من الله والشك إلى الترجمة والملل
الشعر على تخوم الفقد والذات
حوار الإعلامية إليانور واختل* مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون
لقد ظللتُ معجبةً بالشاعرة والكاتبة المقالية الكندية آن كارسون، العالمة المتخصصة في اليونانية واللاتينية، وكاتبة النصوص الغنائية للأوبرات، منذ زمن طويل. أظن أنني سمعتُ عنها للمرة الأولى حين كانت أستاذةً للدراسات الكلاسيكية في جامعة مكغيل، وتكتب أعمالًا مدهشة، بدءًا من دراستها الأكاديمية الغريبة الأطوار إيروس، حلوٌ مرّ (Eros the Bittersweet)، التي تمزج فيها الفلسفة الكلاسيكية بذكاء لامع يتسم بخفة الظل والمفارقة الساخرة.
ثم أصدرت كتابين لافتين يجمعان بين الشعر والمقالات. وقد احتفى بها هارولد بلوم وسوزان سونتاغ وآني ديلارد، بوصفها صوتًا أصيلًا ومتفردًا. وحصلت على زمالة غوغنهايم وزمالة مؤسسة لانان، فضلًا عن جائزة ماك آرثر المعروفة بجائزة «العبقرية». وبكتابها الصادر عام 2001، جمال الزوج: مقالة تخييلية في تسع وعشرين رقصة تانغو (The Beauty of the Husband: A Fictional Essay in 29 Tangos)، أصبحت أول امرأة تفوز بجائزة تي. إس. إليوت للشعر في إنجلترا. كما نالت عن الكتاب نفسه جائزة غريفين الكندية.
وفي أثناء ذلك، حققت نجاحًا جماهيريًا تجاوز حدود الأوساط الأدبية بكتاب آخر غير مألوف، هو السيرة الذاتية للأحمر (Autobiography of Red)، الذي يحمل العنوان الفرعي «رواية شعرية». يمزج الكتاب قصة حب مثلية مع الأسطورة اليونانية، وتدور أحداثه في بلدة صغيرة في أونتاريو وفي بيرو. هل ترون ما أعنيه؟
أما أحدث أعمال آن كارسون، فهو كتاب آخر مفاجئ ومثير للشجن، عنوانه نوكس (Nox)، أي «الليل». إنه مرثية لأخيها، أو «نقش على قبر»، بحسب تعبيرها؛ وهو دفتر يضم ذكريات وشذرات من صور فوتوغرافية ورسائل ولوحات، وتأمل مؤثر في الغياب. وتكتب في المدخل الأول منه:
«أردتُ أن أملأ مرثيتي بكل أنواع الضوء. لكن الموت يجعلنا شحيحين. نظن أنه لم يعد هناك شيء يمكن إنفاقه على ذلك. لقد مات. لا يستطيع الحب أن يغيّر هذه الحقيقة. ولا تستطيع الكلمات أن تضيف إليها شيئًا. ومهما حاولتُ أن أستحضر ذلك الفتى المتألق الذي كانه، فإن ما يبقى ليس سوى تاريخ عادي غريب».
أُتيحت لي فرصة الحديث معها في يونيو/حزيران 2011، في مركز بانف، حيث كانت تشارك في برنامج الإقامة الخاص بالمترجمين الأدبيين الدوليين.
واختل: يستحضر كثير من أعمالك العصر الكلاسيكي القديم، ويشير إلى الأساطير اليونانية، ويضم ترجمات عن اليونانية أو اللاتينية، ومقالات عن الفكر القديم. ما الذي جذبك إلى ذلك العالم أول مرة؟
كارسون: أظن أن الأمر بدأ في أحد مراكز التسوق في مدينة هاميلتون، بأونتاريو، نحو عام 1965. كنت أتجول في مكتبة لبيع الكتب، ولسبب ما وجدت لديهم طبعة ثنائية اللغة من شعر صافو، أعدّها المترجم والمحرر ويليس بارنستون؛ كانت اليونانية في الصفحة اليسرى والإنجليزية في الصفحة اليمنى. بدا لي الأمر فاتنًا إلى حد جعلني أقول لنفسي إن عليّ أن أتعلم هذه اللغة.
وفي العام التالي انتقلنا إلى بورت هوب، والتحقت بمدرسة ثانوية كانت معلمة اللاتينية فيها تعرف اليونانية أيضًا. وحين اكتشفت اهتمامي، عرضت أن تعلّمني خلال ساعة الغداء. لذلك فأنا أدين بمسيرتي المهنية وسعادتي إلى أليس كوان، معلمة المدرسة الثانوية في بورت هوب.
واختل: وما الذي جذبك تحديدًا؟ هل كان مظهر اللغة الغريب عنك، أم جاذبيتها؟
كارسون: كان الأمر متعلقًا جزئيًا بشكل اللغة وجمالياتها، لكنني في ذلك الوقت كنت أتخيل نفسي أوسكار وايلد وقد وُلد من جديد. وكان عالم الحياة الفكرية في زمن أوسكار وايلد، الذي احتلّت فيه اللاتينية واليونانية مكانة كبيرة، أشبه بأسطورة بالنسبة إليّ. فقلت لنفسي: إذا تعلمت اليونانية، فسأصبح أشبه بأوسكار وايلد أكثر. بدا ذلك الخطوة التالية الطبيعية.
واختل: أوسكار وايلد وقد وُلد من جديد!
كارسون: كانت لديّ أزياء تنكرية لأوسكار وايلد، وكنت أرتديها من حين إلى آخر في المناسبات الخاصة. كنت أراه أكثر الرجال إثارة للاهتمام.
واختل: هل كنت تطلقين النكات البارعة والعبارات الذكية اللماحة؟
كارسون: كما سنكتشف في سياق هذه المقابلة، لا، فأنا لست سريعة البديهة، لكنني أقدّر خفة الظل والذكاء.
واختل: عندما بدأتِ دراسة اللاتينية واليونانية، ولا سيما اليونانية، هل تتذكرين أولى الأساطير التي سمعتِ بها؟
كارسون: أظن أنها كانت على الأرجح الأساطير التي تشير إليها صافو، وهي ليست عمومًا من الأساطير الشائعة والمعروفة. أسطورة نيوبه، مثلًا، التي تحولت إلى صخرة من فرط بكائها. لكنني أتذكر، على نحو أكثر تحديدًا، أسطورة تيثونوس من ذلك الكتاب.
كان تيثونوس شابًا وقع في حب إلهة الفجر، وكانت بينهما علاقة غرامية سعيدة. ثم طلب منها ذات يوم أن تجعله خالدًا؛ فقد أراد أن يصبح إلهًا وأن يعيش معها إلى الأبد. فذهبت إلى زيوس وقالت له: «هل يمكنك أن تجعل تيثونوس خالدًا؟» فأجاب زيوس: «بالتأكيد»، ومنحه الخلود، لكنه لم يمنحه الشباب الأبدي.
وهكذا أخذ المسكين تيثونوس يذبل ويتضاءل حتى لم يبقَ منه سوى صرصور صغير، ولم يعد ذلك ممتعًا كثيرًا لإلهة الفجر.
واختل: ينبغي الانتباه إلى الشروط المكتوبة بحروف صغيرة!
كارسون: إلى الصياغة، نعم. الصياغة هي المفتاح.
واختل: أخبريني أكثر عن دراسة اليونانية. من الواضح أنك واصلتِ دراستها حتى أصبحت تخصصك، لكن هل يمكنك أن توضحي أكثر ما الذي جذبك إليها: الثقافة، أم اللغة، أم التعقيد؟
كارسون: أظن أن الأمر يرجع جزئيًا إلى مضمون الأعمال نفسها. إنها من أكثر النصوص الأدبية عمقًا في التفكير التي أنتجها البشر على الإطلاق. لكن ثمة أيضًا ذلك النشاط الذهني الذي ينشأ حين ينغمس المرء في عملية الترجمة، وهو شيء أحبه ببساطة. إنه أشبه بحل لغز كلمات متقاطعة لا ينتهي، لكنك تخرج منه بمنتج ذي قيمة. وهذه الحالة الذهنية، حالة الانشغال بحل الألغاز، هي ببساطة أفضل ما يمكن أن يكون.
واختل: قلتِ إن القدماء ليسوا بالضرورة ذوي صلة كبيرة بعالمنا اليوم، ويجب أن أعترف بأن هذا فاجأني؛ لأننا يبدو أننا نستطيع دائمًا أن نستخلص من كل شيء في الماضي ما يتصل بحاضرنا.
كارسون: لم أقصد ذلك على هذا النحو؛ بل قصدت العكس تمامًا: إن مهمتنا هي أن نسعى نحن إلى أن نكون ذوي صلة بهم، وأن نعود إلى الماضي لنرى ما كانوا يفعلونه حقًا، من وجهة نظرهم هم.
يقول جون كيج: «لا يستطيع المرء أن تكون لديه فكرة ما، بمجرد أن يبدأ في الإصغاء حقًا». وأظن أن هذه هي أهمية دراسة الماضي: أن نصغي إلى القدماء، بدلًا من أن نستبدل بهم أفكارنا الخاصة عن الكيفية التي يمكن أن يكونوا بها ذوي صلة بنا.
واختل: وهل يرجع الأمر جزئيًا إلى أنهم كانوا يرون العالم على نحو مختلف تمامًا، أم إلى أنهم بعيدون عنا إلى حدّ كبير، من حيث الزمن واللغة، بحيث يتعين علينا أن نبذل جهدًا لاستيعابهم؟
كارسون: إنهم عند جذور الأشياء التي نمت لاحقًا وصارت الأشجار التي نعيش بينها الآن. إنهم طازجون؛ وما تزال أفكارهم يعلوها الندى. وبعد آلاف السنين، لا يزال شيء من ذلك الندى عالقًا بأفكارنا، لكنها جميعًا قد تراكمت عليها طبقات من القشور، وفصلت بينها وبين أصولها قرون طويلة. إن العالم يواصل انبثاقه من جديد أمام اليونانيين؛ فالجِدّة الأولى للعالم لا تكفّ عن البزوغ لديهم.
واختل: هل تعرفين في أي مرحلة أدركتِ أن هذا سيكون موضوع حياتك؟
كارسون: فور أن درستُه على يد السيدة كوان.
واختل: حقًا؟
كارسون: نعم، لم يكن في الأمر مجال للشك.
واختل: إنه حب من النظرة الأولى (Coup de foudre).
كارسون: نعم. وكانت امرأة استثنائية حقًا. كانت تفوح منها رائحة الكرفس طوال الوقت. وبعد ذلك العام اختفت. أظن أنها تركت التدريس، وأخبرني أحدهم أنها انتهى بها المطاف في أفريقيا.
وبعد بضعة عقود، كنت أشارك في أمسية لقراءة الشعر في مكان ما، أظنه مونتريال، وذكرتُها لأنني قرأت بعض النصوص اليونانية. وبعد الأمسية، جاءت إليّ امرأة وقالت: «أليس كوان هي أمي، وهي تعيش الآن في مزرعة بشمال أونتاريو. إنها أشبه بالناسك المنعزل. أظن أنها ستسعد بتلقي أخبار منك، لكنها لن تردّ عليك».
فكتبت إليها رسالة، وبالفعل لم تردّ. وهذا كل ما أعرفه عن أليس كوان.
واختل: كتابك الأخير، نوكس (Nox)، هو نوع من العمل الذي يتناول الحداد، أو مشروع أدبي للتعامل مع الفقد؛ إنه نقش تأبيني لأخيك الذي توفي عام 2000. وقد بنيتِ الكتاب على ترجمة قصيدة للشاعر الروماني كاتولوس، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، كلمةً كلمة. إذ خصصتِ لكل كلمة لاتينية في القصيدة صفحةً مستقلة، ثم وضعتِ في الصفحة المقابلة شعرك الخاص وتأملاتك وصورك وأشياء من شتى الأنواع. من أين جاءت هذه الفكرة؟
كارسون: ربما جاءت من بنية الترجمة ثنائية اللغة؛ فأنا أقضي جزءًا كبيرًا من حياتي في مطالعة الكتب التي تحتوي على اليونانية أو اللاتينية في الصفحة اليسرى، والإنجليزية في الصفحة اليمنى. ومع الوقت تألف هذا الترتيب، وتعتاد التفكير في تلك القناة الضيقة الواقعة بين اللغتين، حيث توجد اللغة المثالية.
واختل: أستطيع أن أرى أيضًا كيف يمكن أن تجذبك الفكرة لأنها تجبر القارئ على التمهل، حين يجد كل كلمة مصحوبة بتعريف معجمي موسّع...
كارسون: حسنًا، يسعدني سماع ذلك. فقد تساءلت، حين أنجزت الكتاب، عما إذا كان الناس سيكلفون أنفسهم عناء قراءة الصفحة اليسرى، أم سيكتفون بالنظر إليها قائلين في أنفسهم: «لا أريد أن أشقّ طريقي وسط كل هذا»، ثم ينتقلون إلى الصفحة التالية. لذلك آمل أن يدفعهم الكتاب إلى التمهل.
إن المداخل المعجمية مأخوذة من المعجم، لكنني عبثت بها قليلًا. وكنت أريد أن يلاحظ القراء ذلك تدريجيًا، وأن يتتبعوا الإشارات التي تركتها لهم؛ فالكتاب أشبه بلغز صغير.
واختل: لأنك تتلاعبين قليلًا بمداخل معجم أكسفورد اللاتيني.
كارسون: نعم، أُعدّلها كي أُدخل فيها مزيدًا من كلمة nox، أي «الليل».
واختل: قرأت في مكان ما أنك تستشهدين بجاك لاكان، المحلل النفسي والفيلسوف الفرنسي، الذي قال إننا لا نلجأ إلى الشعر طلبًا للحكمة، بل لتفكيك الحكمة. كيف يفعل الشعر ذلك؟
كارسون: أشعر أن في داخلي نزوعًا ملحًّا إلى الإفلات من أي رصيد معرفي أستند إليه حين أبدي آرائي. وأعتقد أن الممارسة الشعرية وسيلة لتحقيق ذلك. فعندما تفكر شعريًا، تقفز من المبنى؛ أنت لا تجمع بياناتك أولًا ثم تنتقل من نقطة إلى أخرى، بل عليك أن تعرف، في تلك اللحظة، ما تعرفه فحسب. ثمة شيء محرِّر في ذلك.
واختل: ربما أكون حرفية أكثر مما ينبغي حين أفكر في التفكيك؛ فعندما أفكر في تفكيك القصيدة كلمةً كلمة...
كارسون: نعم، إنه أشبه بخلع العباءة؛ عباءة الثقة التي توهمنا بأننا قادرون على معرفة معاني الكلمات يومًا ما. فنحن، في الحقيقة، لا نعرفها على هذا النحو. إنها مجرد علامات نتظاهر بأننا نستطيع تثبيتها وتحديدها في المعاجم؛ رموز للاستخدام اللغوي، لكن الحقيقة أنها جميعًا كيانات جامحة لا يمكن ترويضها.
إن تفكيك اللغة بهذه الطريقة هو سبيل إلى كشف الأسطورة الكامنة في أساسها: أسطورة أن المعنى يمكن تثبيته نهائيًا، وأن الكلمات يمكن إخضاعها لتعريفات قاطعة.
واختل: هل هذه هي الأسطورة التي تشيرين إليها؟
كارسون: إنها أسطورة أنك تستطيع أن تعرف المعنى معرفةً نهائية قاطعة. أن تستخدمه، نعم. وأن تستخلص منه معنى، نعم. أما أن تعرفه حقًا، فلست متأكدة من ذلك.
واختل: هذه ليست محاولتك الأولى لترجمة قصيدة كاتولوس رقم 101. متى حاولتِ ترجمتها أول مرة؟
كارسون: أظن أن ذلك كان على الأرجح في العام نفسه الذي درست فيه على يد السيدة كوان. وربما كانت هذه أشهر قصائد كاتولوس على الإطلاق، ولذلك يحاول الجميع ترجمتها. إنها تبدو بسيطة على نحو خادع من الخارج، لكن يستحيل الإمساك بجوهرها في العمق. إنها القصيدة المثالية.
واختل: ولماذا يصعب ترجمتها إلى هذا الحد؟
كارسون: حسنًا، الأمر معقد. يرجع ذلك جزئيًا إلى طبيعة لغة كاتولوس الشعرية، التي تمثل، إلى حد ما، إعادة ابتكار للغة الشعر اللاتيني، من خلال إدخال الكلام الدارج فيها. لقد كتب كثيرًا من الشعر بلغة الشارع، وكان كثير منه فاحشًا أو بذيئًا، وظل يحتفظ بحيوية لغة الشارع حتى في أعماله الأكثر رسمية. لكن لديه أيضًا، كما أشعر، قدرة على اختزال الموقف، وعلى أن يخبرك بلبّه وعظامه، لا أكثر. وهذا أمر يصعب نقله إلى لغة أخرى.
واختل: مع أنني أعتقد أن كلا الجانبين يجذبك: الجمع بين اللغة الاصطلاحية الدارجة والشعر الأكثر وقارًا أو المرثيّ الطابع.
كارسون: صحيح أنني أمزج بين مستويات الخطاب المختلفة، وربما أفعل ذلك من دون قصد. وأعتقد أن كاتولوس كان يفعل ذلك وفق برنامج واعٍ، أشبه بتجديد لغته، لأنه سئم الطريقة التي كان الناس يكتبون بها الشعر. لست متأكدة من أنني ملتزمة بهذا المشروع إلى الحد نفسه، لكن ثمة حيوية مشتركة بيننا.
واختل: وهل صعوبة الترجمة هذه هي تحديدًا ما يعجبك في كاتولوس، أم أنها واحدة من الأشياء التي تعجبك فيه؟
كارسون: لا تعجبني الصعوبة لمجرد أنها من نوع: «أعطوني مسألة لا أستطيع حلها». ما يعجبني هو أن أجد شيئًا أتصارع معه كل يوم.
واختل: وهل شعرتِ هذه المرة بأنك استطعتِ أخيرًا ترجمة القصيدة؟ أعرف أنك قلتِ إنك حاولتِ ترجمتها مئات المرات. لكنك استطعتِ هذه المرة، في كتاب نوكس، أن تترجميها فعلًا، أم أنك استسلمتِ ببساطة لصيغة معينة من الترجمة؟
كارسون: كان الأمر أقرب إلى الاستسلام. أعتقد أن لكل ترجمة سياقها الخاص، وكان لا بد لهذه الترجمة أن تلائم الكتاب الذي ستندرج فيه، ولذلك كان ينبغي أن تكون بسيطة إلى حد ما. لم أرد أن أزيّن أي شيء.
واختل: أخبريني قليلًا عن القصيدة وسياقها؛ كيف جاء كاتولوس إلى كتابة هذه المرثية...
كارسون: كتبها تكريمًا لأخيه، الذي لا نعرف عنه الكثير سوى أنه مات في منطقة طروادة، في آسيا الصغرى. سافر كاتولوس من إيطاليا إلى آسيا الصغرى ليدفن أخاه ويقف عند قبره. وكتب المرثية في تلك الفترة تقريبًا.
واختل: ومنطقة طروادة تقع بالقرب من طروادة نفسها؟
كارسون: نعم. كانت هناك مستوطنة رومانية في الموقع الذي اعتقدوا أنه موقع مدينة طروادة القديمة.
واختل: يسري إحساس بالغموض في نوكس. وأعني بذلك صعوبة كتابة مرثية لأخ اختفى من حياتك قبل وفاته بزمن طويل. ماذا كنتِ تعرفين عن حياته في الفترة التي غادر فيها؟
كارسون: لم أكن أعرف عنه الكثير. التحق كلانا بالجامعة، لكن في جامعتين مختلفتين، وفي الوقت نفسه تقريبًا. كنت غارقة في عالمي الخاص، عالم اليونانية واللاتينية، وهو عالم لم يكن لديه أي اهتمام به ولا صبر عليه. وقد افترقنا في الأذواق والمعايير الأخلاقية، وفي كل ما يجعل الإنسان شخصًا متفردًا؛ لذلك لم أعد أعرفه حقًا.
ثم بدأ يتاجر بالمخدرات، وبدا لي ذلك تصرفًا أحمق، فتجادلنا بسببه. وبعد ذلك اعتُقل، وقرر أن يفرّ بكفالة، ثم يغادر البلاد.
واختل: وكان ذلك عام 1978، وهي آخر مرة رأيتِه فيها.
كارسون: صحيح.
واختل: في كتابك صورة لأخيك حين كان في نحو العاشرة من عمره. يقف هو على الأرض، بينما يوجد عدد من الفتيان الآخرين فوقه في بيت شجري. ماذا ترين حين تنظرين إلى هذه الصورة؟
كارسون: إنها تحطم قلبي، بصراحة. فقد كان دائمًا يريد أن يصاحب فتيانًا أكبر منه سنًا بكثير؛ ربما لأن ذلك، لا أعرف، كان يعزز صورته عن نفسه. كانوا دائمًا يتنمرون عليه ويستغلونه.
وها هو ذا، يقف عند أسفل الشجرة. لقد رفعوا السلم حتى لا يستطيع الصعود إليهم. ومع ذلك، يبدو متماسكًا وصلب العزيمة إلى حد بعيد. يبدو وكأن ما حدث ليس سوى عقبة أخرى من العقبات التي اعتاد مواجهتها، وأنه سيتجاوزها ويمضي حتى يبلغ يومًا أكثر إشراقًا.
لقد كان هكذا دائمًا. كان يمتلك تفاؤلًا راسخًا، لكنه لم يكن يستند إلى أي أساس حقيقي، تفاؤلًا بأن الأمور ستتحسن يومًا ما.
كارسون: لست متأكدة. الصور الفوتوغرافية مدهشة من هذه الناحية؛ فهي تمنحك قدرًا هائلًا من المعلومات التي لا تستطيع إعادة صياغتها بالكلمات. لكن حين نظرت إلى تلك الصورة بعد موته، بدا لي أن حياته كلها كامنة في تلك النظرة. لن يظفر أبدًا بما يريد، ومع ذلك لن يصدق أبدًا أن رمية النرد التالية لن تكون رمية رابحة.
واختل: من اللافت أنك تتحدثين عن التفاؤل، لأن أخاك يبدو في كثير من الصور مصابًا أو مضروبًا. تارةً يضع ذراعه في حمالة، وتارةً أخرى نراه بضمادة أو ما شابه.
كارسون: أليس ذلك غريبًا؟ لم ألاحظ هذا إلا حين أخرجت الصور لإعداد الكتاب. لقد أدهشني أنه يظهر دائمًا بذراع مكسورة أو بضمادة على ساقه. لا أتذكر كل تلك الإصابات، لكنها موجودة في الصور. ومع ذلك، لم تكن الإصابات تثنيه عن شيء. كان يكسر ذراعه، ثم يمضي مباشرةً للانضمام إلى فريق الهوكي.
واختل: أظن أن مخالطة الفتيان الأكبر منه سنًا كانت سببًا في بعض ذلك. هل كان يجد صعوبة في تكوين الصداقات؟
كارسون: لا، بل كان ساحر الشخصية للغاية. كان يستطيع مصادقة أي شخص، ولذلك لا أعرف لماذا كانوا يضربونه كثيرًا. ثمة ألغاز تحيط بعلاقاتنا بإخوتنا.
واختل: كان أخوك أكبر منك بأربع سنوات، وحين كنتما في مرحلة المراهقة، وتدرسان معًا في المدرسة الثانوية، كان يطلب منك أن تؤدي واجباته المدرسية، لكنه كان يناديك أيضًا بـ«الأستاذة» أو «رأس الدبوس». كيف تصفين علاقتك به؟
كارسون: علاقة يكتنفها الأسى. أظن أنه كان يتسامح معي بعدما بدأت أؤدي واجباته المدرسية نيابةً عنه؛ فقد ظل يرسب في الفرنسية، وأُعيد إلى صف أدنى أكثر من مرة. أعتقد أن موقفي منه كان ملتبسًا ومتناقضًا.
حين كنا أصغر سنًا، كان بطلي المطلق، وكنت أتبع خطواته أينما ذهب، إلى أن يطلبوا مني العودة إلى المنزل. لكنني، في وقت لاحق، لم أعد أفهم قراراته، ولم أستطع التفاهم معه أو إقناعه بمنطق ما. وأخذت علاقتنا تصبح أكثر توترًا واحتكاكًا.
أظن أنني ظللت أراه شخصيةً أسطورية إلى حد ما، بسبب ذلك التفاؤل الغريب الذي كان لديه. وكان يشعّ بنوع من الهالة. ما إن يدخل غرفة حتى تلتفت إليه الأنظار. كان وسيمًا جدًا؛ طويل القامة وأشقر الشعر، وكما قلت، كان يتمتع بسحر خاص. أما أنا، فلم أكن يومًا ساحرة الشخصية، ولم أكن أشعّ بذلك البريق، بالتأكيد.
واختل: تذكرين في الكتاب مرتين مسألة «رأس الدبوس». هل يمكنك قراءة هذا المقطع القصير؟
كارسون: «كان صوته يشبه صوته، لكن شيئًا آخر كان قد تراكم عليه، شيء أسود كثيف كالقشرة. أضاء وجهه للحظة حين قال: "يا صغير العقل" (إذًا، يا صغير العقل، هل بلغت الحكمة بعد؟)، ثم عاد إلى العتمة. انهمرت في داخلي كل السنوات والأزمنة التي مرّت به، انهمر ذلك التاريخ كله. ما الصوت؟»
واختل: وفي الصفحة التالية تكتبين: «أحبّ كل الأسئلة القديمة». هل تشير هذه العبارة إلى السؤال نفسه؟
كارسون: «ما الصوت؟» نعم. لقد ظلّت المعلومات التي ينقلها الصوت تثير افتتاني طويلًا.
واختل: وهل تعتقدين أن عبارة «صغير العقل ـ الأستاذ» كانت مداعبة تنطوي على المودّة؟
كارسون: أعتقد ذلك، نعم. وأهداني أيضًا، على ما أظن، عندما بلغت السادسة عشرة... لا، كان ذلك في عيد الميلاد حين كنت في السادسة عشرة، كتاب «قاموس روجيه للمرادفات»، لأنه أرادني أن أصبح كاتبة، ولأنني كنت أريد أن أصبح كاتبة. ما زلت أحتفظ بالكتاب. لكنه كان مؤلفًا من مجلدين، ولم يُهدني إلا المجلد الأول. ولم يأتِ المجلد الثاني قط. وهذا يكشف شيئًا عن بعض جوانب كتابتي.
واختل: أأنتِ إذن تفضّلين النصف الأول من الأبجدية؟
كارسون: نعم، لسبب ما، أنا أكثر تنوّعًا في استخدام ذلك النصف.
واختل: كتاب نوكس نفسه معروض بوصفه قطعة فنية مادية. إنه كتاب يُفتح على هيئة طيّات متتابعة كالأكورديون، تتصل صفحاته بقطع من الورق دُبّست أو أُلصقت، وتظهر عليها أحيانًا نصوص أو صور فوتوغرافية أو رسوم ملونة أو شذرات من رسالة مكتوبة بخط اليد. إنه كتاب يستثير حاسة اللمس بشدة. في الواقع، ظللت ألمسه وأنا أظن أنني سأجد دبوس تدبيس في موضع ما. لكن كل صفحة، بالطبع، ليست سوى نسخة مصوّرة من تلك الأشياء. لماذا اخترتِ هذا الشكل؟ لماذا أردتِ أن تصنعي كتابًا بيديكِ، من الناحية المادية؟
كارسون: لأنني صنعت الكتاب بنفسي في البداية. اشتريت كتابًا فارغًا وملأته بالأشياء، ورسمت عليه، وألصقت الصفحات، ودبّستها، وما إلى ذلك. كان يومًا عظيمًا حين اكتشفت أنه يمكنني استخدام الدبّاسة بدلًا من الغراء؛ كان ذلك تقدمًا حقيقيًا في أسلوب العمل. على أي حال، قال زوجي [روبرت] كوري إن ما يميّز هذا الكتاب هو أنه مصنوع يدويًا؛ فعندما تقرئينه، يجذبك إلى داخل حياة هؤلاء الأشخاص وأفكارهم، وإلى داخل الشيء الذي يمثّله الكتاب نفسه. وإذا أردتِ إعادة إنتاجه، فلا بد أن يحتفظ بهذه الخاصية. لذلك جرّب كوري طرقًا مختلفة للتصوير بآلة زيروكس، حتى تبدو الصفحات، كما تقولين، ثلاثية الأبعاد. فإذا صوّرتِ شيئًا أو مسحتِه ضوئيًا بدقة تامة، بدا مصقولًا ولامعًا ككتاب للطبخ. لكن إذا سمحتِ لقليل من الضوء بالتسرّب إلى آلة التصوير، وأنتجتِ نسخة رديئة، ظهرت كل تلك الحواف، وعادت إليها الحيوية؛ عاد إليها ما يسمّيه كوري «التآكل». لذلك كان من المهم جدًا بالنسبة إليّ أن يحضر هذا الأثر في تجربة القارئ.
واختل: بل إنكِ نقعتِ بعض الأوراق المطبوعة في الشاي لتبدو كأنها رقّ قديم.
كارسون: فعلتُ ذلك بالفعل.
واختل: لماذا؟ لقد صنعتِ الكتاب عام 2000، فلماذا أردتِ أن يبدو عتيقًا؟
كارسون: كانت لديّ فكرة أن أجعل الصفحات اليسرى، صفحات كاتولوس، تبدو كأنها صفحات من قاموس قديم؛ لأنني حين كنت أتعلم تلك اللغات، كانت لديّ دائمًا قواميس قديمة جدًا، باهتة، ذات صفحات مصفرّة. كانت تجربة قراءة اللاتينية، بالنسبة إليّ، أشبه بقراءة صفحة قديمة مغبرّة، يكاد المرء يعجز عن تبيّن ما كُتب فيها. فقلت لنفسي: حسنًا، سأصبغ الصفحات بالشاي، وستبدو سحرية. وقد بدت بالفعل سحرية، لنحو أربع وعشرين ساعة، ثم جفّ الشاي وعادت الصفحات كلها بيضاء من جديد.
واختل: وكيف كانت عملية صنع الكتاب في بدايتها؟ أعني، هل كانت وسيلة لاجتياز الحزن والعمل من خلاله؟ كيف انخرطتِ في هذا العمل؟
كارسون: لم يكن الأمر حزنًا بقدر ما كان... أعني، نعم، كان الحزن حاضرًا جزئيًا، لكن ما شغلني أكثر هو لغز فهم أخي. ففي الواقع، اتصل بي هاتفيًا قبل موته بقليل، وكانت تلك أول مرة يتصل بي فيها منذ عام 1978. كان ذلك في عام 2000، وقد أجرينا محادثة غريبة جدًا ومحرجة، ثم رتّبتُ للسفر إلى كوبنهاغن، حيث تبيّن أنه كان يقيم، كي ألتقي به. لكن قبل موعد سفري بأسبوع، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من امرأة قالت لي: «أنتِ لا تعرفينني، لكن أخاكِ مات للتو في حمّامي». وكانت تلك زوجته في كوبنهاغن، التي ظل متزوجًا بها سبعة عشر عامًا.
واختل: لم يذكر ذلك في مكالمته معك.
كارسون: بل ذكره، لكن زوجته لم تُعرّف بنفسها عبر الهاتف؛ كل ما قالته هو: «أنتِ لا تعرفينني». لذا سافرت إلى كوبنهاغن، والتقيت بها وبالكلب، واكتشفت بعض الأشياء عن حياته. لكن كلما عرفت المزيد، ازددت جهلًا بحقيقة الشخص الذي كانه طوال تلك السنوات الاثنتين والعشرين التي غاب فيها عن حياتي.
لذلك بدأت الكتاب بوصفه محاولة للفهم؛ كنت أحاول ببساطة أن أجمع في مكان واحد خيوط الأشياء التي أستطيع قولها عنه، ثم أرى إلى أي شيء تفضي حين تجتمع. ومع تقدّم العمل، صار ما أسميه «مرثيةً تذكارية»، أي وسيلة للإشادة به وتمجيده.
واختل: حين اتصل بك، هل كنت تعرفين ما الذي دفعه إلى الاتصال؟ هل كان لديه إحساس مسبق باقتراب موته؟
كارسون: لا فكرة لديّ. لم يقل شيئًا قط. كان مقتصدًا في الكلام. ربما شعر ببساطة أنه يريد أن يتواصل معي.
واختل: بعد كل تلك السنوات.
كارسون: بعد كل تلك السنوات. كما ترين، الأمر محيّر.
واختل: كيف مات؟
كارسون: بسبب تمدّد الأوعية الدموية. أظن أنه عاش حياة قاسية، مع المخدرات وما إلى ذلك، إلى أن انهار جسده. لم يكن قد تجاوز الخمسينيات من عمره.
واختل: بعض الصور التي تستخدمينها في الكتاب ليست سوى شذرات، وكثير منها لا يظهر فيه أشخاص. في إحداها، يبدو ظلّ شخص أكثر حضورًا من البشر البعيدين في الخلفية. وهناك كرسي، وكوخ صغير، وأرجوحة فارغة، وبعض الدرجات، وجدار. يسودها إحساس بالغياب. ماذا ترين حين تنظرين إلى هذه الصور؟
كارسون: لغز أخي. وإذا فككنا الأمر، فسنجد جانبين. حين كنت صغيرة وأراه بطلي الذي أُعجب به، كان دائمًا غائبًا؛ لم يكن يريد أن يقضي وقته معي، وكان يعرف كيف يتوارى ويختفي. ثم، في وقت لاحق، حين أخذت أحاول أن أفهم من كان في سنواته الأخيرة، عجزت تمامًا عن إدراك ذلك.
كان الأمر أشبه بما يحدث مع إينياس في العالم السفلي، كما تعرفين، حين يلتقي أمه الميتة ويحاول احتضانها. ثلاث مرات يمد ذراعيه محاولًا أن يضمها، وثلاث مرات تتلاشى من بين ذراعيه. لذلك أردت أن أُدخل الاختفاء إلى الصور. فإذا اقتطعت الأشخاص منها، وجدت فيها قدرًا كبيرًا من الغياب والتلاشي.
وبعض الصور كانت خالية أصلًا، على نحو غريب. وهذا أمر آخر تكتشفه حين تنظر إلى صور عائلتك القديمة: أن كثيرًا منها صور لأشياء لا شيء فيها. صور موحية جدًا، رغم أنها لا تُظهر شيئًا.
واختل: وهل مزّقتِ بعض الصور من أجل الكتاب؟
كارسون: نعم. مزّقتها وقصصتها.
واختل: ألم يكن ذلك صعبًا عليكِ؟ أن تمزّقيها؟
كارسون: على نحو مفاجئ، لم يكن صعبًا. كنت أدخل في نمط العمل، وأواصل تمزيقها من دون تردّد.
واختل: تتكرر المعلومات عن أخيك في المرة الأخيرة التي رأيتِه فيها؛ حين هرب عام 1978 مستخدمًا جواز سفر مزوّرًا، ولم يرسل إلى البيت طوال تلك السنوات سوى رسالة واحدة. تتكرر هذه المعلومات مرات عدة متتالية، أحيانًا مع اختلاف طفيف في علامات الترقيم، أو فروق دقيقة في العلامات الموجودة على الورق. وفي المرة الرابعة، تكاد تتحول إلى شذرة في حد ذاتها. لماذا هذا التكرار؟
كارسون: لا يظهر التكرار إلا في النسخة المطبوعة من الكتاب. أما في الأصل، فالرسالة ملصقة فيه على هيئة ورقة مطوية. ولذلك، كي نجعل الطيّة مرئية في الكتاب المطبوع، كان علينا تكرار المعلومات. إنه حلّ تقني لمشكلة غياب الكتاب الأصلي.
واختل: ظننت أن للتكرار علاقة بمحاولة فهم ما تكشفه إعادة القول. فنحن أحيانًا نكرر ما نعرفه مرارًا، كي نتمكن من استيعابه وإدراك معناه.
كارسون: أحيانًا يساعدك أن تسمعي ما تفكرين فيه، حين تقولينهه أكثر من مرة. وقد أدركت ذلك أثناء عملنا على الكتاب. إنها فائدة جانبية لطريقتي غير المتقنة. لكن لا يمكنني القول إنني فكرت في ذلك مسبقًا.
واختل: وتقولين إنك لم تفهمي قرارات أخيك في تلك السنوات التي عاشها في منفى اختياري. هل حاولتِ أن تتخيلي كيف كانت حياته؟
كارسون: سمعت حكايات من أرملته ومن أشخاص آخرين في كوبنهاغن كانوا أصدقاءه. لكن الأمر كان أشبه بقراءة مقاطع من ملخّص فيلم لن تشاهده أبدًا؛ فلم تكن الأحداث تتماسك لتكوّن صورة مفهومة. كان أحدهم يقول مثلًا: «آه، نعم، كنت أعرف أخاك أيام تهريبه الذهب». وكان ذلك جديدًا عليّ تمامًا! وهكذا، كانت تصلني شذرات من المعلومات، قطع صغيرة متناثرة، لكنها لم تكن تنتظم في أي نمط.
واختل: في منتصف الكتاب تقريبًا، ترد عبارة تقول: «من المريح دائمًا أن نفترض وجود سرّ وراء ما يعذّبنا».
كارسون: سرّ، أي شيء من شأنه أن يجعل الأمور مفهومة؛ إجابة ما، بدلًا من كل هذه الشذرات المتناثرة. أعني أن معظمنا، إذا أردنا الصراحة، ليس سوى مجموعة من الشذرات التي لا معنى يجمع بينها. من الجميل أن نتخيل أن في داخل كل واحد منا ذاتًا متماسكة، لها حكاية يستطيع شخص آخر أن يرويها؛ لكن هذا مجرد وهم. ومع شخص مثل أخي، تصطدم بهذا الوهم اصطدامًا مباشرًا؛ لأنه لم يكن يريد أن يعرفه أحد حقًا.
واختل: أظن أن هذا هو الفارق. فحتى لو كنا جميعًا مجرد شذرات، وكانت الذات المتماسكة وهمًا، فإننا نحاول أن نقدم أنفسنا في صورة حكايات تجعل حياتنا تبدو مترابطة ومنسجمة.
كارسون: هذا صحيح. أظن أنه، في مرحلة ما، تخلّى عن محاولة فعل ذلك.
واختل: وصفت أمك أخاك بأنه نور حياتها، وكان يرسل إليها بين الحين والآخر بطاقات بريدية، كما أرسل لها رسالة واحدة. لكنها لم تره طوال السنوات العشرين الأخيرة من حياتها. هل يمكنك أن تحدثينا عن علاقتهما، وعن أثر غيابه فيها؟
كارسون: لقد دمّر حياتها. ماتت من دون أن تعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة. وظلت حزينة طوال تلك السنوات. ومع ذلك، لم تتخلَّ أبدًا عن الأمل في أن يظهر من جديد. أما أنا، فقد تخلّيت عن هذا الأمل. لكنها لم تتخلَّ تمامًا عن فكرة عودته، وهذا جعل حياتها، كما تعرف، أشبه بحياة ليست هي الحياة التي كان ينبغي أن تعيشها. كانت الحياة الصحيحة، في نظرها، هي تلك التي يعود فيها ويدخل من الباب. لقد كان ابنها الذهبي المدلّل. وكانت تحتفظ بخصلة صغيرة من شعره منذ كان رضيعًا. لا أعرف كيف يمكن قياس هذا النوع من الحزن. وحين اتصل بي في تلك المرة التي ذكرتها، أخبرته بذلك. فلم يقل سوى: «نعم، أظن أن هذا صحيح».
واختل: لكنها كانت قد ماتت حينها.
كارسون: كانت قد ماتت قبل ذلك بثلاث سنوات. قلت له: «لقد عانت كثيرًا بسببك». فقال: «نعم، أظن أن هذا صحيح». كان منفصلًا عن ذاته، على مستوى ما.
واختل: وتصفين كيف توقفتِ أنت وأمك، في نهاية المطاف، عن الحديث عن أخيك، وتقولين إن ذلك كان باعثًا على الارتياح. لماذا؟ كيف كان الأمر حين كنتما تتحدثان عنه؟
كارسون: أظنني قلت في الكتاب إن الأمر كان أشبه برائحة شعر محترق تتسلل إلى كل محادثة. لم يكن هناك مكان يمكن أن تمضي إليه تلك الرائحة. كانت تسوّد النهار، ولم أكن أعتقد أن ثمة حلًا لهذه المشكلة.
واختل: ومع ذلك، تذكرين أنها كانت ترفع عينيها نحو النافذة كلما توقفت سيارة...
كارسون: كان الطريق مغطّى بالحصى. وكانت تظن أنه ربما يكون هو. أمر محزن.
واختل: في موضع من الكتاب تسألين: «لماذا نحمرّ خجلًا أمام الموت؟». لقد فاجأتني كلمة «نحمرّ خجلًا». هل توصلتِ إلى إجابة عن هذا السؤال؟
كارسون: لا. لقد فاجأتني أنا أيضًا. وجدت هذه العبارة في قصيدة أخرى لكاتولوس. لا أتذكر المقطع بالضبط، لكنه يتحدث عن الموت في مرثية لصديق، ويستخدم فيها صورة الاحمرار خجلًا. إنه مقطع محيّر.
كثيرًا ما يحدث لي، وأنا أحاول ترجمة شيء من اللاتينية أو اليونانية، أن أصادف مقطعًا لا أفهمه، لكنه يبدو مع ذلك صادقًا؛ أشعر كأنه نواة شيء ينبغي أن أبلغه. فأُضمّنه في الكتابة، كما لو أنني أفرزه من داخلي، وأرجو أن يكشف عن حقيقته بنفسه، من دون أن أعرف كيف أتحكم فيه. وما زلت أفكر في ذلك الاحمرار.
واختل: وبالقرب من هذا المقطع صورة لافتة، لا أظنها في الصفحة نفسها، لكنها تتضمن لونًا أحمر فاقعًا إلى حدٍّ ما...
كارسون: حسنًا، قلت لنفسي: «احمرار خجل؟ رائع! سأستخدم طلائي الأحمر». ليس فيّ شيء من التحفّظ أو الدقة الخفية! أتعرفين؟ لقد أحببت صنع ذلك الكتاب، على الرغم من الظروف التي أحاطت به. كلّفت نفسي بأن أفعل في كل صفحة شيئًا مختلفًا عما فعلته في أي صفحة سابقة، من الناحيتين التقنية والمادية. لقد كان ذلك متعة خالصة.
واختل: ومن دون أن نأخذ الأمر بحرفيته أكثر مما ينبغي، هل أتاح لك هذا، بطريقة ما، أن تقلبي الصفحة وتتجاوزي ما مضى؟
كارسون: بطريقة ما، نعم.
واختل: تقتبسين المؤرخ هيرودوت، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، ويقول إن التاريخ من أغرب ما يفعله البشر؛ كل هذا السؤال والبحث، مع أنه لا يقدم رواية واضحة أو مفيدة. هل توافقينه الرأي؟
كارسون: يسمّون هيرودوت أبا التاريخ، مع أن ما ابتكره في الحقيقة هو تصور للتاريخ بوصفه مجموعة من شذرات المعلومات التي لا يبدو أنها تنسجم مع بعضها. إنه يجمعها ثم يسلّمها إلينا.
واختل: وهذا يعكس ما شعرتِ بأنك تفعلينه أنت أيضًا.
كارسون: نعم، ذلك النوع من الجمع والتركيب من دون أن تكون هناك سيطرة نهائية على المعنى.
واختل: لكن هيرودوت يشير أيضًا إلى أنه، بصفته مؤرخًا، لم يكن مضطرًا إلى تصديق كل ما يرويه الناس. فهو يقول: «هذا ما يقوله المصريون، فليستفد منه من يجد هذه الأمور جديرة بالتصديق». أو كأنه يقول: «عليّ أن أذكر ما يُقال، لكن ليس عليّ أن أصدقه بنفسي».
كارسون: كان هيرودوت يتمتع بحسّ فكاهة جيد. لكنني أعتقد أنه لا يمزح هنا. فهو ينقل الآراء كما ينقل الوقائع، ولا يحاول أن يميّز كثيرًا بين الآراء الجيدة والآراء السيئة. إنه يثق بأن القارئ قادر على التمييز بينها بنفسه. وهذا ضرب من التسامح جدير بالإعجاب.
واختل: وهل انعكس هذا، بطريقة ما، على بحثك أنت؟
كارسون: أعتقد أن هناك في ذلك الكتاب، أو في كل ما أكتبه، محاولةً لممارسة التسامح: أن أدوّن أكبر قدر ممكن مما أستطيع استيعابه وفهمه، ثم أترك للقارئ أن يستخلص منه ما يستطيع من معنى.
واختل: وأحيانًا يكون المعنى، كما ألمحتِ قبل قليل، في الشقّ الفاصل بين الصفحات. ففي الصفحة التالية مباشرةً لعبارة «عليّ أن أذكر ما يُقال، لكن ليس عليّ أن أصدقه بنفسي»، نجد بخط أخيك عبارة: «أحبك، أحبك، يا مايكل»؛ وهي شذرة من رسالة.
كارسون: أليس في ذلك شيء يظل يطاردك؟ حين يكتب الناس شيئًا مرتين، لماذا يكتبه مرتين؟ لا أعرف.
واختل: وتقولين أيضًا إن التاريخ والمرثية تربطهما قرابة. كيف يرتبط أحدهما بالآخر؟
كارسون: كلاهما طريقة لرواية حكاية، ولرسم ملامح شخص أو حدث، من خلال ما يسميه هيرودوت البحث والسؤال، من دون الوصول إلى نتيجة. إن عدم الوصول هو ما يجعلهما متقاربين: ذلك الكفاح، ثم عدم الوصول.
واختل: هل تغيّر شيء بالنسبة إليك بعد أن انتهيتِ من كتاب نوكس، سواء في نظرتك إلى أخيك أم في فهمك لفكرة المرثية والبحث؟
كارسون: لا أظن أن نظرتي إليه قد تغيّرت. أصبحت حكايته أكثر امتلاءً بالتفاصيل، لكنها لم تصبح أكثر اكتمالًا. أما المرثية، فلا أدري. أقول إنها شكل أدبي صعب؛ فمن الصعب الحفاظ على كرامة موضوع المرثية من دون أن تترك بصماتك الشخصية عليه في كل مكان.
واختل: هذه طريقة لافتة في التعبير عن الأمر؛ إذ تبدو لي وصفًا دقيقًا جدًا للمرثية. فكل من يكتب رثاءً، وربما كنت أخلط هنا بين المرثية والتأبين، يترك بصماته الشخصية على النص كله. حتى إن المرثية تبدو وكأنها تتحدث عن كاتبها، لا عن الميت نفسه.
كارسون: من الصعب جدًا أن تجد الموضع الصحيح الذي تقف فيه لكي ترثي شخصًا أو تؤبّنه. لكنني شعرت بأن صنع هذه الصفحات، بدلًا من الاكتفاء بكتابتها، ساعدني على بلوغ ذلك الموضع؛ لأن الصنع، بطريقة ما، يبدو أقل تمحورًا حول الذات... لا أدري، لا أعرف السبب.
واختل: تقولين في أحد المواضع: «الأخ لا ينتهي أبدًا. أتجوّل فيه متلمّسةً طريقي».
كارسون: كانت لديّ صورة له بوصفه غرفة أتلمّس طريقي فيها، وأتحسس الأشياء في الظلام: هنا كرسي، وهناك كتاب، وهناك مفتاح كهرباء. لم أستطع قط أن أستوعب مخطط الغرفة أو أعرف كيف تتوزع أجزاؤها، لكنني كنت أجد نفسي فيها كل يوم، أعمل على ما فيها وأحاول التعامل معه. وكانت القصيدة كذلك أيضًا؛ تفكيكًا للقصيدة، وهي عملية مظلمة بدورها.
واختل: هل ترين قصيدة كاتولوس على نحو مختلف الآن؟ أعني أن موت أخيك، بالطبع، لا بد أن يضفي عليها صدى خاصًا، بوصفها مرثيةً لأخ.
كارسون: نعم، لها صدى خاص. لكنني كنت أراها دائمًا واحدة من أفضل الأشياء في العالم، وما زلت أراها كذلك. ها هي هناك، عصيّة على الترجمة.
واختل: حسنًا، ليس في كتاب نوكس الكثير مما يُقال صراحةً. إنه لا يزال عملًا شديد الخصوصية والحميمية. ما الذي جعلك تقررين نشره وإتاحته للناس؟
كارسون: لأنه فُقد. طوال عدد من السنوات، سبع أو ثماني سنوات، كنت أُري الكتاب لأشخاص، واحدًا تلو الآخر. ثم التقيت مصادفةً ناشرًا ألمانيًا يصدر كتبًا فنية وكتبًا عن الأزياء، فقال لي: «أعتقد أنني أستطيع إنتاجه بطريقة تحترم العمل، فلماذا لا نحاول؟». فوافقت، وأخذه إلى ألمانيا، ثم فقده لمدة ثلاث سنوات. لم يكن يردّ على رسائلي الإلكترونية، ولم يكن لديه هاتف، فمررت بفترة من القلق والمعاناة بشأن هذا الشيء الذي ظننت أنني لن أراه مجددًا أبدًا. ثم ظهر ذات يوم داخل طرد أرسلته شركة فيدكس. عندها فكرت: لقد حان الوقت لجعل هذا العمل دائمًا. وبعد ذلك، توصّل كوري إلى طريقة تتيح إنتاج نسخ مكررة من الكتاب.
واختل: ألمحنا إلى هذا سابقًا، لكن ثمة أمرًا لافتًا في الصفحات اليسرى، حيث ترد تعريفات الكلمات اللاتينية. فأنت تضيفين دائمًا تقريبًا تعبيرات اصطلاحية تتضمن كلمة nox، أي «الليل». لكن حين تصلين إلى تعريف كلمة frater، أي «الأخ»، وهي محور الكتاب، لا تضيفين أي تعبير اصطلاحي يتضمن كلمة nox. ومن الواضح أن ذلك كان مقصودًا.
كارسون: لم أستطع أن أضيف شيئًا إلى تلك الكلمة. لم يبدُ لي ذلك لائقًا أو منصفًا. كما أن تركها على هذا النحو كان وسيلةً لرسم الحدود حوله، وهي الحدود التي أرادها لنفسه. لم يكن نبيلًا، ولم يكن يريد أن يكون نبيلًا، وكلمة frater كلمة محايدة، لا تحمل في ذاتها أي حكم من هذا القبيل.
واختل: كتابك سيرة ذاتية للون الأحمر (Autobiography of Red) هو أول رواية شعرية لك. وهو أيضًا ينطلق من حكاية قديمة، هي أسطورة هيراكليس والوحش جيريون. هل يمكنك أن تحدثيني قليلًا عن هذه الحكاية؟
كارسون: هيراكليس هو ذلك الشخص الذي ربما تعرفه من رسوم صباح السبت المتحركة، والذي أنجز الأعمال البطولية الشهيرة. يسمونه هرقل في أمريكا. كان أحد أعماله أن يسافر إلى جزيرة يُفترض أن وحشًا يُدعى جيريون يقيم فيها، وأن يستولي على أبقاره الحمراء السحرية. وقد فعل ذلك بالفعل؛ فقتل جيريون وأخذ الأبقار. وأنا لم أفعل سوى تغيير تلك الحكاية قليلًا.
واختل: قليلًا!
كارسون: تغييرًا لا بأس به.
واختل: حسنًا، جيريون في الأسطورة له أجنحة، وكذلك الشخصية التي ابتكرتِها أنت. والأجنحة علامة أخرى على اختلافه عن الآخرين. ما الذي جذبك إلى هذه الحكاية؟
كارسون: كونه وحشًا. فنحن جميعًا نشعر، معظم الوقت، بأننا وحوش. لكن هناك أيضًا مجموعة شديدة الإغراء من الشذرات المتعلقة بهذه الأسطورة، تركها الشاعر اليوناني ستيزيخوروس، وهو شاعر لا يُقرأ كثيرًا ولا يحظى بمعرفة واسعة. لم يكن يكتب شعر حب آسرًا مثل سافو، لكن هذه الشذرات جميلة إلى حد بعيد.
انشغلت بترجمتها من أجل متعتي الخاصة، ثم شعرت بالإحباط لأنني لم أستطع أن أُدخل في الترجمات معظم ما وجدته مثيرًا للاهتمام في اللغة الأصلية، لسبب ما.
واختل: ماذا تقصدين بذلك؟
كارسون: إن الاختلافات بين اليونانية والإنجليزية تقيم حواجز أمام ما يمكنك قوله والطريقة التي يمكنك أن تقولي بها ما تريدين. يُضاف إلى ذلك أن الأسطورة غير معروفة إلى حدٍّ ما لدى معظم القراء، مما يعني غياب السياق الضروري لفهمها. لم يكن بوسعي أن أتحدث عن جيريون وأتوقع من الجمهور أن يقول: «آه، نعم، ذلك الرجل الأحمر ذو الأجنحة». لذلك كان لا بد من الكثير من الشروح المطوّلة والمملّة حتى تصبح الشذرات مفهومة بوصفها شذرات، ولم أكن أريد أن أفعل ذلك. ففكرت في احتمال تقديمها في شكل آخر. وما الشكل الآخر الذي يمكنني اللجوء إليه؟ لم يسبق لي أن كتبت رواية، فلنجرب إذن.
واختل: هل حاولتِ بالفعل، في البداية، كتابتها كرواية نثرية عادية؟
كارسون: نعم، جرّبت طرقًا كثيرة. كتبت بالنثر، وبأنواع مختلفة من النثر. ثم جاء يوم كنت أعبث فيه بالأسطر، فتوصّلت إلى تلك الأبيات الثنائية التي تتناوب فيها الأسطر الطويلة والقصيرة، وبدا لي أن هذا الشكل ناجح، فواصلت الكتابة به. ثم تبيّن لي أن العمل بهذه الطريقة ممتع للغاية. أما قبل ذلك، فقد كان الأمر أشبه بالجحيم؛ فقرات نثرية كاملة. كنت أريد حقًا أن أكتب رواية، كما تعرف، رواية من طراز روايات آرثر هيلي، يقرؤها الناس في المطارات.
واختل: رواية من طراز آرثر هيلي؟
كارسون: أعني شيئًا ضخمًا وممتلئًا بالأحداث، وفيه الكثير من النشاط الذي يُفترض أنه رجولي. وبالطبع، لم أستطع كتابة شيء من هذا القبيل. لكن، على أي حال، انتزع الشكل الشعري نفسه من بين محاولاتي في نهاية المطاف، وكان من الواضح أنه الشكل الصحيح.
واختل: في سيرة ذاتية للون الأحمر، يصبح جيريون وهيراكليس عاشقين في العصر الحديث. ما الذي رأيتِه في الأسطورة القديمة وألهمك هذه القراءة؟
كارسون: لا شيء على الإطلاق. ففي الأسطورة القديمة، يذهب هيراكليس إلى هناك، ويواجه جيريون، ويقتله، وتنتهي الحكاية. لكن في مصادر قديمة أخرى، مثل الإلياذة، نجد إشارات إلى قدر من الحنان ذي الطابع الإيروتيكي المثلي. ويثير اهتمامي كيف يعمل هذا النوع من الحنان داخل الحكاية، وأردت أن أمنح جيريون جانبًا ممتعًا في حياته.
واختل: ثمة عبارة رائعة: «كانا أشبه بثعباني مَرْجان متفوّقين في قاع الحوض، وقد تعرّف أحدهما إلى الآخر كما تتعرّف الحروف المائلة بعضها إلى بعض». ما طبيعة الانجذاب الذي تخيّلتِه بينهما؟
كارسون: لعلّه غرابتهما المشتركة. أظن أن هذا هو سبب استخدامي الحروف المائلة. فكل الشخصيات الأخرى مكتوبة بحروف مستقيمة، ثم يظهر هذان الشخصان، مائلين عن السطر، فيلاحظ كلٌّ منهما ذلك في الآخر. إنها شرارة خاطفة، تحدث تلقائيًا.
واختل: تقدمين تصورًا آخر للحب في كتابك جمال الزوج. تصفينه بأنه مقالة تخييلية في تسع وعشرين رقصة تانغو. وفي أحد المواضع، تصف الزوجة في الحكاية علاقتهما بأنها نموذجية أو مثالية. بأي معنى كانت مثالية؟
كارسون: لأنها قائمة على الجمال. فالجمال مثال رومانسي يتحقق بطرائق مختلفة. أنت ترغب في الشخص الذي اخترعته في خيالك، لا في الشخص الموجود أمامك بالفعل.
واختل: لأن الشخص الموجود بالفعل يعرف «عن معركة بورودينو أكثر مما يعرف عن جسد زوجته». يا لها من عبارة رائعة!
كارسون: وجزء من جماله يكمن في ذلك أيضًا.
واختل: نحن أمام علاقة معقدة تصفينها هنا. فالزوج يكذب ويخون، لكنه لا يشعر بالخجل من ذلك. يقول إنه يحب زوجته، بل يقول إنه يريد أن يكون جديرًا بها. أي نوع من الحب يمثله الحب بالنسبة إليه؟
كارسون: ربما كان هذا الحب مثاليًا من وجهة نظره، بمعنى أنه يتصور نفسه فاعلًا لأفعال كاملة أو جميلة. لكنني لست متأكدة من أن الزوجة أو الرواية نفسها تعرفان ما هي نظرته إلى الأمر.
واختل: أو ما الذي يبحث عنه.
كارسون: أو ما الذي يبحث عنه، نعم. هناك بضعة مواضع في الرواية يحاول فيها البناء السردي أن يقدم الأشياء من وجهة نظر الزوج، لكن المنظور يصبح خارجيًا؛ فنحن نرى في الغالب ما يقوله وما يفعله، لا ما يفكر فيه.
واختل: وعلى الرغم من ذلك، تواصل الزوجة الحفاظ على العلاقة لسنوات. أي نوع من الحب تمثله العلاقة بالنسبة إليها؟
كارسون: أظنه حبًا يائسًا. إنه، في اعتقادي، ذلك النوع من الحب الذي نجده لدى هيراكليس وجيريون أيضًا: حب يقوم على لحظة الاعتراف الأولى بالآخر، حين تراه مكتوبًا بحروف مائلة، وتدرك أنك لا تستطيع أن تكون ذاتك المائلة من دونه. ولذلك عليك أن تحافظ على تلك العلاقة لأطول وقت ممكن.
واختل: مع أن ذلك يعني منح الآخر سلطة عليك.
كارسون: تلك هي مفارقة الحب، أليس كذلك؟ لكنني أعتقد، مرة أخرى، أن اليأس الكامن فيه يجعل المرء يشعر بأنه لا يملك خيارًا آخر.
واختل: من المنعش أن نسمع الزوجة تعترف بأنها لم تخجل من القول إنها أحبت زوجها لجماله. لسبب ما، كثيرًا ما نتردد في الاعتراف بسطوة الجمال علينا.
كارسون: أليس هذا غريبًا؟ ففكرة أن الجمال هو ما يجعل الحب يحدث متجذّرة إلى حد بعيد في الثقافة الغربية كلها. وحتى إن لم يكن الشخص جميلًا، فإنك تقنع نفسك بأنه كذلك.
واختل: وتقتبسين مقطعًا من كيتس قبل كل رقصة تانغو، أو كل قسم من الكتاب. وكيتس هو، بالطبع، صاحب العبارة الشهيرة: «الجمال حقيقة، والحقيقة جمال». كيف يدلّ الجمال على الحقيقة؟
كارسون: لا أعتقد أنه يدلّ عليها. أرى أن هذه الفكرة برمّتها خطأ كبير، لكن الإيمان بها ينطوي على قوة هائلة. فكثير من القرارات التي نتخذها في الحياة، ولا سيما في سنواتها الأولى، حين تكون مشاعر المراهقة في أوجها، تقوم على الخلط بين الاثنين؛ إذ نعتقد أن الشخص الجميل صادق أيضًا، وأن المشاعر التي يثيرها الجمال تقودنا إلى الحقيقة. لكنني لا أعتقد أن الأمور تسير على هذا النحو في العادة.
واختل: وبالتأكيد لا يحدث ذلك مع هذا الزوج الجميل.
كارسون: لا.
واختل: لا أريد أن أفترض أن الكتاب سيرة ذاتية، لكن هل أدخلتِ شيئًا من تجربتك الشخصية في جمال الزوج؟
كارسون: بعضًا منها. لكن التجربة خضعت لكثير من التلاعب والصقل والتجميل، إذا جاز لي أن أقول ذلك بصراحة.
واختل: هل أخذ زوجك الأول دفاترك؟ وهل أعادها إليك؟ هذا ما أريد أن أعرفه.
كارسون: نعم، أخذها. وفي نهاية المطاف، أعادها بالفعل.
واختل: أحيانًا يروي الشاعر، أو الزوجة في الكتاب، حكايته لمستمع يخاطبه بضمير «أنت». هل تقصدين شخصًا بعينه؟ من هو هذا الـ«أنت»؟
كارسون: ليس شخصًا بعينه. إنه ضمير المخاطب العام في الشعر الغنائي. أظن أن كاتولوس هو من ابتكر هذا الاستخدام عند الرومان؛ إذ يكون المخاطب أحيانًا بلا اسم، شخصيةً تتشكّل بالتوازي مع تشكّل القصيدة، أشبه بمستمع مثالي.
واختل: وهل بدأ ذلك مع كاتولوس؟ لأنك محقّة، فهذا بالتأكيد من أعراف الشعر الغنائي.
كارسون: لقد استخدمه على نطاق واسع، وربما أخذه عن سافو.
واختل: قرب نهاية جمال الزوج، تقارن الزوجة بين نظرتها السابقة إلى الجمال، وفكرتها الأولى عنه التي كانت نقية، وبين تجربتها اللاحقة معه. في السابق، كانت تريد أن تتعرّف إلى الجمال من دون أن ترغب فيه. أما الآن، فنصيحتها هي: «تمسّك بالجمال، تمسّك به». ما الذي تغيّر لديها؟
كارسون: أظن أن ما تغيّر هو إحساسها بالمكان الذي تقف فيه إزاء هذه المسألة برمّتها. إنها تستطيع أن تتمسّك بالجمال ما دامت لا تحتاج إليه.
واختل: وهذا يرتبط بعدم الرغبة في أن ترغب.
كارسون: نعم، إنه يرتبط بالتخلّص من اليأس الذي كان يحيط بالرغبة.
واختل: لكن الزوجة تتساءل في أحد المواضع عما يعنيه ألّا ترغب في الرغبة. ويمكن أن نربط ذلك بنوع من الحرية، لكن الأمر يبدو، من ناحية أخرى، أشبه بالاستسلام.
كارسون: أشبه بنوع من الموت الداخلي.
واختل: استسلام تام، أو شيء من هذا القبيل.
كارسون: أو انكفاء كامل إلى الداخل. لا أعتقد أن هذا هو الموضع الذي تريد أن تنتهي إليه. لكنني أظن أن النص يترك السؤال مفتوحًا: هل تنتهي هناك فعلًا أم لا؟
واختل: في كتابك الأحدث، التفكيك (Decreation)، تقولين إن أقدم ذكرى لديك هي حلم. هل يمكنك أن تصفيه لي؟
كارسون: نعم، بالطبع. كان حلمًا بأنني نائمة. حلمت بأنني نائمة، ثم نزلت الدرج في بيتنا إلى غرفة المعيشة. كانت الغرفة هي نفسها التي أعرفها في النهار، لكنها كانت قد تغيّرت كلها أيضًا، على نحو غريب لا يمكن الإمساك به أو تحديده.
واختل: كم كان عمرك تقريبًا آنذاك؟
كارسون: ثلاث سنوات.
واختل: آه، حسنًا.
كارسون: لا أعرف كيف أصف ذلك التغيّر. كيف يمكن لغرفة أن تتغيّر، ومع ذلك تظل الغرفة نفسها؟ لكن حين عدت إلى ذلك الحلم في وقت لاحق، بدا لي أنني كنت أتخيّل غرفة أصابها الجنون؛ الغرفة ذاتها، لكنها جُنّت من داخلها.
وأظن أنني وصلت إلى هذا الفهم لأن شيئًا شبيهًا حدث لأبي؛ فقد أُصيب بالخرف، وظل هو الشخص نفسه، ومع ذلك تغيّر من الداخل تغيرًا جذريًا. بدا لي أن الغرفة قد مرّت بذلك التحوّل الغريب نفسه.
واختل: ومع ذلك، تقولين إنه رغم العنصر المخيف في الحلم، كان فيه شيء يبعث على العزاء.
كارسون: مع ذلك، ظلت الغرفة هي الغرفة نفسها. أعني أنه حتى لو أصيب أبوك بالجنون، فإنه يظل أباك، وتريدين، كما تعرفين، أن تحاولي مواصلة الحديث معه. ثمة شيء في المألوف لا غنى عنه على الإطلاق، مهما بلغ ما يطرأ عليه من غرابة.
واختل: تقولين في قصيدة «سترة أبي الزرقاء القديمة»: «كانت قوانينه سرًّا». كيف كان أبوك؟
كارسون: كان شديد الهدوء، ولم يكن يشرح نفسه كثيرًا. لم تكن بيننا أحاديث كثيرة طوال حياتنا. لكنني كنت أحبه كثيرًا بوصفه إنسانًا. لم تكن أذواقنا أو طموحاتنا الفكرية متشابهة على الإطلاق، لكن كان لدينا الحس الفكاهي نفسه؛ كنا نحب النكات السخيفة ذاتها، وهذا رابط جميل بين شخصين.
واختل: هل كنتِ تجدين، أو ما زلتِ تجدين، عزاءً في تلك السترة؟
كارسون: نعم، ما زلت أحتفظ بها، وأرتديها في الشتاء. لطالما أحببت تقليده، لكنني أحب تلك السترة على نحو خاص.
واختل: كيف كنتِ تقلّدينه؟
كارسون: آه، بأن أرتدي أحذية من النوع نفسه الذي كان يرتديه، وأحاول أن أمشي مثله، أو، نعم، بأن أكون... لا أدري... رجوليةً ومتحفّظةً في التعبير عن نفسي.
واختل: وكان يعمل في أحد المصارف؟
كارسون: نعم، كان مديرًا لأحد المصارف في مدن مختلفة من أونتاريو.
واختل: وهذا يعني أن الأسرة كانت تنتقل من مكان إلى آخر كثيرًا.
كارسون: نعم، كنا ننتقل كثيرًا. لا أدري، ربما ست أو سبع مرات.
واختل: ست أو سبع مرات، خلال...؟
كارسون: خلال طفولتي، أعني على امتداد تلك السنوات كلها.
واختل: هل كان ذلك صعبًا عليكِ؟
كارسون: أظن أنه كان صعبًا. لم أكن أحب أن أترك أصدقائي، لكنني أعتقد أن المرء يتعلم تدريجيًا أن يخفّف قليلًا من تعلّقه بالآخرين، وربما كان ذلك أمرًا جيدًا.
واختل: حقًا؟
كارسون: نعم.
واختل: يبدو هذا كلام شخص تعلّم، بعد مشقة طويلة، أن ذلك كان مفيدًا حقًا.
كارسون: ربما كان الأمر كذلك. على أي حال، لقد تعلّمت ذلك بالفعل. وقد قادني هذا إلى السيدة كوان، فكان ذلك أمرًا جيدًا.
واختل: تقولين إنك لم تتحدثي كثيرًا مع أبيك، لكنه كان يحب الأرقام.
كارسون: كان دائمًا يجري حساباته على المناديل الورقية، لأنه كان مديرًا لمصرف. وأظن أن لذلك علاقة أيضًا بأنه أُسقطت طائرته في الحرب، وقضى فترة في معسكر للأسرى، نحو عام. لم يمرّ بتجارب مروّعة هناك، لكنه، بالتأكيد، كان يشعر بملل قاتل. ومن بين الأشياء التي كانت معه، لسبب ما، كتاب في المحاسبة. فأمضى وقته في حلّ جميع المسائل الواردة فيه.
وقد نشأت لديه، نتيجة لذلك، عادةٌ تتمثل في أنه كلما وجد وقتًا فارغًا، أخذ يعبث بمسائل الجبر على منديل ورقي. وهكذا، كانت جميع المناديل في بيتنا، أو في المطاعم حين نذهب إليها، مغطاة بأرقام صغيرة مكتوبة بخط يده. أما أنا، فلم أكن بارعة في الرياضيات قط.
واختل: وهل تعتقدين أن الأرقام كانت تثير اهتمامه لأنه أراد في الأصل أن يصبح مهندسًا؟
كارسون: أظن ذلك. فالمهندسون يستخدمون الرياضيات كثيرًا. وكانت الأرقام تمنحه شعورًا بالتمكّن والسيطرة.
واختل: حين تقولين إنك أردتِ أن تكوني مثله، في ذلك الصمت والأسلوب الرجولي المتحفّظ، فإن هذا هو النقيض تمامًا لأوسكار وايلد.
كارسون: أظن أن أوسكار وأبي كانا سيُعجب أحدهما بالآخر، باعتبارهما وحشين مختلفين. لكن نعم، هذا صحيح، فهما يمثلان نمطين مختلفين. كان أبي نموذجًا أعمق بالنسبة إليّ. وأعتقد أن أوسكار وايلد كان، ربما، مرحلة من مراحل التمرّد على أن أكون مثل أبي. كنت أتمرّد ثم أعود عن تمرّدي، لكنني ظللت في أعماقي أريد أن أكون مثل أبي.
واختل: يبدو أنك كنتِ شديدة القرب من أمك.
كارسون: ربما. لم نكن من النوع نفسه من البشر، لكننا اقتربنا إحدانا من الأخرى. ومع ابتعاد الآخرين عن حياتنا تدريجيًا، ازددنا قربًا.
واختل: تقصدين اختفاء أخيك.
كارسون: وموت أبي، نعم. لقد بدأ أبي يختفي من حياتنا قبل أن يموت. وقد أمضينا معًا وقتًا طويلًا من ذلك النوع الذي يسمّونه «وقتًا نوعيًا»، لأن الظروف فرضت علينا ذلك.
واختل: حين تقولين إنك وأمك لم تكونا من النوع نفسه، وإن أمك ليست الأم التي تظهر في سيرة ذاتية للون الأحمر، فأي نوع من الأشخاص كانت أمك؟
كارسون: أي نوع من الأشخاص كانت؟ كانت محبطة. وكانت ذكية جدًا؛ ففي المرحلة الثانوية فازت بميدالية اللغة اللاتينية بين خريجي دفعتها، وكان بإمكانها مواصلة الدراسة الجامعية، لكنها اضطرت إلى العمل. فقد مات والدها، وكانت الأسرة بحاجة إلى دخل، فحصلت على وظيفة سكرتيرة في وكالة تأمين.
أعتقد أن فقدانها فرصة مواصلة مسارها الفكري ظل مصدر إحباط لها طوال حياتها. ولذلك عشنا حياتين مختلفتين تمامًا؛ فقد سلكتُ أنا ذلك المسار الفكري، وكانت معجبة بي لأنني استطعت ذلك، لكنها، على ما أظن، كانت تشعر بشيء من... لا أدري. كان في الأمر نوع من الوحدة. كانت تشعر بقليل من الحنين إلى الشخص الذي كان يمكن أن تصبحه لو أن مصيرها اتخذ منحًى آخر. لم يكن لدينا الكثير مما نتحدث عنه، لكننا تصالحنا تدريجيًا مع هذا الأمر.
واختل: هل كانت تقرأ كتبك؟
كارسون: كانت تقرأ الفصل الأول عادةً، ثم تطوي زاوية الصفحة، وتضع الكتب كلها على رف قرب الباب. كانت تفخر بعرضها على الناس، لكنني لست متأكدة من أنها قرأت أيًّا منها حتى النهاية.
واختل: ثمة عبارة في كتاب التفكيك تصف الأم بأنها «حب حياتي».
كارسون: أعتقد أنها أصبحت كذلك في السنوات التي أصيب فيها أبي بالاضطراب العقلي، ولم يكن أخي موجودًا. لقد خضنا معًا صراعات كثيرة، حتى أصبحت أهم شخص في حياتي.
واختل: كانت أمك كاثوليكية رومانية، وتقولين إن ذهابك إلى الكنيسة، أو ذهابك إليها في الماضي، كان يرجع جزئيًا إلى العادة. هل ما زلتِ تذهبين إليها؟
كارسون: لا، لم أعد أذهب. لا أستطيع تحمّل الأمور البابوية عمومًا.
واختل: لكنكِ كنتِ تذهبين إلى الكنيسة من قبل.
كارسون: نعم، كنت أفعل. كنت أجد عزاءً كبيرًا في الذهاب معها. كانت عادة تجمعنا. كانت مؤمنة. وأحيانًا يكون هذا كافيًا لمنحك العزاء، كما تعلمين: أن تكوني مع شخص مؤمن، وأن تشاركيه الطقوس.
واختل: وأن تشمّي رائحة معطفها.
كارسون: وأن أشمّ رائحة معطفها!
واختل: هناك شيء في ذلك أستطيع أن أتفهّمه تمامًا. لا أعرف إن كان الأمر يتعلق بشتاء كندا أم بشيء آخر، لكن...
كارسون: نعم، ما زلت أتذكّر ذلك المعطف. كان معطفًا من الفرو الصناعي، وكنت أُسند رأسي إليه طوال الوقت، بينما يواصل الكاهن تلاوته الرتيبة.
واختل: من الكتب التي تلقيتِها وأنتِ فتاة صغيرة جدًا نسخة من كتاب سِيَر القديسين. وكان ردّ فعلكِ تجاهه مثيرًا للاهتمام.
كارسون: أردتُ أن آكله. ما زلت أتذكّر كم كانت صفحاته شهية. لا أعرف إن كان كتابًا مطبوعًا بطريقة خاصة، أم أنني لم أكن قد رأيت من قبل كتبًا كثيرة تزخر بالألوان. لكن كان لكل قديس تاج أو إكليل على رأسه، ونوع من العباءات المعقّدة، بألوان مختلفة كلها، وكانوا يشبهون حلوى الجيلي. أردتُ فقط أن أحشو فمي بهم.
واختل: هل تعتقدين أن ثمة دلالة في كون القديسين هم الذين أردتِ أكلهم؟
كارسون: ليس على نحو خاص. أظن أن الأمر لم يتجاوز مصادفة أن ذلك كان هو الكتاب الذي أملكه.
واختل: في قصيدتكِ «ديني» تقولين: «ديني لا معنى له ولا يساعدني، ولذلك ألاحقه». كُتبت القصيدة قبل نحو عشرين عامًا، لكن فكرة الله تتسرّب إلى بعض أعمالك الأخرى. فهل ما زلتِ تسعين إليه؟
كارسون: ليس على نحو مباشر كما كنت أفعل آنذاك. في ذلك الوقت كنت أدرّس مقررًا عن هذا النوع من البحث، وكنت مهتمة بكتابات متصوفة مختلفين. أمضيت سنوات أبحث في ذلك المجال، لكنني لم أجد، في نهاية المطاف، أنه المكان الذي أستطيع أن أفكّر فيه بأفضل ما لديّ.
واختل: ما تصوّركِ لله؟
كارسون: لم يعد لديّ أي تصوّر عنه على الإطلاق. ربما كان لديّ واحد ذات يوم، أو على الأقل تصوّر لفكرة أن المجهول يكوّن مناخًا إلهيًا، لكنني لم أعد أعرف حتى إن كان هذا التصوّر راسخًا في داخلي.
واختل: لأن إحدى شخصيات السيرة الذاتية للأحمر تقول إنها متشككة، فيسألها جيريون: «أأنتِ تشكّين في الله؟» فتجيبه: «الأدق أنني أنسب إلى الله رجاحة العقل التي تجعله يشكّ فيّ».
كارسون: تلك لحظة على طريقة أوسكار وايلد. أنا فعلًا أنسب إلى الله هذه الصفة. لكنني لا أظن أنني سأذهب في هذا الأمر إلى أبعد من حكمة ساخرة سطحية. فهذا ببساطة ليس موهبتي.
واختل: أشرتِ إلى أن الانتباه شكل من أشكال الصلاة، وأن الانتباه إلى حقيقة المرء يتيح له أن يتجاوز حدود ذاته، ثم ينطلق من هناك إلى ابتكار عمل فني. هل يمكنكِ أن تصلي هذه الحلقات بعضها ببعض، وأن تخبريني أكثر كيف تجري هذه العملية؟
كارسون: نعم، حسنًا، ربما أستطيع. لا أتذكر متى كتبت ذلك، ولا ما الذي كنت أعنيه به آنذاك، لكنني أدرس جون كيج في الآونة الأخيرة، وأظن أن هذا أحد الأمور التي أقدّرها فيه كثيرًا: أنه يتحرك، أو يحاول أن يتحرك، نحو موضع من السكون التام والانتباه داخل ذاته. يقول: «أريد أن أُزيح كلَّ ما هو أنا من الطريق، لكي أبدأ في إنجاز ما سيقتضيه العمل». وهذه معركة مستمرة: أن أُزيح كلَّ ما هو أنا من الطريق.
واختل: أتقصدين أنكِ أنتِ؟ هل ترغبين في التخلّص من الأنا؟
كارسون: نعم، أرغب في ذلك.
واختل: لكن الأنا تومض في أعمالكِ وميضًا مثيرًا للاهتمام.
كارسون: غير أن إبقاءها عند مستوى الوميض أمر صعب. فهي تميل إلى الاستيلاء على كل شيء، وتصبح المبدأ الوحيد الذي يحكم التفكير. أريد أن أفكّر في شيء آخر. الحياة قصيرة.
واختل: أليس هذا ما تمنحكِ إياه دراسة الكلاسيكيات، ولا سيما الترجمة عن اليونانية واللاتينية، لأنها تُخرجكِ بعيدًا عن ذاتكِ؟
كارسون: بلى، لكن أي شيء يمكنه أن يفعل ذلك... أعني، حتى النظر إلى قلم رصاص قد يتيح لكِ ذلك. المسألة لا تعدو أن تجعلي ذهنكِ يركّز على ذلك الشيء، أو على ذلك السؤال، أو على أي شيء تختارين اعتباره سؤالًا. الترجمة، نعم، عملية مثالية لهذا الغرض، لأنها واسعة إلى حدّ أنها تستغرق يومكِ كله، لكن يمكنكِ فعل ذلك أيضًا بأشياء صغيرة جدًا.
واختل: كيف؟
كارسون: حسنًا، بالنظر إلى حجر، مثلًا. أعني أن الانتباه هو اختيار الموضع الذي تضعين فيه ذهنكِ.
واختل: وأن تنظري إلى حجر إلى الحد الذي تنسين معه أنكِ تنظرين إليه.
كارسون: نعم، بالضبط. أحسنتِ التعبير.
واختل: في كتابكِ ماء صافٍ، تكتبين: «سأفعل أي شيء كي أتجنب الملل. إنها مهمة العمر كله». فهل تنتصرين؟
كارسون: حتى الآن، نعم.
واختل: هل تشعرين بالملل بسهولة؟
كارسون: لا أظن أنني أشعر بالملل بسهولة، لكنني أخشاه.
واختل: لماذا؟
كارسون: إلى حدّ كبير لأنه الحالة التي تجاور الموت.
واختل: آه، لأن بعض الناس يرون فيه حالةً بورًا، أشبه بمرحلة أولية تسبق الإبداع.
كارسون: كان جون كيج سيرى الأمر على هذا النحو. لقد سعى جون كيج إلى الملل، لكنني لم أبلغ هذه الدرجة من التطوّر الروحي. أنا أخشاه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الكاتبة والمذيعة إليانور واختل تحب الكتب ومؤلفيها، وقد استطاعت أن تكسب عيشها من مشاركة الآخرين هذا الشغف. نُشرت خمسة مختارات من مقابلاتها، منها استنارات عابرة، وهي مجموعة من التأملات والمراسلات والمحادثات مع كارول شيلدز؛ وعقول أصيلة؛ وكذلك أفضل ما في «الكتّاب وشركتهم»، الذي صدر بمناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على البرنامج.
.jpeg)