آن كارسون — شاعرة الروحانيات و"الأشياء الصغيرة" — تفوز بجائزة نوبل.
بقلم: جي ميخائيلسون
ترجمة وتعريب عن الإنجليزية: د. يوسف حنا
آن كارسون، التي مُنحت اليوم جائزة نوبل في الأدب، شاعرةٌ قد تبدو عصيّة على القراءة. فكثير من أعمالها يتّسم بالعمق المعرفي، والتعقيد، واستعصائه على التصنيف الأجناسي؛ فهي تكتب الشعر والنثر والنقد والترجمة، وتكتب أحيانًا ما يشبه علمَ لاهوت. لكن أعمال كارسون تنطوي أيضًا على روحانية عميقة، وتمنح قارئها ثراءً بالغًا، ولا سيما أولئك الذين يميلون منا إلى التأمل، وإعمال الفكر، والكآبة، وإلى ما وصفته كارسون ذات مرة بمهمة الكاتب: "ملاحظة الأشياء الصغيرة".
لأعمال كارسون وجوهٌ عديدة، وزوايا كثيرة يمكن النظر من خلالها إلى تجربتها. وُلدت عام 1950، وتلقّت تكوينها الأكاديمي في الدراسات الكلاسيكية، وأمضت جانبًا كبيرًا من مسيرتها في تدريس اليونانية القديمة. وإلى جانب ترجماتها لأعمال سوفوكليس وسافو وغيرهما، تتشبّع قصائدها الخاصة بالإحالات إلى التراث الكلاسيكي. أما مقالاتها، التي تتناول طيفًا واسعًا من الموضوعات، فتتّسم بدورها بسعة المعرفة وثرائها. وقد كتب كثيرون عن هذه الجوانب من تجربتها.
أما أنا شخصيًا، بوصفي قارئًا يميل إلى التأمل، فقد وجدت فيها نموذجًا يُحتذى به، أدبيًا وروحيًا على السواء. وأستخدم كلمة "الروحانية" بشيء من التردّد؛ إذ أشكّ في أن كارسون قد تستسيغها كثيرًا. وما أعنيه بها ليس استنبات مشاعر دافئة بعينها، بل اختيار الانتباه إلى الأشياء بطريقة مخصوصة، تنفذ إلى سطوحها وأعماقها معًا؛ ورفض تلك الثنائية المبتذلة التي تفصل العقل عن القلب؛ والإقامة في باطن التجربة، ذلك الباطن الذي ينبثق، على نحو مفارق، من "ملاحظة الأشياء الصغيرة".
وحين تتناول كارسون الموضوعات الدينية والروحية بصورة مباشرة — وقد نشأت في كنف أسرة كاثوليكية — فإنها تتفوّق، ربما أكثر من أي كاتب آخر قرأت له، في تفادي الكليشيهات والصيغ المبتذلة التي تجعل الكتابة عن "الروحانية" مهمةً بالغة الصعوبة.
وتبدأ قصيدتها الطويلة، "الحقيقة عن الله"، المنشورة عام 1992، بهذه العبارة:
"ديني لا يستقيم مع المنطق،
ولا يمدّني بالعون،
لذلك أظلّ أسعى إليه.
وحين نرى
كم كان الأمرُ أيسرَ مما ظننّا،
سنجلد أنفسنا
جلدًا لا هوادة فيه."
لا أظنّ أنّ كارسون تتحدّث هنا بالمعنى المألوف؛ إنّنا سنعمل أولًا، ثم نفهم. لكنّه شكلٌ تأمّليّ من هذا الموقف؛ إنّه نزوعٌ تعبّديّ نحو خصوصيّة الأشياء وما تنطوي عليه من فرادة. وفي مقطعٍ آخر من القصيدة، يحمل عنوان "عدالة الله"، تكتب:
"في البدء، كانت هناك أيّامٌ خُصّصت لمهامّ شتّى.
وفي اليوم الذي كان عليه أن يخلق فيه العدالة،
انشغل الله بصنع يعسوبٍ،
وفقد الإحساس بالوقت.
كان طوله نحو بوصتين،
وعلى امتداد ظهره
نقاطٌ بلون الفيروز،
مثل لورين باكال."
.
لهذا، إذن، لا عدالة في العالم، أو لعلّ هذا هو السبب الذي يجعلنا نواصل السعي إليها، مهما يكن: لأنّ الله كان منشغلًا إلى حدّ الاستغراق بالجمال. والشاعر أيضًا يستغرقه ما يلهيه؛ فبقيّة القصيدة تدور حول اليعسوب. (ومثل ماري أوليفر، تُعدّ كارسون شاعرةً ساميةً في شعر الطبيعة).
وهذا، في واقع الأمر، ما يصدق على عالمنا أيضًا؛ فإلى جانب كلّ الشرور والمظالم التي شهدتها السنوات القليلة الماضية، يظلّ تلألؤ أغصان الأشجار في النسيم، وانكسار الضوء وهو يتشظّى في أرجاء مكتبي، محتفظَين بوقعهما في النفس، كما كانا دائمًا.
حين سمعتُ نبأ فوز كارسون بجائزة نوبل، صادفتُ منشورًا لمارتن كافكا، الأستاذ في جامعة ولاية فلوريدا، الذي أعرفه منذ سنوات طويلة، واكتشفتُ أنّه هو أيضًا من المعجبين بكارسون. وكما حدث معي، غمره الابتهاج لدى سماع الخبر، فتبادلنا الحديث لبعض الوقت.
قال لي كافكا: "أحيانًا، نفكّر في الشعر بوصفه شيئًا يعبّر عن حقيقة العالم كما هو، وينفذ إلى غموضه ليمنحنا معرفةً حقيقية. لكنّ شعر كارسون، بالنسبة إليّ، بما فيه من إعادة تركيب غريبة للكلمات، يعبّر عن شعورنا المتكرّر بأنّنا لسنا على انسجام مع العالم، حين نحاول إقامة صلة به؛ كأنّه سيظلّ عصيًّا على الفهم إلى الأبد، وكأنّ غموضه موجود فحسب لكي يتحدّانا ويستفزّنا".
وتابع كافكا: "نعرف جميعًا أنّنا حين نشعر بأنّنا لسنا على انسجام مع العالم، فإنّ أصحاب السلطة يجعلوننا نشعر بأنّ الخطأ خطؤنا نحن. وهذا ينطبق على المرجعيات الدينية؛ فالنصوص اليهودية، مثلًا، توحي لنا، في ضوء ما جاء في سفر التثنية، بأنّنا المسؤولون عن تعثّرنا حين لا تزدهر حياتنا. وينطبق الأمر أيضًا على السلطات السياسية والتربوية. تمنحنا كارسون درعًا نقي به أنفسنا في مثل تلك اللحظات...
"وكثيرون منّا، نحن الذين تلقّينا تعليمًا عاليًا، وربّما مفرطًا، نُولي التركيبَ والتجميعَ قيمةً أكبر مما يستحقّان، ولا نمنح الجمال ما يكفي من الاهتمام. أشعر، كلّما قرأتُ لها، بأنّها تعيد ضبط توازني، كما لو أنّني خرجت لتوّي من جلسة علاج لدى اختصاصيّ في تقويم العمود الفقري العاطفي".
أحبّ هذه الرؤية كثيرًا.
لا شكّ أنّ كارسون كاتبةٌ ذات نزعةٍ معرفية نخبوية، بل تكاد تكون مولعةً بالتفاصيل الفكرية. أعمالها فكرية، كثيفة، وأحيانًا عصيّة على الفهم. (وأجدني أعود مرّة أخرى إلى كلمة "غزيرة المعرفة").
لكنّ ذلك لا يأتي على حساب العمق العاطفي.
ففي مقالة حديثة، على سبيل المثال، تتناول كارسون خسارتها المفجعة لقدرتها على الكتابة بخطّ مقروء، بسبب مرض باركنسون؛ لكنها، في سياق حديثها عن هذه الخسارة، تنتقل بين الشاعر الروماني كاتولوس، والرسّام ساي تومبلي، والمؤلّف الموسيقي ديفيد لانغ، والطبيب النفسي نورمان دويج، فضلًا عن رولان بارت، وجون كيتس، وجون كيج، وغيرترود شتاين، كما تتحدّث عن حضورها حصةً لتدريب الملاكمة مخصّصةً للمصابين بمرض باركنسون.
وفي هذه المقالة، تكتب:
[ لنبدأ بالحياة، بحياتك أنت. ها هي أمامك؛ قد تكون طريقًا، أو شريطًا ممتدًّا، أو خطًّا منقّطًا، أو خريطة. لنفترض أنّك في الخامسة والعشرين، ثم تتّخذ بعض القرارات، وتفعل أشياء، وتواجه انتكاسات، وتحقّق انتصارات، وتصبح شخصًا ما: سائق حافلة، أو أستاذًا جامعيًّا، أو قرصانًا. تمرّ السنوات، وربّما تعيش في كنف أسرة، وربّما لا؛ وربّما تكون سعيدًا، وربّما لا. ثم تستيقظ ذات يوم، فتجد نفسك في السبعين.
وأنت تستشرف ما أمامك، ترى مدخلًا أسود.
تبدأ بملاحظة أنّ هذا المدخل الأسود كان حاضرًا دائمًا، عند الحافة، سواء نظرت إليه أم لم تنظر. إنّه كامن في معظم اللحظات؛ ففي قاع الكأس، في معظم الأحيان، تستقرّ طبقةٌ مترسّبة من ذلك المدخل الأسود.
تتساءل إن كان الآخرون يرونه هم أيضًا. تسألهم، فيقولون: لا. تسألهم: لماذا؟ فلا أحد يستطيع أن يجيبك.
قبل دقيقة واحدة فقط، كنت في الخامسة والعشرين. ثم مضيتَ في طريقك، تسعى إلى الحياة التي تريدها. وذات يوم، ألقيتَ نظرةً من هناك، من الخامسة والعشرين، إلى حيث تقف الآن، فإذا بالمدخل هناك: أسود، ينتظر.]
وبالمثل، فإنّ قصيدة كارسون المفضّلة لدى كافكا، "ميلاد مجيد من هيغل" (Merry Christmas from Hegel)، تبدأ بقول الشاعرة إنّها "تعيسةٌ، غارقةٌ في الوحدة، وقد ماتت عائلتي كلّها".
[كان ذلك العام الذي مات فيه أخي. كنت أعيش في الشمال، ولم يكن لديّ سوى أصدقاء قلائل، أو لعلّهم جميعًا رحلوا عنّي. في يوم عيد الميلاد، كنت أجلس على مقعدي الوثير، أقرأ شيئًا عن هيغل.]
لكنّها لا تبقى جالسةً في مقعدها الوثير. إذ تشعر بفرحٍ غامر إزاء لغة هيغل، وإزاء "هذا التصوّر لفضاءٍ فلسفيّ تنساب فيه الكلمات، وتعيد كلٌّ منها تعريف الأخرى برفق، في حركةٍ متبادلة". ثم تخرج إلى العراء، وتقف في الثلج:
[ذهبتُ إلى قلب غابة. كانت أشجار التنوب، معلّمات هذا الدرس، تحيط بي من كلّ جانب. كانت الحرارة عشرين درجة تحت الصفر، والريح تعصف في الخارج، لكنّ الريح لا تنفذ إلى داخل الأشجار.
كان العالم يطرح نفسه طبقةً بعد طبقة. اختفت الأصوات الخارجية، كضجيج حركة المرور وصوت جرف الثلج. وأخذت الأصوات الداخلية تنكشف: تشقّقات، تنهّدات، ملامسات رقيقة، أغصان صغيرة، أنفاس طائر، وأظافر أقدام سنجاب.
كانت أشجار التنوب تتحرّك بحركة هائلة. وكان البياض منحنياً بانسيابٍ كامل، مذهولاً بذاته. تصاعدت نفثاتٌ من ضباب جليدي، وأشياء ذهبية صغيرة أخذت تطفو في الهواء. وكانت الظلال تمشّط سكونها فوق الثلج، فيما ترتجف عليها ظلالٌ أخرى تتحرّك عرضيًّا، ظلٌّ فوق ظلّ، بسرعاتٍ دقيقة ومحسوبة.
كان البرد شديدًا؛ ثم بدأ هذا أيضًا يتلاشى، كأنّ العالم يطرحه عنه طبقةً أخرى. كان سطح الجسد يرتجف من البرد، لكنّ لُبَّه ظلّ دافئًا، وصار في الإمكان الانفصال عن السطح، والانسحاب إلى اللُّبّ، حيث يتدفّق سلامٌ آسِر، آسِرٌ إلى حدّ أنّني لا أتحرّج من استخدام كلمة "آسر".
ولم يكن ذلك سلامًا ينشأ من الانفصال عن الحواس، بل سلامًا يغمر الكيان ويعبره، سلامًا يتدفّق عبر النظر والإصغاء والإحساس، عند اللُّبّ الأعمق للثلج، عند اللُّبّ الأعمق للعناية بالثلج.]
هذا هو عزاء الحياة الفكرية، بمعناها الأسمى: فاللغة الفلسفية المستغلقة لدى هيغل تحرّر الشاعرة من كآبتها، وتدفعها إلى الخروج نحو الغابة، حيث تختبر حضورًا مهيبًا يتجاوز المألوف، حضورًا ذا جلالٍ خفيّ، تصوغه بنثرٍ ملموس كامل، يخلو من أيّ عبارة مبتذلة من عبارات الكتابة الدينية أو الروحية.
وقال كافكا عن هذا العمل: "تعلّمتُ منها كيف أكون أرملًا؛ كيف أقيم صلتي بالعالم على نحوٍ لا يجعل الموت سيّدًا على وجودي".
يسعدني أن تكون كارسون قد فازت بجائزة نوبل، ليس فقط لما تستحقّه من تقدير (ومال أيضًا!)، بل لأنّ هذه الجائزة قد تكسبها قرّاءً جددًا، ومن بينهم أناسٌ من عالم الروحانية، الذي يحتلّ فيه "الانتباه إلى الأشياء وملاحظتها" لدى كارسون موقعًا محوريًّا في حياتنا الدينية.
وسأترك لها الكلمة الأخيرة، مرّةً أخرى، مقتبسًا إيّاها من قصيدتها "الحقيقة بشأن الله:
[عملُ الله
ضوءُ القمر في المطبخ علامةٌ من علامات الله.
ذلك الحزن الذي يشبه أنبوبَ شفطٍ أسود،
ينتزعك من سُرّتك،
والذي يسمّيه البوذيون
"انعدامَ غطاء العقل"،
هو علامةٌ من علامات الله.
الممرّات المسدودة التي تمتدّ بمحاذاة الحديث البشري،
كأنّها رموشٌ تضرب،
هي علامةٌ من علامات الله.
سكينةُ الله ذاتها علامةٌ من علامات الله.
الرائحةُ الباردة على نحوٍ مفاجئ،
رائحةُ البطاطا أو النقود.
قطعٌ صلبة من الصمت.
من هذه العلامات المتنوّعة،
يمكنك أن ترى
كمّ العمل الذي ما زال ينتظر الإنجاز.
ضَعْ حُزنك جانبًا؛
فهو رداءٌ من أعباء العمل.]
