مزامير لامرأة لا تليق بأوصافها التسميات
كمال أبوديب
1 -
تخرجين من فجَوات التاريخ، ملفَّعة بالسُّور العتاق، مضمَّخة بحكايا العشيرة، مكفَّنة باليماني المقصَّب، والدمشقي الحرير. من ثناياك تفوح توابلُ الغوايات التي نسجتها الجدّات من أجل أن تطيِّبَ جسدَك لليلة افتتاحك الجليلة، على مذبحِ ذكرٍ يشتري رياضَك اليانعات بجواهر الصين، وكنوزَك الفائرات بألماس المدارات، ومفاتنَ جسدك بنفط الصحارى.
وتخرجين من حطام تاريخ الذكَرِ المعفّر بالعار، المثقل بالهزائم، المشبَع حتى النخاع بالفساد والانحلال، والقمع والطغيان، واستنزاف الأرض والسماء، واستغلال الوطن مزرعة لإتخام البطون.
وتطلعين من معتقل الزمان الذي سجنك فيه الذكَرُ قروناً طوالاً، باسم الآلهة والدين حيناً، وباسم طبيعة الأنوثة فيك حيناً، وادعاءً لشفقة عليك ورعايةٍ لك حيناً، وصيانةً لكنوزك الثمينة ولشرفه الموشوج بها حيناً.
لكنك تخرجين دونما ضغينة، نقيّةً من الحقد، متحرِّرة من روح القبيلة التي يغلي في دمها طلب الثأر، تلوبين من أجل أن تحرّري نفسك، وتحرّري سجّانك أيضاً، من تعفّن تاريخ أسود. ترين الرجلَ -هو أيضاً- ضحيةً لتراث من الاستبداد، بقدر ما ترين نفسك ضحية لهذا التراث وللرجل الذي قضى الدهور يلعب دور الحارس لميراث هو سجّانك وسجّان نفسه فيه.
تخرجين وأنت ترين حولك أتراباً لك يرزحْنَ في سلاسل الكبت، يلفّعْنَ الأجساد عنوةً بأقماط مغموسة في مستنقعات التاريخ، أصواتهن عورة في آذان سجّانيهن، وجدائلهن الفلوتة شراك غواية تنصبها شياطين الشهوة للذكور الهائجين.
2 -
بلى، من فجوات التاريخ تشرقين، وإليّ تأتين: صبيةً تخطر كما ناقة بيضاء في صحارى من الشهوة، وبوادٍ من الكبت واحتراق العروق في تعاليم صحف الأنبياء.
غير أنيَ الآن أرى لك ألقاً لم أعهدْه فيك من قبلُ، ووهْجاً لم يشرقْ مرّة في فضاء العيون، وعزيمةَََ انخطافٍ إلى مدارات الوعي والحرية والإنجاز لم تَبُحْ مرّةً بمثلها شفتاك. لكأنك تأتين إليّ مسربلةً بعريك، مدثّرة بكِ، ولاشيء آخر، في رفّة الأهداب بين أملٍ كان وحلم سيكون. وكذا جديدةً تولدين في زمن شدّ ما أجهضَتْ فيه الولادات الجديدة.
ذاك أنك لم تتلوّثي بكل ما غمرَتْ به مستنقعاتُ الحياة هياكلَ الرجال، ولم تبتُرْ أغصانَ دوحتك البكر سيوفُ الطغيان، ولم تفسِدِ النسغَ الذي يغذّي أعراقك النابضات- كما أفسدت نسغَهم- قرونٌ من التآمر والدسيسة، والنفاق والرياء، والتقيّة والتمويه، والتذلّل للسلطان، والخنوع للقهر، والتنمّر على الضعيف والانكسار أمام القويّ.
وأراكِ، فيهدهدني وعدٌ، ويمرع في عروقي حلمٌ، وتنبضين أنت بالشبق للحياة في كلا الوعد والحلم.
أراك في المصانع والسهول، في مقالع الجبال و منابت المزارع، وفي معارك الصراع من أجل مستقبل أكثر بهاء وحرّيّة وكرامة. وأبصرك في ردهات المصارف ومكاتب التجارة، وفي مدرّجات الجامعات وعبر مختبرات العلم، و في مشارح المستشفيات ورياض الأطفال، وفي نوادي المترفات وخيام البداة الراحلين إلى مساقط الغيث.
أراك تُهَنْدِسين السدود، وتشقّين الطرقات، وترسمين السياسات، وتغوصين على منابع الفكر، وتقوّضين التصورات التي ورثناها، وتغرفين من خضمّ المعرفة التي تكتظّ بها الحواسيب، وتديرين المتاجر الأنيقة، وتصمّمين الأزياء الفاتنة، وتشعّين على شاشات التلفاز، وتأتلقين في الصحف والمجلات، وتحنّين على طفل رضيع، وتواسين عجوزاً معدمة، وتميلين شفقةً على قامة ذكَر حنَتْها السنون، وأثقلتها أعباءُ عمر قضَمَتْه سنواتُ البحث عن لقمة العيش.
وفي كل شيء أراك فيه، وفي كل هيئة بها تتجلّين، أعشق في سيمائك القدرةَ على الخلق، وحدّة الذكاء، ونقاء السريرة، وصفاء العطاء، وروعة التفاني، والولَه بالابتكار، والصبرَ على المكاره، والإباءَ على الضيم، والتضحيةَ بكل نفيس من أجل ما هو حقٌّ وخير وجمال. وأحسُّك حرّةً تجوع ولا تأكل بثدييها في شراسة الضنَك، وفي زحمة الكفاح.
وأزهو بك ابنةًَ، وحبيبةً، وأختاً، وأمّاً، وزوجةً، وعشيقة، وصديقة، وزميلة، ومنافسة، وسبّاقة، وطالبة ومعلّمة، وملهَِمة، وفاتنة مفتونة، وقائدة داعمة، ورائدة ورفيقةَ طريق بكر.
3 –
وأراك تخلعين عباءة التاريخ المزركشةَ بذهب الهند، المثقلة بلآليء ديمون، والمنقوشة بالفيروز والكهرمان،
كما أراك تخلعين الملاءة الموشومة بدم البكارات، وترفضين بيع بهائك لتجّار العذارى، وسماسرة المتعة التي يسمونها "زواجاً"، وأشهدُكِ تحتفين برغبات جسدك وتوقه للحبّ، وبائتلاق شهوتك للارتواء، وبنداء أعضائك اللاهفة للُجَج جسدٍ مستفزّ، وأباركك تجمحين في إصرارك العنيد على أن يكون لك في كل شيء حقُّ أن تختاري ما تشائين، وحريّة أن تجهدي لتنالي ما إليه تصبين.
وأراك قامةً لا تكبّلها السلاسل التي صنعها الذين ترتعد فرائصُهم خوفَ أن تفتحي عينيك على آفاق الحرية، وتندفعي في مسالك المشاركة والريادة، والاكتناه والاكتشاف، والذين يرعبهم أن يكون جسدك طليقاً، وعقلك وقاّداً، وذكاؤك فعّالاً، ويداك قادرتين على الهدم كما هما قادرتان على البناء. فيقمّطونك بتراث العشيرة، ويقنّعونك بحُجُب الكتب الصفراء، وآيات الكبح والإقصاء، وترانيم الهياكل الوثنيّة. وعلى شرفات نهديك يعلّقون تمائمَ خوفهم على ما يسمونه "الشرف"، كأنما جسدُك صنمُهم المقدّس، وهيكلُ عباداتهم الراعفة.
وتبصرك مقلتاي، فأبصر ما لا تراه الأحداق. ذاك أني لا أراك رؤيةَ عينٍ، بل أغور فيك إلى ما تستشفّه البصائر التي تتقرّى الباطن الخفيّ، والمستسِرَّ الذي ما يزال في رحم الغيوب.
بلى، أبصرك في ما لم يكن، موقناً أنه سيكون:
امرأةً تنتصب في مسالك الرحيل، مكتظّة بشهوة الاكتشاف، ونشوة العبور إلى معارج الصراع، ومفازة البحث عن مفاتن المعرفة. إمرأة لا تهاب حميّا العراك، ولا يرفّ لها جفن في مغاور التيه، حين يفتنها نداء الحقيقة، وتعصف بأعراقها رغبةُ الولوج إلى مغاور المبهمات، ودهاليز المحرّمات.امرأة تحتفي بجسدها، برغباته وشهواته، وببهائه ومعارجه، وبغياهبه وأسراره، مثلما تحتفي الطبيعة كلّ يوم بولادة فجرٍ جديد، وشفَقٍ خضيل.
ثم أراك في ما تجيء به السنون، نافرةَ الصدر، مزهوّةَ الجيد، عاليةَ الرأس، سامقةَ الجبين، والنسيمُ يعابث شعرك الفائر، طليقةً في رياح المسافات، تخلعين عنك ربقةََ الوصاية ونيرَ الحماية، بأيّ إسم نقشهما لك الرجال في تاريخ الاستعباد الذي من أجلك ابتنوه وصاغوه. وكذا تمضين وحدك في ما أراك عليه من نشوة الانفلات نحو كرامة العيش، لا وصيَّ عليك ولا قَوّامَ- سوى ما تقيمينه أنت لنفسك من حدود، وما تُجِلِّينه من قيَمٍ ومفاهيم، وما يزدهر في حدائق مشاعرك النقية من أوراد- ولا حاملَ سياطٍ يهشّ بها عليك في المخادع، أو يفرقعها إرهاباً، لكي ينيخَك فريسةً لسطوته المتلذذة بانصياعك لوحش رغباته الأثيمة.
بلى، أراك في ما لا يُرى رؤيةَ العين، بل تدركه البصيرةُ التي تتمتع بنعمة النفاذ إلى أغوار الأعماق، وملَكة التشوّف والاستشفاف، تنتصبين بين أسراب من صبايا يهمهمن أناشيدَ لعالم سيكون: عالم يكتظّ بقامات ترهج في صفوفها سناء محيدلي، ترهف العين لتستحضر صورة الدمار الجميل قبل أن يكون، وتبصر راية الحريّة تخفق مركوزة في أضلاعها الفتيّة، وتوشوش الموت بنعومة عاشقةٍ رأت حبيبها فجأة يتعرّى على شاطيء النهر، فغمغمت على صدره بلغة العشق وشجن الوداع.
وتضيء بينها نوّار ، الصبية التي دثّرَتْ جسدها ببردة البقاء، حين راودتْ مناضلاً عن عباءته البيضاء التي رفرفت آية انتصار على قمم الجنوب.
و تغنّي في كتائبها الصاعدات أمٌّ بيسارها تهزّ السرير لطفل وليد، وبيمينها ترسم الخطط التي تضيء الطريق لمئات العاملين في شركة استثمار تشّيد مستقبلاً للوطن.
4 -
وكذا أراك: تولدين من توقِ أرضٍ إلى العطاء، وحنينِ تربةٍ لمطر الربيع، ولهفةِ غِراسٍ لآلهة الخصب.
وتولدين من لهفتي لأن أكون، فتكونين كلَّ ما اشتعلت نفسي لهفَةً إليه.
لكن ما من ضلوعي تخرجين، ولا من خيال ذكَر تتشكّلين، بل تكونين من طينة البدء، ومن رحم الأرض، وتنبثقين بفعل شهوة ذاتك للوجود، فتكونين لي رفيقةً على دروب البقاء، إلى جانبك أمشي، وعلى إيقاع خطواتك الواثقة أخطو، وبألق الخَلق في عينيك النبيتين أهتدي.
وأراك حفيدةً فاتنة لشهرزاد، غير أنك لا تغاوين شهريار بألعوبة الكلام، وأحابيل الحكايات المتعثكلة كشرانق الموت، بل تجبَهين إرادة الطاغية بألمعية الرؤية، وصلابة الشجاعة، وتقلِّمين براثنَه بحدّة الفهم، ورهافة الذكاء، وصلابة اليقين، وفيض المعرفة، و روعة التقدير، ودقّة التحليل، وسلاسة الكلمات، فتكونين في كلّ شيء كما نصلِ سيف صقلته أنامل الله ليكون صارماً يبتر الطغيان، ويجُبُّ رأس الأفعوان الذي يكبّل بكلاكله حرّية الإنسان، ويلتفّ خانقاً، مستنزفاً، على صدور الأوطان.
5 -
وكذا أراك في ما يأتي، لا في ما هو كائن الآن، ولا في ما كان، فأهلّل لكِ أيَّما تهليل.
و في احتفائي بتفتّح براعمك الواعدة، وإطلالة فجرك الوليد، أعمّدك بماء الحبّ، وأسربل جسدك الفارع بغلالة الجلال، وبمجدك الآتي أحتفي بغبطة رفيق، معك يحرث ويغرس، ويروي ويربّي، لتكون دوحةُ الحياة في مقبل أيامكما أكثرَ اخضلالاً، وأسمى قامةً، وأوفرَ ظلالاً، وأحلى ثماراً، وأنبلَ رؤى وتطلّعات، وأشدَّ عزيمة وصبراً على النائبات .
وتأخذ بي شهوة لأن أسمّيك، فأهَبَ لمجدك الأسماء حسنى، ولبهائك أنحني، وأستجيركِ أنْ: خُذي بيدي، وكوني منارة لهذا الظلام الذي أسدلته زنود الرجال على شغاف القلوب، ونوافذ الأحداق.
وفي بهجة العماد، قد أسمّيك وقد لا. وقد يكون ما به أسمّيك ضلالاً أو لا يكون، وسواء أعرفتِ أنت اسمك أو لم تعرفيه، وسواء أأدركك الآخرون أو لم،
فإنك ستكونين ما حلمْتُ لك أن تكونيه:
صافيةً تترقرقين كما نبع في الجبال، خارجاً من نقاء الصخور البيضاء، من ثلوج شتاء أنيق.
نقيةً لأنك لم تتلوَّثي بجرائرالاستعمار وعقلية المستعمَرين، فلقد حمَتْك من شواظّ سعيرها عزلتُك وراء جدران القمع، فظللتِ ينبوعاً للأصيل الأصيل، تصونين روح الحياة، وكنوز الثقافة، مكنونة في غياهب ذاتك، طاقةً رائعة لاستعادة غبطة الوجود، وحيويّة التغيير، وجماليات الإبداع، وبشائر الخلاص.
ونوراً جديداً تكونين، وسَفَراً بكراً إلى ما لم تره من قبل عينٌ، ولم تشنَّفْ بطلاوة أحرفه أذنٌ، ولم تطأ ثراه قدمان. أفلم تكوني أنتِ أصلاً أولَ الفعل، ورائدة الرحيل، والرحِمَ الأولى للخلق والإبداع، حين فتحتِ عينيه على مفاتن جسدك البدائي متقنّعاً بشجرة المعرفة؟
6 –
بلى، لقد كنتِ،
يَتُها التي لا تستنفد بحارَ روعتها محيطاتُ الكلام،
ولا ينضب فيضُ عطائها أنّى عصفت بها الأنواء.
يا التي قد يكون اسمها كوليت خوري،
وقد يكون اسمها غادة السمان،
وقد يكون اسمها جمانة نادر،
وقد يكون اسمها بثينة جواد،
وقد يكون اسمها دلال سليمان،
وقد يكون اسمها صفيّه سعاده،
وقد يكون اسمها غيداء عبد اللطيف،
وقد يكون اسمها سحر خليفة،
وقد يكون اسمها لبنى عبدالله،
وقد يكون اسمها هدى وصفي،
وقد يكون اسمها ريما خلف،
وقد يكون اسمها ليانة بدر،
وقد يكون اسمها خالدة سعيد،
وقد يكون اسمها سنيّة صالح،
وقد يكون اسمها أسيمة درويش،
وقد يصير اسمها، في لحظة انخطافٍ وسحر،
أمية ورهام وتلين
وحنان،
أو ليلى ونُعْم وعزّة، أو أسماء و رابعة، أو زينب وبلقيس.
وقد يكون اسمها ما يزال جمرة في رحم الغيب.
وقد لا أسمّيها باسم، ولا أسِمُها بوَسْمٍ، لتظلَّ أكبر من الأسماء كلها،
جميلةً لا تحيط بها الكلمات،
نبيلةً لا تستنفد رحابةَََ فضاءاتها الحدود.
وأيًّا كان اسمها فإنها امرأتي الجديدة.
قد تكون امرأة عربية جديدة.
وقد تكون امرأة جديدة.
وقد تكون امرأة وحسب.
امرأة لا تليق بأوصافها التسميات.
