هل للشّعرِ أن يُغيّر العالمَ؟
زهرة القاضي
منذُ فترةٍ، كنتُ في ضيافةِ مدينةٍ بحريّةٍ مغربيّةٍ في مهرجانٍ شعريّ. في اليومِ الأوّلِ صعدنا القاعةَ أعلى البنايةِ، من السّحابِ يسقطُ مطرٌ كثيفٌ، نُطلّ على المدى الأخضرِ، جبالٌ ثمَّ بحرٌ، بحرٌ ثمَّ أفقٌ. ألبسُ شالا أبيضَ ولا أحدَ في القاعةِ سوانا أنا وهوَ وبعضَ الحضورِ الذينَ توزّعوا على الكراسِي في انتظارِ بدءِ القراءات الشّعريّة. يحجبُ الرّؤيةَ غمامٌ رماديّ، سمعتُ كلماتٍ صاعدة ربّما من الحضورِ أو منهُ هوَ: ما فائدةُ الشّعر؟
رمت بي ذاكرتِي في دفق سؤال آخرَ: ما الشّعرُ؟ أنا أعرفُ الشّعرَ لكنّي لا أعرّفهُ. صمتُّ في ذاكَ الجوّ الرّماديّ والأضواءُ تتلألأ بينَ الحينِ والآخرِ، وقلتُ ببحّةِ أقصى الحلقِ: لا فائدةَ للشّعرِ. ذاكَ هو قدرُ الشّعرِ، أن لا توكَل إليه أيّ وظيفةٍ، هو شيءٌ شبيهٌ بالبطالةِ، ولعلَّ كلّ من يُمارسُهُ عاطلٌ، لذلكَ ريّما يكونُ فنّ الشّعرِ مهجورا، أو ربّما هجرهُ كثيرونَ.
بحركاتٍ ارتداديّةٍ، ينقرُ طائرٌ بلّورَ النّافذةِ، أنقذنِي من صمتٍ مُربكٍ، برأسهِ يحاولُ أن يخترقَ البلّورَ، ليسَ كلّ ما يُرى يُخترقُ. التفتُّ في المدى وقلتُ: الشّعرُ قد يكسرُ مثلا قاعدةً فيزيائيّةً، وقد نرسمُ بالكلماتِ طائرا يخترقُ الزّجاجِ وحامَ بيننا لُيلوّنَ بالأضواءِ المُنعكسةِ"
بعدَ نصفِ ساعةٍ، امتلأت القاعةُ بالحضورِ من الشّعراء ومحبّي الشّعر، ماذا سيغيّرُ الشّعرُ فيهم بعدَ مُغادرةِ القاعةِ؟
الشّعرُ لا ينفخُ الرّبيعَ في وردةٍ
ولا يردُّ جناحا لطفلٍ في الرّكامِ
ولا ينقذ قريةً من سقوطٍ مُفاجئٍ.
تنتهِي وظيفةُ الشّعرِ إن طلبنا منه أن يفعلَ كلّ هذا، لكنّه قد يفعلُ أشياءَ أخرى. قد يحوّل الخيامَ إلى صالوناتٍ ثقافيّةٍ، قد يُكتب على أغلفةِ الكرتون في صناديقِ المساعداتِ، للشّعرِ أن يُكتبَ على جدرانِ المراحيضِ العموميّةِ في الملاجئِ.
زمنَ الحروبِ، لا نبحثُ عن القصيدةِ، نبحثُ عن الرّغيفِ. لا نشذّبُ صورة شعريّة، بل نقفُ في الطّوابيرِ لأنّ رغيفَ الخبزِ هو ما يصيرُ معجزة، لا دهشةُ القصيدةِ.
ناصر الربّاح كاتبُ فلسطينيّ، كتب على مسوّدته وهو يستذكرُ هجز الأب أمامَ صغارهِ: نحنُ الآن لا نكتب القصائدَ، نحنُ نكتبُ كشفا بأسماءِ ما نسيناهُ من رغباتٍ. الخبزُ ليسَ رغيفا فحسبُ، إنّه المعجزة الني تنتظرُها خلفَ شاحنةِ الطّحين"
ناصر الرباح صمّ رُكبيتيهِ إليهِ وجعلهُما مكتبا، شاعرٌ ينضمُّ إلى حزبِ الشّعراء الذي أرادَ الصغير ولاد حمد يوما تأسيسَهُ: تتمّ الآنَ مشاوراتٌ بين شعراء الكرةِ الأرضيّة قاطبةً، وسيعمل الشّعراء على كتابةِ قصائدَ من شتّى اللَغاتِ، ومن المنتظرِ أن يلتحقَ أبو الطيب المتنبّي بالقافلةِ، اصمدوا واتركوا هذا الأسبوع للشّعرِ والشّعراء"
في القاعةِ، بعدَ نصفِ ساعةٍ أخرى، يزدادُ الحضورُ أكثرَ، تنسدلُ أضواءُ الشّارعِ على نوافذِ القاعةِ، يأتِي صوتٌ من الأقاصِي في أديمِ الحميميّةِ: هل تخافُ الحروبُ من الشّعراءِ؟
الشّعرُ أيضا وحشيٌّ. لكنّ وحشةَ الشّعر ليست وحشةَ الحروبِ. وِحشةٌ عذراءُ، مُطلقةٌ، ممتدّةٌ، ناعمةٌ، هشّة، الشّعرُ يعيدُ الحياةَ دفقا هشّا. والحروبُ تخافُ هشاشةَ الشّعراءِ. يصرُّ الطّائرُ على اختراقِ النّافذةِ وسطَ الظّلامِ، رأسهُ يرتطمُ، ويكّررُ الارتِطامَ. شيءٌ ما داخلي يستحضرُ عبارة بودلير العظيمة: الشّاعرُ يدخلُ متى أرادَ في شخصيّةِ أيٍّ كانَ.
نتمُّ بياننا الشّعريّ: منذُ الإباداتِ والعزواتِ والحروبِ وتدفّقِ التّكنولوجيّاتِ، ونحنُ ننتظرُ الشّعراءَ، ننتظرُ حتّى من أفلَ، ننتظرُ لوركا: قيتارةُ غرناطة الذي تغنّى بالثّورة، ننتظرُ نيرودا الذي نُفيَ وكتبَ وعاشَ شعريّا، ننتظرُ معين بسيسُو لينهضَ من ذبحةٍ قلبيّة، ننتظرُ آنا كريتوفا لتتفتّح مثل وردةٍ، ننتظرُ محمود درويش الذي أحبّ لوركا كثيرا.
انسدلَ الظّلامُ، وغابَ الحُضورُ وسطَ القاعةِ، رأسُ الطّائرُ يرتطمُ، قطراتُ مطرٍ تقعُ على سقفِ البنايةِ، إيقاعٌ من هنا وهناكَ، لمْ يبقَ سوى أنا وهُو/ سألتُه: ماذا يعنِي أن تكونَ شاعرا؟/ أطرقَ صمتا ثمّ أجابَ: أن أريلَ كلّ الحدودِ والفواصلِ في العالمِ.
غادرَ الجميعُ القاعةَ ولم يبقَ سوى الطّائرِ بدمٍ في رأسهِ وهو يحومُ…هو ذاكَ الشّعرُ تماما.
إدغار موران غادرَنا منذُ ردحٍ. أقام شعريّا في العالمِ. تحدّثَ عن الدّهشةِ، قال: لا يمكنُ أن نُصالحَ الحياةَ إلّا بالشّعرِ، بكلّ ما هو شديدٌ.
شديدا ارتطمَ الطّيرُ، شديدًا اكتويْنا، شدِيدا تكلّمنا، شديدا سبكْنا الصّورَ، شديدًا برزتْ الأصواتُ، شديدا رثينا الشّعراءَ، شدِيدا أحببنَا أن نكونَ شُعراء ونُبقيَ القاعةَ بأضوائها، ونُطلقَ الطّيرَ في سمائهِ، دونَ أن نضمّدَ جرحَهُ: الشّعرُ يأفلُ إن أفلت الجروحُ…
