يوم وصول أنطونيوني إلى المصحة (رابسودي) / آن كارسون

 يوم وصول أنطونيوني إلى المصحة
(رابسودي)

آن كارسون

ترجمة: أسماء يس

يوم وصول أنطونيوني إلى المصحة - آن كارسون - بيت النص


"كانت لحظة قلقة. وقد اقترب أكثر".
لوثيا بوسه

أيقظني صوت كتابتها. وبما أنك تسأل، فهذا ما أتذكره. مكتبها خارج غرفتي مباشرة. في بعض الأيام أسمع أصواتًا عالية. وفي أيام أخرى أسمع حشدًا من الناس، مع أنه لا يوجد أي حشد. تحتفظ بملاحظاتها على مكتبها. تدون أدويتنا. تحل الكلمات المتقاطعة، أو تضع علامات صح في هوامش قسم الإعلانات المبوبة. صوت جاف، أشبه بطحن خفيف. لا ينتبه الآخرون إليه. هذه فوارق يصعب احتمالها.
ثم حدث ذلك التمرد. أخبرونا أن علينا النزول إلى الصالون مبكرًا والمشاركة في النشاط، فخلعنا ملابسنا. ثمانية عشر عاريًا في القاعة. لم تنطق. وهذا ما أخافنا. ارتدينا ملابسنا مجددًا. أفرولات؛ فلم يعد هناك نساء أو رجال. ما وقعت عليه العين كان كومة وثائق فوق مكتبها، تحتوي فقرات قصيرة وتوقيعات ودبابيس. لم تُرَ هذه الوثائق مرة أخرى، لا في الصالون ولا في أي مكان آخر. أبقي عينَي على الوثائق. فالوثائق هي ما جلبتنا إلى هنا. "ها هو ذا"، قال أحدهم ونحن ننزل السلالم. كان أنطونيوني يرتدي بدلة بنية قصيرة، ويبدو كقط. رغبت في لعقه أو التربيت عليه. أظن أن المزاج الذي ساد الغرفة كان أشبه بانتشاء عاطفي. فوصول رجل وسيم فجأة لا يوقع الناس في الوهم بقدر ما يبقيهم مستيقظين؛ وقد اندفعنا، سكارى بيقظتنا ذاتها، نتحرك في كل اتجاه وننفذ أوامره.
كان الاستيقاظ حلمًا تمناه كثيرون، وقد ظلوا نائمين لسنوات، مثل الأميرة الشهيرة في نعشها الزجاجي. ذات مرة فتحت قطعة بسكويت حظ صينية، فوجدت بداخلها ورقة فيها "سينال بعضهم ما تشتهيه قلوبهم، يا للأسف!".
وقف خلف كاميرته، ماركة بيل آند هاول، مقاس 16 ملم. وأخذ اثنان من رجاله يوجهان التعليمات. كنت أنا وباتي وبيتس نزيح الكراسي عن الطريق. وكان لا بد من مد الأسلاك السوداء السميكة حتى تصل إلى مقابس الكهرباء. لم نرتكب أي أخطاء. كنا حذرين جدًا. لا هزل. لا نوم. لا تحديق. وكانت هي في مكانها بجوار الحائط، تعيد طي ورقة الكلمات المتقاطعة وتحاول أن تبدو هادئة. ولأن المزمور الحادي والخمسين يتضمن كلمة «الزوفا»، فهو المزمور المفضل لدَي.
الزوفا، (كما قد تعرف)، عشبة للتطهير، تفوح منها رائحة نعناع آت من الفضاء الخارجي. "قلبًا نقيًّا [طاهرًا] اخلق فيَ يا الله" [مزمور داود، 51، الآية 10]. شممت عبير الزوفا للتو، في اللحظة التي أضاءت فيها تلك الأسلاك السوداء الضخمة (فالضوء حين يزداد يصبح له رائحة)، وإذا بوهج مباغت يحاذيني مع السجاد المفروش على الأرض. وهكذا وجدنا أنفسنا جميعًا على الأرض، وباتي تصيح "واصلوا الدوران!"، ففعلنا ذلك (خشية الموت). وكلما دار بيتس متجاوزًا إياي، تبادلنا القبلات، وهو أحد ترتيباتنا الداخلية خلال الأنشطة الجماعية (التي تكثر هنا)، فالحياة قصيرة، والشوق المتقد شوق متقد.
تعتقد باتي أنني لو لم أكن في هذا المكان، لما ملكت وقتًا لشخص مثل بيتس. أخبرتها أنني شخص عملي، وأن بيتس هو تدريبي العملي حاليًا. وعبارة "أملك الوقت" هي بيت القصيد تمامًا؛ فالأيام هنا تمتد مئتي عام. أما الغرباء (أنطونيوني)، فيدخلون بإيقاع ذي سرعة غير مناسبة. وأراهن أنه أدرك ذلك. كان وجهه يحمل تعبير شخص دخل غرفة فلم يجد فيها أرضية. وفي هذه الأثناء، تدحرجنا حتى بلغنا الحائط، وبإشارة من باتي عدنا لنتدحرج في الاتجاه المعاكس. ورأيت ذلك حلوًا، وشبيهًا بلعبة البولينج على نحو ما. بدا أنطونيوني متألمًا من عواء الجميع.
العواء هو القاعدة هنا، قاعدة المجانين؛ فهو يستر القبلات ويخفف عنا الحزن.
فتح أنطونيوني عينيه. غادرت هي مكانها بجوار الحائط واقتربت منه. شرحت له أن المرضى يخافون الضوء، ويظنونه وحشًا. هذا النوع من المعلومات المضللة العفوية مألوف في مهنة الطب. طيب. أظن أنه لم يكن بوسعها أن تقول له "المرضى يعبدون أفروديت، واهبة الحياة، كلما واتتهم الفرصة، ونشكرك على إتاحة هذه الفرصة لهم".
عمومًا، لست على بينة من مدى ذكائها. ذات يوم، حدثتها عن التطور؛ وكيف أن البشر، في الأول، لم تكن لهم ذوات بالمعنى الذي نعرفه اليوم؛ بل أذرع ورؤوس وجذوع، ونحو ذلك، تتجول عند الأمواج المتكسرة على شاطئ الحياة، وكواحل غير متصلة بأجساد، وعيون تفتقر إلى الحواجب. حتى جاء الحب، في نهاية المطاف، فجمع الأجزاء المتناثرة وجعلها كائنات مكتملة. فسألتني "هل تعرفين كلمة من ستة أحرف تعني امرأة منحلة أو خليعة، مشتقة من صوت حوافر حصان يشق الطريق ليلاً؟". فأجبتها "أجل، أعرفها. ويمكنني أن أستحم مع بيتس الليلة، أليس كذلك؟".
أنا دائمًا أخطط للقادم، هذا طبعي؛ عملية كالمطهر، مثلما كانت أمي تقول "لكي تبتهج العظام التي سحقتها" [سفر المزامير، مزمور داود، 51، الآية 8]. لكن ها نحن الآن، ثمانية عشر شخصًا فظيعًا في غرفة واحدة، نحاول ألا نتبادل النظر ونحن ننهض عن الأرض. تمطع أنطونيوني تمطيعة قط أنيقة، ثم استعاد هيئته. وكان مدير المصحة يقف إلى جواره، يهمس بنبرة من يقول "هيا نرَ ما الذي تعلمناه اليوم". أومأ الجميع في رصانة. وددت أن أسمع شيئًا من أنطونيوني. فالقطط لا تبدد طاقتها عبثًا، لكنها تلاحظ كل شيء. ورأيت أنه لاحظ بيتس. يا لقرب المسافة التي تلامست عندها أقدارنا للحظة خاطفة!
كان ثلج أبيض جديد قد تساقط في الخارج فوق الوحل الداكن. وأعربت باتي عن إحباطها من مستوى العرض الصباحي ونبرته عمومًا "عرض ملخبط ابن وسخة، يا راجل"؛ أظن أن تلك كانت عبارتها. ومع ذلك، علينا أن نغتنم نعمنا حيثما حلت. لا شيء يحسن الحياة الجماعية مثل ساعة من التمارين الرياضية الإيقاعية في مستهل النهار. أما الصراخ، فيظل خفيفًا بقية اليوم.
"طهرني بالزوفا فأطهر، واغسلني فأبيض أكثر من الثلج". [سفر المزامير، مزمور داود، الآية 7] وكان يوم الجمعة، وكيكة الملاك على مائدة العشاء، ثم حمامات ساخنة في وقت لاحق، ومن يدري ما الترتيبات الداخلية التي قد تحدث هناك. منذ اليوم الذي علمتها فيه كلمة «تِتَب» (tittup)، [يمشي أو يتحرك بخطوات متمايلة ومرحة، وهنا تعني التبختر أو المشي بخيلاء] وهي تعاملني باهتمام إضافي، "لا تتصرفي كأنك في عزاء"، تقول ثم تميل بكرسيها إلى الخلف بشدة، مرتكزة على قائمتيه الخلفيتين.
تعليقات