في الحاجة إلى الشعر/ فتحي النصري

 في الحاجة إلى الشعر

فتحي النصري

في الحاجة إلى الشعر - فتحي النصري - بيت النص

هل نحن في حاجة إلى الشعر؟ هل الشعر ضروري؟ هل مازال الشعر ممكنا؟ كُتب الكثير في محاولة الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ومازال يُكتَب. وقرأت الكثير ممّا كتب. ومع ذلك لا أزعم أنّي، لو طُرِحت عليّ هذه الأسئلة، قادر على تقديم إجابة واضحة. فكلّما فكّرت في مثل هذه الأسئلة وحاولت صياغة قول فيها أُرتِج عليّ وأصابني نوع من الحُبسة. ولو طرح على طالب أيّام اضطلاعي بالتدريس بعض هذه الأسئلة لبدا عليّ التبلّد ولداريته ببعض الهراء الذي قد يعالج به الأستاذ مثل هذه المواقف التي لا يملك فيها إجابة. والحقيقة أنّي لا أملك إجابة أو على الأقلّ لم تحضرني إجابة وأنا أقبل على قراءة ما كتبه الشاعر حافظ محفوظ في سياق تفاعله مع خبر قرأه عن درس افتتاحيّ سيلقيه الأستاذ مبروك المنّاعي عن "ضرورة الشعر" في المعهد العالي للدراسات التطبيقيّة بقفصة.
ويفهم من العنوان أنّ مدار المحاضرة على الحاجة إلى الشعر، أو هذا ما فهمه حافظ محفوظ وما فهمته أيضا. وأستبعد أن يتعلق الأمر بالضرورة في الشعر أي ب"ما يجوز للشاعر في الضرورة" إذا رمنا استعادة عنوان كتاب القزّاز القيروانيّ في الجوازات الشعريّة. ومهما يكن فإنّ عنوان المحاضرة قد استفزّ على ما يبدو الشاعر حافظ محفوظ، فبادر، ولست أدري هل هذا من باب الاستباق أو الاحتياط ممّا قد يرد في المحاضرة، إلى تحبير نصّ نشره على صفحته على الفايسبوك. وقد قرأته ولم أفاجأ بما ورد فيه من تعظيم للشعر الذي "استطاع أن يخدع كلّ أشكال المحو والنسيان ويبقى حيّا محلّقا في الأعالي هازئا بصروف الموت السفليّ وبدونيّة الأجناس من حوله كأنّما هو الهواء بل هو الضوء ينفتح مجراه حين يكون...
الشعر نور/ الشعراء مرايا.."
ويتواصل النصّ على هذه الوتيرة ممجّدا الشعر ومهلّلا للشاعر الذي يشارك الإله الخلق. "ومن توهّم موت الشعر فإنّما هو الميّت والشعر بياض قبره.." ويتساءل بعد ذلك "لمن يكتب الشعراء اليوم؟" ليجيب "إنّهم يكتبون للجماهير الواسعة لتزداد اتّساعا (عندما قرأت هذا حضرتني عبارة "الجماهير العريضة"على طريقة عادل إمام في مسرحيّة "الزعيم" !)
وللمثقّفين ليخفّفوا من ثقل الثقافة عليهم.
يكتبون لأشباه الكتّاب وأشباه الشعراء حتّى ينظروا إلى وجوههم بصدق مرّة واحدة في المرآة
الشعراء يكتبون للأطفال.."
وهذا إنشاء جميل يرشح بروح انتصاريّة سعيدة. ولكنّه لا يفسّر لم سوق الشعر كاسدة ولم لا يتحمّس الناشرون لنشره بل قد يحجمون عنه، ولم مبيعات الشعر، إذا استثنينا بعض الأسماء العربيّة المكرّسة، ضعيفة ولم لا يقتني الشعراء أنفسهم دواوين زملائهم، بل لم ظلّ الشعر من بين الفنون السبعة الفنّ الوحيد الذي يمكن حضور عروضه مجّانا ومع ذلك لا يأتيه الجمهور، بل لم يكاد يكون الشعر الفنّ الوحيد الذي تطرح مسألة ضرورته. أليس طرح سؤال الحاجة إلى الشعر باستمرار يدلّ في حدّ ذاته على الشك في ضرورته أو أنّ هذه الضرورة ليست على الأقلّ بديهيّة. بل لعلّ الأساس في إثارة مسألة الحاجة إلى الشعر في العصر الحديث هو تراجع مكانته ووعي الشعراء والنقّاد والفلاسفة بهذا الأمر.
وقد عُللت ضرورة الشعر بمبرّرات عديدة منها وفق ما ورد في مقال فتحي المسكيني "لماذا الشعراء في الزمن الرديء" حاجة الإنسان إليه ليُبقي على إنسانيّته، ومنها قدرة الشعر على رفع الحدود بحيث يقترن الشعر بالحب والجنون ف"أن نكتب الشعر مثل أن نحبّ أو تقع عقولنا تحت غيمة جنون ما"، ومنها أنّ الشعر يحرس الذاكرة ويقول الآخر ف"أنا هو آخر" على حدّ تعبير آرثر رمبو، ومنها أنّ الشاعر يعيد رسم الأفق الذي تمضي نحوه أمّته ، ومنها جعل الإقامة في العالم ممكنة، ومنها أنّ الشعراء لا يهربون من الواقع بل يبحثون عن "الواقع المفقود"، ومنها أن الشاعر يحرّرنا من ربقة اليوميّ والمألوف فهو "المتكلّم الوحيد الذي لديه شيء جديد يمكن قوله"، ومنها أن الشعر يبلغنا تخوم المجهول أو الأبديّة "لقد وجدت الأبدية"، قال رمبو، أو يجعلنا في مواجهة اللامعنى، لا معنى الحياة و"لا معنى الشعر".
وتعليل الحاجة إلى الشعر بمثل هذه التبريرات، ويوجد غيرها، لا يخلو من وجاهة. ولكن هل تكفي للحكم بضرورة الشعر، لا سيّما وأنّ الفنون الأخرى أو بعضها يمكن أن تقوم مقامه في الاضطلاع بهذه "المهامّ". وهل تكفي لتفسّر تمسك الشعراء بحرفة يدركون أنها كاسدة. قد يلبّي الشعر وهذا ينطبق على فنون أخرى حاجات لدى الإنسان. ولكن في قرارة نفسي وهذا أمر أشعر به أعتقد أنّ الشعر ليس ضروريّا ضرورة النوم والأكل والشرب إلاّ للشاعر نفسه، ولأسباب مرتبطة بممارسة الشعر في حدّ ذاتها ولا تطابق بالضرورة الأسباب المذكورة آنفا. فضرورة الشعر في تقديري شخصيّة أساسا تتعلّق بالشاعر وإن سعى النقاد والفلاسفة وحتى الشعراء إلى جعلها اجتماعيّة معلّقة بوظائف. أنا لا أنفي هذه الوظائف الاجتماعيّة ولكن ليست هي التي تجعل الشعر ضروريّا ضرورة الماء والهواء.
أعتقد أنّ الشعراء يكتبون الشعر لأنّه الطريقة الوحيدة المتاحة لهم للإعراب عن أنفسهم وهو طريقهم الوحيد إلى المعنى ولا يستطيعون فعل ذلك بدونه، فإمّا الشعر وإمّا الخرَس. إنّه طريقهم إلى ذواتهم وبدونه يظلّون خارجها مغتربين عنها. في الشعر يصدقون أنفسهم ف"ليس هناك شعر غير متمرّد على الكذب"(جمال الدين بن الشيخ). وهذا الصدق هو الذي يجعل الآخرين يرون أنفسهم فيه.
وأعتقد أنّ الشعراء يكتبون لأنّ الشعر وسيلتهم لتحمّل عبء الوجود وعبء الزمن. إنّه يخفّف عنهم الإحساس بالألم والغربة والفناء. يخفّف ولا يزيل، لذلك يحتاج الشاعر إلى أن يعاود الكتابة باستمرار. ويدرك أنّ تلك آلته ويعلم حدودها. وواهم من يقول "هزمتك يا موت الفنون جميعها"، وَوَعى المأساةَ حقّا من قال: "يظنّون أنّهم خلّدوا وأماتوا الموت. وما خلّدوا. وإنّما هي آلام الإنسان يترامى صداها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل".
وأعتقد أنّ الشعراء يكتبون من أجل المتعة والنشوة، متعة اللعب بالكلمات، المتعة التي تنسيهم الألم وتعيدهم إلى طفولتهم، ويكتبون من أجل متعة الإحساس بالجميل. وواهم من يتصوّر " أنّ الشعر ليس جميلا بالضرورة". الشاعر يطلب الجمال الفنّيّ حتى عندما يكتب عن "جيفة". هذا لا ينفي أنّ الشعر قائم على الهدم ولكنه يهدم ليبني. الشعر الذي لا يغادر طور الهدم هو شعر مبتور.
وأعتقد أخيرا أنّ الشعراء يكتبون من أجل الخلق. إنهم إذ يخلقون ينفون العدم ويعلُون الزمانَ والمكان. ويدّعون مسألة "لا تخصّ سوى الله".
تلك بعض الخواطر التي جالت في نفسي وأنا أتأمّل مسألة الحاجة إلى الشعر. أمّا هل مازال الشعر ممكنا وما وضع الشعر العربيّ اليوم وما منزلته من الشعر العالميّ وهل حقّا العرب أمّة شعر وهل يرتقي ما أنجزه كبار شعرائهم في العصر الحديث إلى ما أنجزه على سبيل المثال في القرن التاسع عشر شاعر مثل شارل بودلير الذي لم يترك سوى "أزهار الشرّ" و"قصائد نثريّة صغيرة" لا أربعين ديوانا أو أكثر كما هو الحال بالنسبة إلى شعرائنا "الكبار". فكم يا ترى من الشعر في هذا الكم الهائل من الدواوين. تلك أسئلة غير منفصلة عن سؤال الحاجة إلى الشعر. وقد نعود إليها.
تعليقات