام وسلافة وهما تمثلان طفولتها وطفولتهما فى تلازم واتحاد:
يا ابنتى
كنت وحيدة فتجزأت
وبقيت أتجزأ
حتى خلقت شعبا أنت أسطورته.
(ذكر الورد – تخرجين من أسوار الجسد)
أو:
أغرقى رأسك فى
اخترقينى
حتى تكاد عظامنا تغيب داخل بعضها البعض
ولنكن متجاورتين
متشابكتين كثنائية القلب
المسينى كما يلمس الإله الطين
وانتفض بشرا
(ذكر الورد – مليون امرأة هى أمك)
وهى تهدى قصائدها إلى ابنتيها، ولكنها تخاطبهما، داخل النص كواحدة، فقد أصبحتا كيانا واحدا هو طفولتهن جميعا الأم والبنتان:
"يا وطن شام
وربوع سلافة
جميع خيول الشوق أطلقتها
صوبك
ولاتزال مجنونة فى دمى
أنتما اثنتان
أنتما واحدة
أنتما اللانهاية.
(ذكر الورد – على زغب المياه)
وفى ظل بكائياتها على فراق أطفالها، فإنها تبث مرارتها من رفيقها الذى تدعوه فى هذه القصائد بـ "أيها السيد" فهى لا تسميه أبدا:
"إنك من الزرنيخ يا سيدى،
أفتح فمى كل صباح وأبتلع جزءا منك
ولم تنته
قلت سيأتى يوم أتوحش فيه
وأفترسك
ثم أستريح"
(ذكر الورد – الطوفان)
إن تدمير جسد الذكر / الزوج أو الرفيق حلم لكل النساء اللواتى يتزوجن شخصا فظا وغليظ القلب، وعندما تكون المرأة كاتبة أو شاعرة، فإن هذا الحلم يتخذ شكلا أدبيا فى الغالب، وسنية صالح تحلم بافتراس زوجها القاسى كى تستريح وتشعر بأنها نجحت فى تصفية حسابها مع العالم الإرهابي الذى عاشته، ولكنها تعجز عن تحقيق حلمها، لأن رفيقها "امتطى جواده وطار إلى الصحراء" كما تقول فى نصها:
أيها السيد
جئت أبحث مع حراسك وكلاب حدائقك
قضية الجوع الذى أسكن
والذل الذى ألبس
والقامة التى فارقتنى
وأشكو لبلاب الحلم الذى لا يثمر
وذكر الورد الذى أهان أنثاه
والهاوية التى يتربس بى جنودها
.......................
أبتكر عقابك يا سيدى
فأنا سيف الخطأ
ورمح فى قلب الحقيقة،
آه لو استطعت قول ما أريد
نصل العذاب جذرى الوحيد
وكل ما عداه يسقط
إن حكه الظفر.
(ذكر الورد – أفكار صامتة)
إنها تحلم بعقابه وإذاقته العذاب الذى سقاها إياه، ولكنه يملك الحراس والكلاب، لذا فإن حلمها بالقصاص يظل أفكارا صامتة. فهى حتى لا تستطيع قول ما تريد بل حتى لا تستطيع أن تبصق بعد أن "جفت ينابيع لعابها".
لكن هذا السيد لا يمثل محورا فى وحدتها ومرضها، فهى تحارب الموت دفاعا عن أطفالها فهى لم تذكر – مثلما فعل السياب – خوفها من ظلمة القبر والدود والتراب، إنها فقط تخاف على أطفالها من هذا العالم الإرهابي الذى دمرها:
أيتها اللؤلؤة،
نمت فى جوفى عصورا،
استمعت إلى ضجيج الأحشاء
وهدير الدماء،
حجتك طويلا.. طويلا
ريثما ينهى المحاربون العظماء حروبهم،
والجلادون جلد ضحاياهم
ريثما يأتى عصر من نور
فيخرج واحدنا من جوف الآخر.
(قصائد – شام أطلقى سراح الليل)
كما نرى لا تعتمد سنية صالح المراجع الثقافية كالأسطورة والأحداث الكبرى فى التاريخ، أنها تعتمد شعرية الحلم والغوص فى الذات وتجريد المحسوسات، لذا يصعب قراءة عالمها من خارجه، والا بدأ مشوشا، فوضويا، ساذجا، لكى نقرأ سنية صالح يجب أن نتعايش مع نصوصها، ونحاول الغوص فى أحاسيسها العميقة، فهى طفلة ترتدى قناع إحدى حكيمات العصور الغابرة اللواتى عشن عذابات النساء، ومآسى الدمار الجسدى والروحى ولذن بالخرافات والحكايات التى لا يعرفها سواهن.
فى مرحلة الاحتضار يتحول المشهد كليا، تصبح الصغيرات حاميات للأم بعد أن أوهنتها الجراح، ولكنها تقاوم الفناء بضراوة وترفض الاستسلام للموت:
ينصحوننى بقبوله
ذلك الموت
يغروننى بالاستسلام له
لكن،
تأخذ الريح شلوا من جسدى
أجرى خلفها وأعيده
وعندما تأخذ آخر وتلهو به
أهجم ثانية وأعيده
هكذا دارت الحروب على
مداخل الجسد
(ذكر الورد – المحاكمة)
ولكن النهاية حتمية ولم يعد أمامها إلا الاحتماء بأطفالها:
وسوف يترنح رأسى تحت عصى الكلام
وليس فى يدى سوى ورود ابنتى
أهشهم بها
أرى أسنانا حادة، ليست رماح الحروب أمضى
ومخالب تلتقطنى من الأعماق
وليس غيرك ما يحمينى أيتها الورود
(ذكر الورد – عصى الكلام)
وعندما تعجز عن الكلام ومدافعة الموت، فهى تهشه بورود ابنتيها ولكن النهاية تأتى فتصرخ مستنجدة:
خذينى يا صغيرتى
تأبطينى كحلم ذراعك
فلن أقوى على الفراق
(ذكر الورد – على زغب المياه)
تعليقات