مدينة الرسل
مختارات من شعر آن كارسون
ترجمة سارة حامد حواس
1-(بَلدَةٌ على الطَّريقِ وسطَ غاباتِ الله)
.
قُل لي
هل رأيتَ يومًا غاباتٍ بهذا العُمقِ.
حتَّى إنَّ
كُلَّ شجرةٍ كلمةٌ، فيتوقَّفُ قلبُك؟
رأيتُ ذات مرَّةٍ غيمةً فوقَ بوليفيا، من فرطِ عُمقِها
كانت الجبالُ ترتجفُ تحتَها
هل حدثَ ذلك لك يومًا؟
أن تنظُرَ إلى الداخلِ خاطفًا فتبصرُ السرَّ
الكلمةَ التي تختبىءُ في الكلمةِ؟
كما في عربةِ قطارٍ مهجورةٍ.
ذات عصرٍ في الشتاءِ
رأيتُ
.
2-(يا نشوةَ الحُبِّ الصغيرة الحزينة)
.
أحبُّ أن أكُونَ معَكَ طَوالَ الليلِ
مُغمضةَ العينيْنِ.
يا للحظِّ—ها أنتَ هُنا
قادمًا
على امتدادِ النُّجُومِ!
قطعتُ رحلةً طويلةً
في أنحاءِ عقلي وقلبي
وإذا بكَ
هناكَ
راكعًا عندَ حافَّةِ الطَّريقِ
معكَ أدواتُكَ الصَّغِيرةُِ
تُصلِحُ شيئًا ما.
امنحْني عالمًا
فقد أخذتَ العالمَ الذي كُنتُهُ.
3-(ما أفْظَعَ البَشَرِ إذا أحبُّوا)
ما أفْظَعَ البشَرِ إذا أحبُّوا
تراهُم يُقبِلُونَ إلى بعضِهِم جائعين
كذئابٍ بدائيَّةٍ
تَرَى شيئًا بينهُم يُصارعُ كي يبقى حيًّا
كجِذْرٍ أو رُوحٍ
يتوهَّجُ لحظةً
ثم يسْحقونهُ.
الاختلافُ بينهُم
هو ما يهشِّم عِظَامهِ.
وما أرقَّ تلكَ العظام.
4-(دعني أُشارككَ شيئًا من الحِكْمةِ)
تعالَ
دعْنِي أُشارككَ شيئًا من الحِكْمةِ
هل أطلتَ التفكيرَ في حالنا الفاني؟
على الأرجح لا. ولِمَ تفعل؟ حسنًا اسمع.
كُلُّ الفانينَ مدينُونَ للموتِ.
لا أحدَ بينَ الأحياءِ
يستطيعُ أن يقُولَ إنْ كان سيبقى إلى الغدِ.
يتَحرَّكُ مصيرُنا في الخَفَاءِ.
إنَّه لُغزٌ
لا أحدَ يُعَلِّمهُ
لا أحدَ يُدْرِكهُ.
اقْبَلْ هذا
ابتهجْ
اشربْ كأسًا.
لكنْ لا تنسَ أفروديت — يا لها من إلهةٍ عذْبةٍ.
دعْ ما عداهَا يمْضي
هل تفهمُ ما أعْنِي؟
أظنُّ ذلك.
ما رأيُكَ في كأسٍ؟
تُزيَّنُ بإكليلٍ
أنا واثقةٌ
أنَّ رشَّةَ النبيذِ المرحة
ستُحَسِّنُ مِزاجَكَ.
كلُّنا فانُونَ كما تعلمُ.
فَكِّرْ كفانٍ.
لأنَّ نظريتي هي:
لا وُجُودَ لشيءٍ اسمُهُ الحياةُ
إنَّها كارثةٌ فحسبْ.
5-(فقدانُ حبيبٍ)
لعلَّ أصعبَ ما في فُقدانِ حبيبٍ
أن ترى السَّنةَ تعيدُ أيامَها من جديدٍ.
كأنني أغمسُ يدي في الزَّمنِ
أغرفُ منهُ
أقراصًا زرقاءَ وخضراءَ من دفءِ أبريل
منذ عامٍ في بلدٍ آخر.
أستطيعُ أن أشعرَ بذاك اليوم البعيد
يجري تحْتَ هذا اليوم
كشريطِ فيديو عتيقٍ.
6-(النساءُ)
كانَ يُنظرُ إلى النساءِ
ككائناتٍ مضطربةِ الحُدُودِ، لا يملُكنَ السَّيطرةَ عليها
يلازمُها التَّشوُّهُ.
تنتفخُ
وتنكمشُ
وتسيلُ
وتنثقبُ
وتتفتَّتْ.
تأمَّلْ دورةَ حياةِ الأنثى:
دماءَها اختراقاتها حالات حمْلِها وتبدُّلَ هيئتِها.
تأمَّلْ وحُوشَ الأسطُورةِ اليونانيةِ
وأغلبها نساءٌ اختلَّتْ حدُودهنَّ:
سكيلا وميدوسا والسيرينات والهاربيَّات والأمازونيات وأبو الهول.
ضبطُ النفسِ فضيلةٌ — جسديةٌ وذهنيةٌ وأخلاقيةٌ —
وكان القُدماءُ يرونَ أنَّ النساءَ لا يملكنَها أبدًا.
ولكي تكْتسبَ الأنثى شكلًا مُتماسكًا
كان لا بدَّ لها أن تَخْضِعَ نفسَها لضوابطِ الذَّكَرِ
ليمنحَها صُورتها.
7-(مدينةُ الرُّسُلِ).
.
بعدَ موتِكَ
كانت الريحُ تهبُّ كلَّ يومٍ.
كلَّ يومٍ.
تعترضُنا كجدارٍ
مضينا نصرُخُ بانْحرافٍ إلى بعضنا.
كانَ الأمرُ بلا جدوى على امتدادِ الطَّريقِ.
تصلَّبتِ المسافاتُ بيننا
صارت فراغاتٍ
ومع ذلك
ظلَّتْ صلبةً وسوداءَ ومُوجعةً
كفجواتٍ بينَ أسنانِ
امرأةٍ عجُوزٍ
عرفتَها قبلَ سنَواتٍ
حِينَ كانت جميلةً
والأعصابُ تنْهمرُ في جسدِها كحريقٍ في قصرٍ.
