آن كارسون: بلاغة الإيجاز والإلغاز. قصائد صغرى تفتح آفاقاً عظمى
أسعدني أن بعض الأصدقاء قد استطلعوا رأيي في حصول الشاعرة الكندية آن كارسون (Anne Carson) على جائزة نوبل المعلنة في أكتوبر 2026. واستطرفت أن بعضهم قد هنأني لأنني أقيم وأعمل في كندا منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، فكأن لي نصيب من الفرحة بذلك الفوز، بحكم المواطنة. وأعترف أنني قد بلغت من العمر الأكاديمي محطةً أستطيع منها أن أكشف عن ذائقتي بلا غضاضة، فلا أتردد في أن أقول إن كثيراً من شعر آن كارسون لا يعجبني، ولا يرقي في نظري إلى مرتبة نوبل. لكن لها قصائد قصاراً ومقاطع منفصلة متصلة منشورة كقصائد، تمثل بالنسبة لي خلاصة ما بالشعر من تركيز مؤثر، ومن سحر يحشد مشاعر مربكة وجديدة، ومن قدرة على الإدهاش وإلقاء ضوء جديد على العالم باللعب بالكلمات. رأيي أن نصوص الشاعرة الكندية -على قدر القليل الذي قرأته- متفاوتة القيمة، لكن نصوصها القصيرة مبهرة، والمقاطع المنفصلة المتصلة في قصائدها فائقة التأثير. إن قصائد آن كارسون شديدة القصر كفيلة وحدها بأن تضعها في مصاف كبار الشعراء في الغرب.
اللاوعي والتداعي الآلي:
لآن كارسون مجموعة من القصائد المتفرقة عبر أعمالها، والمقاطع المنفصلة المتصلة، تتسم بالإيجاز الشديد. ويجدر أن نطلق على أثر تلك النصوص في نفس القارئ: قصائد صغرى تفتح آفاقا عظمى. وتستلهم عبارتي هذه عنوانَ إحدى قصائدها الوجيزة: "خطبة قصيرة عن المقامات العظمى والصغرى" من ديوانها الأول "خطب قصيرة" أو "خطب وجيزة" الصادر عام 1992. إن تناولنا تلك القصائد والمقاطع في ضوء تراث الشعر الحديث، لاتضح أن جماع فاعليتها يتلخص في المصطلح المتواتر منذ أن تثبتت أقدام السورياليين على الساحة الأدبية في الغرب، منذ حوالي مائة عام، ألا وهو "الكتابة الآلية".
تلجأ كارسون إلى تقنيات تنتسب إلى الكتابة الآلية وتشفعها بآليات التراكم والتداعي. فتبدو قصائدها القصيرة وكأنها متوالية من الكلمات الصادرة مباشرة، وبشكل آلي، عن لاوعي الشاعرة. ولا تتضح لها دلالة معقولة ومعقلنة، إلا باعتماد تفسيرها على أنها مفردات تبزغ الواحدة تلو الأخرى بمنطق التداعي و"توارد الخواطر" بين لاوعي الشاعرة ووعيها، لحظةَ تسجيل نبضات ذلك اللاوعي. وتتميز قصائد آن كارسون القصيرة بمراكمة مفردات تتنافر فيما بينها دلالياً، وإن تآلفت من حيث المصادفة الإملائية أو مصادفة التداعي، على نحو يذكرني بالعديد من قصائد الشاعر الفرنسي جاك بريفير (Jacques Prévert) الذي برع في استخدام تقنية التراكم في النصف الأول من القرن العشرين.
إن تضافر كلٍ من التداعي وغياب المنطق العقلي الواعي الواضح، يجعل أشملَ وصف للخصائص الجمالية والهيكلية لقصار قصائد آن كارسون هو أنها تعتمد بلاغة الإيجاز. يبرز ملمح الإيجاز نظراً لقصر القصائد الشديد، حتى إن طول بعض مقاطعها المنفصلة المتصلة لا يتجاوز الخمسين كلمة. ونظرة على قصائد ديوانها "خطب قصيرة" تؤكد شيوع الإيجاز والاقتضاب في نصوصها القصيرة. يعززُ كلٌ من هذا الإيجاز الشديد، وتلك الآلية التي لا تنشغل بالشرح، ولا حتى بمبدأ الوضوح، بلاغةَ الإلغاز في القصائد، ولعلها خاصية جمالية تتقصاها الشاعرة، إذ كثيراً ما تعمد إلى استخدام ألفاظ حمالة أوجه، ملتبسة المعنى، أحياناً ما يمكن تفسيرها على أنها تشير إلى الشيء وعكسه.
مقامات كارسون:
في ترجمتي لنص "المقامات العظمى والصغرى"، آليت أن أضيف كلمة "المقامات"، لأنني أَوَلْت "العظمى والصغرى" (Major and Minor) في الأصل الإنجليزي على أنها إشارة لمقامات الموسيقى الغربية. فالتراكم في النص يخلق إيقاعا موسيقياً، يرادفه إيقاع طباعي يفتتحُ النصَ بفقرة من أسطر متصلة متوالية تتناول عظائم الأمور. ويختتمُ التراكم ُ النصَ بإيقاع متقطع، بجمل قصيرة في أسطر وجيزة تتناول صغائر الأمور، وتتميز ب"تخلع" الجمل، بحيث لا تتوافق نهايات الجمل نحوياً ودلالياً مع تقطيع الأسطر. ثم إن كارسون تبدو -جرياً على عادتها- وكأنها تلعب على التباس الألفاظ، فقصيدتها تشيرً في آن إلى مقامات الموسيقى من فخم ورقيق، وإلى عظائم الأمور وصغائرها من حيث المضمون. آثرتُ إدراجَ لفظة "المقامات" على استخدام كلمة "الأمور"، حرصاً على الاحتفاظ بالملح الموسيقي الذي أزعم أنه مضمر في القصيدة.
تقول كارسون في تلك القصيدة، التي أوردها هنا كاملةً بترجمتي:
"الأمور العظمى هي الريح، والشر، وجواد نفور عنود، وحروف الجر، وحب لا ينفذ، ومذهب الناس في اختيار ملوكهم. الأمور الصغرى تشمل الوسخ، وأسماء مدارس الفلسفة، والمزاج، وغياب المزاج، والساعة المضبوطة. ثمة أمور عظمى أكثر من الأمور الصغرى في المحصلة، بيد أن الأمور الصغرى أكثر مما كتبت هنا، إلا إن تسجيلها في قائمة يعتصر القلب. حين
يخطر ببالي أنك قد تقرأ هذا، لا أريدك
أن تقع في الأسر،
معزولاً عن حياتك نفسها بشبكة حاجزة من الأسلاك يحفها الزجاج
وكأن فيك شئ من إلكترا."
في قصيدة "المقامات العظمى والصغرى"، يخلق التجاور في كلتا القائمتين اللتين تَصُفُهما الشاعرة سلسلةً من التناقضات والتهكمات. عندما تضع أسماء المذاهب الفلسفية عقب "الوسخ"، وعندما تورد كلتا العبارتين في قائمة الأمور الصغرى -لا الكبرى- تنتج كارسون سخرية مفارقة، بل وكذلك تشير بلمحة إلى موقفٍ ناقدٍ من الفلسفة، ناقضٍ إياها. في القائمة نفسها إشارة إلى الوقت السليم أو الساعة المضبوطة، باعتبار أن ضبط الوقت أمرٌ غير ذي بال. وكأن الشاعرة، بكلمات موجزة، توجه نقداً في شكل ضربة فأس إلى بعض أسس الحداثة: الفلسفة باعتبارها نظرية للمجتمع المتقدم، والوقت المضبوط والمنضبط وهو المعلم اليومي للوقت الرأسمالي الحديث، وقت العمل والمواصلات التي تعتمد عليها التجارة والأعمال.
عندما يلي "الشر" ذكرَ "الريح" في قائمة عظائم الأمور، يبدو أن الشاعرة تفتح أبواب الأسطورة بأقل عدد من الحروف. ارتباط الريح بالشر هنا يحيل في رأيي إلى فكرة الشر بوصفه ظاهرة كونية وجزءًا من الطبيعة. لكن لا يملك القارئ العربي المدقق إلا أن يلاحظ أن الثقافة المصرية القديمة قد جعلت من "ست" إله الشر والريح والعواصف، مقابل أخيه "أوسر" أو "أوزيريس"، إله الخصب والخير، كما يشتهر اسمه بالصيغة الإغريقية. وكأن آن كارسون تضع الشر/الريح بوصفهما الشر الكوني، في مواجهة الحب اللانهائي وطريقة اختيار الملك، أي حكم الناس بالناس، بوصفهما الخير البشري. ولعل تلك الإحالة الأسطورية التي أتلمسها محض مصادفة، أو أن الشاعرة تطلق العنان لثقافتها الكلاسيكية الإغريقية واللاتينية القديمة وثيقة الصلة بالثقافات المصرية القديمة.
تختلط الأسطورة بالطبيعة والسياسة في القصيدة: الريح، الجواد، طريقة اختيار الساسة والقادة. ويبدو وكأن الجواد في تواصل وانقطاع مع فكرة الملك القائد، فهو جواد يمكننا افتراض أنه مطية محتملة للملك، وهو كذلك حصان جموح وربما عاص. يطل علينا الالتباس الدلالي المحتمل من خلف كل كلمة تكتبها كارسون. وتبدو القصيدة وكأنها تعيد ترتيب أولويات الإنسان الحديث. فالمرتبة الأولى للطبيعة (الريح) والسياسة (الملك) أي الأمور العامة المرتبطة بالشأن الجماعي. أما في المرتبة الأدنى، فيقع المزاج والوقت المضبوط، أي عاطفية الإنسان الفرد وذاتيته، ووقت العمل الذي يحكمه.
كارسون لا تطاق:
تتكرر عند آن كارسون عبارة "لا تطاق" (Unbearable)، وأحيانا ما تظهر في شعرها الذات الشاعرة أو الناطقة بضمير المتكلم، مشيرةً إلى نفسها باعتبارها شخصية "لا تحتمل" أو "لا تطاق". كأن الشاعرة تؤكد على تمردها وعلى اعتزازها بنفسها، حتى وإن أغفلت العناية بمشاعر من حولها. أختص قصيدة "فقرات ومضاجعات وغوايات" لآن كارسون (Stanzas, Sexes, Seductions) التي نُشِرت عام 2001 في مجلة النيويوركر الأدبية. وقد اخترت أن أترجم عنوان القصيدة كذا، بدلاً من "مقاطع وأجناس وغوايات"، لأنني أظن اختياري أقرب للروح الموسيقية والدلالية التي قصدتها الشاعرة، إذ عوضت تواتر صوت "السين" في العنوان الإنجليزي بتواتر صوت "ات" في ترجمتي، وركزت على معنى ممارسة الجنس "الخشن" لأنه بدا لي مقصوداً، ويتجاوز في حضوره فكرة تعدد الأنواع الجنسية الاجتماعية.
تتكون القصيدة من مقاطع منفصلة متصلة، وجيزة، تتكرر فيها عبارة "لا تطاق" مرتين في مقطعين -أو على وجه الدقة، في فقرتين تشكلان مقطعاً واحداً- لا يتجاوز طول مجموعهما العشرة أسطر. لكن هنا، الأمر الذي لا يُحتَمَل ليس صفة لذات فردية بعينها، وهو بالتأكيد ليس إشارة لآن كارسون. بل هو سمة لأمور عامة أو أمور يشترك فيها العديد من البشر، على سبيل المثال: غياب المعنى، أو العجز، أو الازدراء، أو بعض أحوال الموت. وأورد الفقرتين كاملتين بترجمتي فيما يلي:
"يحسن بالمرء أن يُختَن.
أبتغي ساقين بلا معنى.
ثمة أشياء لا تطاق.
بوسعك أن تفر منها طويلا.
ثم تموت.
تُذَكِرُني المحيطات
بغرفتك الخضراء.
ثمة أشياء لا تطاق.
الازدراء، الأمراء، وذلك الموت
من المقاس الصغير."
في القصيدة كلها تظهر أيضا تقنية التراكم، وتزدوج معها تقنية الإيقاع المبني بالتكرار. فعبر عشرة أسطر هي مجمل المقطعين/الفقرتين المنفصلين المتصلين، تتكرر جملة تشغل سطراً مرتين: "ثمة أشياء لا تطاق". ويتكرر ذكر تلك الأشياء مقترنة بالموت. في الفقرة الأولى سيدة تذكر أشياء لا تطاق يفر منها المرء، حتى لحظة الموت. ليس واضحاً تمام الوضوح إن كان ما لا يطاق هو المعنى أم غيابه؟ هل هي السيقان أم كونهما بلا معنى؟ وإن كان الأرجح عندي هو أن الفقرتين ضد كل مظاهر القوة الفردية. ولهذا يبدأ المقطع الأول وهو المقطع الأول من القصيدة باستحسان ضعف الجسد على الصعيد الجنسي.
مفتتح الكلام هو: "يحسن بالمرء أن يُختَن"، وقد اخترت "يُختَن" بدلاً من "يُخْصَى" التي ربما كانت أقرب للمعنى الحرفي في الأصل الإنجليزي. لكني آثرت استخدام "يُختَن"، لأن الأصل يطرح فكرةً تشير إلى إلغاء الأعضاء التناسلية للذكور والإناث على حد سواء. وفي السياق نفسه، يبدو احتفاء الصوت الشاعر بالساقين فاقدتي المعنى مجازاً للفقد الجنسي ولافتقاد القوة، فيستحسن الصوتُ أن يفقد المرءُ خصيتيه أو أن تفقد المرأة بويضاتها، مثلما يفقد المرء معنى الساقين. لا أفهم تلك الفكرة على أنها عدمية تدعو لقطع الحياة، بقدر ما أفهمها على أنها دعوة للتعفف عن كل محاولة لامتلاك المعنى، أو لتوهم القدرة على امتلاك زمام أمور الأجيال التالية (التي لن تولد إن تحققت دعوة الصوت الشاعر إلى التخلص من القدرة على الإنجاب، وعلى إنجاب/إنتاج المعنى).
أزعم أن الفقرة الثانية من المقطع الأول في القصيدة -الذي أوردته عاليه- يبرر ذلك التفسير المنصب على نقد مفاهيم القوة بشكل "سلبي"، ويعتمد على نبذ بعض مظاهرها. ففي الفقرة الثانية، تظهر تلك الأشياء التي "لا تُحتَمَل" بوضوح أكبر، وتبرز أمثلة عليها، ومنها "الموت" مقترناً بذكر "الأمراء". وكأن النصف الأول من المقطع يشير إلى التوتر بين الاختناق والتنفس، بين ما لا يطاق وبين السيقان، بينما يشير النصف الثاني، أو الفقرة الثانية، إلى توتر مغاير نسبياً، بين براح المحيط واختناق الغرفة، بين تحرر السيقان والموت الذي يلي ذكرَ الأمراء ورموز التسلط. تبدو نهايةُ المقطع الذي أوردته نهايةً سياسيةً بالمعنى المعرفي العام، وهي تفسر في رأيي نزوعَ الصوت الشعري في أول القصيدة إلى التخلص من المعنى (ليحرر الساقين)، واستئصال بيضتي الجسد عند الرجال والنساء، ليتحرر من "مسئولية" إعادة إنتاج المعنى، أو إعادة إنجاب أجساد سوف تتعرض حتماً لما يورده النص في نهايته: "الازدراء"، و(تسلط) "الأمراء"، و"الموت" (من النوع الصغير الذي لا مجد فيه).
خاتمة صغرى وتأويلات رحبة:
يبدو في القصيدة الأولى "خطبة قصيرة عن المقامات العظمى والصغرى"، أن السياسة، ممثلة في ذِكر طريقة اختيار الملوك، لهي من عظائم الأمور الواردة ضمن المقامات العظمى. لكن وفقا للمقطع المكون من فقرتين من قصيدة "فقرات ومضاجعات وغوايات" والذي أوردته في المقام الثاني، فالملوك -أو الأمراء على الأقل- من الأمور التي "لا تطاق". وفي ختام الفقرة الثانية من المقطع المذكور من "فقرات"، فالأمراء مذكورون مباشرة بعد لفظة "الازدراء"، وكأن فكرة الأمراء تستدعي فكرة احتقار الآخر، ولعلها تستجلب لنفسها الاحتقار. ما لا شك فيه أن القصائد والمقاطع الوجيزة عند الشاعرة الكندية تفتح آفاقاً في التأويل لا حصر لها، ولا حدود لمداها.
المؤكد هو أن قصائد آن كارسون القصار لها فاعلية سياسية وإنسانية، وأنها تلاعب القارئ بإصرارها على الإيجاز الشديد والإلغاز المفرط، مع استدعائها لروح ملحمية أو أسطورية، عبر بعض الألفاظ المقتضبة، القليلة. على أن هذه الملامح التي رصدها المقال وأوجزها في عبارة بلاغة الإيجاز والإلغاز، تشكل وجهاً من أوجه قصار القصائد عند آن كارسون، فحسب. فإنشائية المنتج الشعري لكارسون لا تتلخص فقط في فكرتي الإيجاز والإلغاز. ولعل عالمها يستدعي العديد من المقاربات ليحيط النقد بكافة أوجه إنتاجها.
